✍️ Papertrails.. ملتقى الكتابة والتأمل والهايكنج: من خلال رحلات السير الطويلة (الهايكنج) التي خاضتها عبر مصر ونيبال وتنزانيا وغيرها، اكتشفت منة عبد الرحمن (لينكد إن) أن الكتابة هي الرفيق الأمثل في رحلات السفر الفردية. من هنا فكرت عبد الرحمن في دعوة الآخرين لمشاركتها تلك التجربة من خلال Papertrails، وهي مبادرة لتنظيم رحلات تجمع بين رياضة المشي لمسافات طويلة بين الطبيعة وورش الكتابة الإبداعية.
من المكتب إلى العالم
حققت عبد الرحمن ما يحلم به كثيرون، إذ تخلت عن الوظيفة المكتبية التقليدية واختارت حياة قائمة على شغفها بالاستكشاف والسفر. عقب تخرجها في كلية الاقتصاد، أمضت عبد الرحمن ست سنوات في بناء مسيرة مهنية شملت ريادة الأعمال والاستثمار الملائكي المحلي ورأس المال المغامر في مراحله المبكرة وكذلك قطاع التكنولوجيا. وكانت في الوقت ذاته تستغل أي إجازة لخوض العديد من رحلات الاستكشاف والهايكنج داخل مصر وخارجها.
البداية: بحلول 2020 — وبعد تأسيسها لشركتها الاستشارية الخاصة ما أتاح لها مرونة أكبر في إدارة وقتها — تولت عبد الرحمن وظيفة أخرى بدوام كامل كقائدة للرحلات الاستكشافية مع شركة لايف هابنز أوتدورز لسياحة المغامرات، قادت خلالها رحلات تسلق في كليمنجارو وجبال الأنديز ومسار الإنكا وسالكانتاي ونيبال وجبال الألب. "كانت تلك بمثابة خطوتي الأولى خارج حدود المألوف، إذ أدركت حينها أن ثمة مساحة تتيح لي توظيف مهاراتي في مجال الأعمال والريادة ضمن قطاع سياحة المغامرات"، حسبما قالت لإنتربرايز.
"بدأت أشعر بارتباط قوي وحب حقيقي للطبيعة المفتوحة، إذ أحببت بشدة فكرة الهايكنج الجماعي"، حسبما قالت عبد الرحمن، مؤكد أن السير لمسافات طويلة والتأمل وسط الطبيعة أحدث تغييرا كبيرا بداخلها. بيد أن رحلتها كانت تدريجية للغاية، فلم تحدث بين عشية وضحاها: "كنت أبتعد عن مسيرة مهنية بنيتها بفخر وخطى ثابتة، ولم يكن الأمر بسبب فقداني الشغف بها، بل كان هناك شغف آخر مختلف هو الذي يوجهني".
بدأ المشروع بفكرة تمنت عبد الرحمن وجودها على أرض الواقع، إذ اكتشفت أن معظم الخيارات المتاحة محليا لرحلات الكتابة إما تمتد لعدة أسابيع أو تقتصر على يوم واحد فقط. كانت فكرة تنظيم رحلات للكتابة وسط مناظر طبيعية شاسعة تختمر في ذهنها بالفعل، ومع سنوات من خبرتها في إرشاد الأشخاص عبر الطبيعة، وتنظيمها مسبقا لرحلات هايكنج مع الأصدقاء، قررت إطلاق أول رحلة تجريبية لمبادرة بيبرتريلز في 2020، وقد استأنفت عبد الرحمن نشاط المبادرة في الخريف الماضي ومضت فيها قدما دون توقف.
جوهر الفكرة
لم يكن الهدف من بناء المشروع تأسيس عمل تجاري تقليدي، بل كان تقديم ما تصفه عبد الرحمن بأنه "مزيجا ساحرا بين السعي الإبداعي والحركة والمناظر الطبيعية"، إذ نبعت من شغف حقيقي بالطبيعة المفتوحة وإيمان عميق بقدرة الطبيعة على تجديد الطاقة وإلهام الإبداع. "هناك شعور عميق بالرضا حين تتمكن من تهيئة تلك المساحة لأشخاص آخرين، عندما لا يقتصر الأمر على رؤيتهم لأنفسهم بمنظور مختلف وسط بيئة طبيعية مفتوحة، بل يمتد ليشمل الانخراط الفعلي في عملية إبداعية عميقة وبناء نتاج فني يرتبط ارتباطا وثيقا بالأرض والطبيعة".
ينظم المشروع رحلاته كل موسم في موقع مختلف لفترة تتراوح بين 4 إلى 5 أيام، وتستضيف كل رحلة ما بين 8 و12 مشاركا. تدور كل فعالية حول ثيمة محددة تختارها عبد الرحمن بعناية، تتضمن مجموعة من القراءات المستوحاة من تجارب شخصية، تتنوع بين الأعمال الروائية والواقعية والمقالات والشعر وأحيانا الأعمال التجريبية. وتكون هذه القراءات أساسا لورش العمل التفاعلية خلال الرحلة، إذ يتوقع من المشاركين الجلوس في حلقة لمشاركة كتاباتهم ومناقشتها.
من هي الفئة التي تستهدفها المبادرة؟ أي شخص يبحث عن مساحة للكتابة سواء كان كاتبا محترفا أو هاويا، المهم هو أن يكون مستعدا لخوض التحديات البدنية التي تنطوي عليها ممارسة الهايكنج، وكذلك الانغماس في أجواء الطبيعة. كما أكدت عبد الرحمن أنها تفكر في تصميم تجربة أوسع تشمل الفنانين وغير الفنانين على حد سواء.
الاهتمام بالتفاصيل
تتعامل عبد الرحمن مع تفاصيل التجربة بحرص وجدية شديدة: "يأتيني أحيانا من يسألني: هل يمكنني الانضمام ليوم أو يومين؟ إجابتي ببساطة: لا، حفاظا على قدسية التجربة واحتراما لخصوصية المشاركين الذين يحضرون ويتجردون من حواجزهم ويشاركون أفكارهم". لا تتسع تلك التجربة لمن يخططون للجلوس بصمت خلال النقاشات دون مشاركة فعالة، إذ تركز على الجانب الجماعي والقدرة على الجلوس والكتابة مع مجموعة ترتبط بنفس المكان والزمان والهدف، بحسب عبد الرحمن.
كيف يجد المشاركين طريقهم إلى المبادرة؟ يتعين على المشاركين المحتملين أولا ملء استمارة طلب، تليها مقابلة شخصية فردية مع عبد الرحمن تقيم خلالها توقعات كل فرد، بهدف إيجاد أولئك الذين يدركون طبيعة الرحلة جيدا، بداية من متطلباتها البدنية — خاصة في الرحلات التي تعتمد بكثافة على المشي — وصولا إلى الالتزام العاطفي والشخصي العميق الذي تتطلبه.
بعد اختيار المشاركين، تواصل عبد الرحمن الإشراف على كل تفاصيل الرحلة بنفسها، وبصفتها متمرسة في الهايكنج والسفر الاستكشافي، تتفقد كل موقع مسبقا وتسير في المسارات المحددة قبل موعد الرحلة بمساعدة مرشدين محليين وأدلتها الإرشادية الخاصة. كما تحرص على قضاء وقت مع السكان المحليين في مختلف المواقع، وبناء علاقات مع المرشدين البدو والقائمين على الوجهات التي تزورها باستمرار.
الخطوة التالية؟
تركز عبد الرحمن حاليا على الحفاظ على جوهر التجربة التي تقدمها بدلا من التسرع في التوسع، فجزء كبير منها يكمن في مجاراة وتيرتها دون التخطيط المسبق لما ستكون عليه مستقبلا. بيد أن عبد الرحمن تأمل حقا في توجيه مخرجات الرحلات الإبداعية في مجلة أدبية سنوية، كما تخطط لإطلاق رحلات قصيرة بالقرب من المدينة، قبل أن تتوسع المبادرة لاحقا لتشمل وجهات طبيعية أخرى في جميع أنحاء العالم العربي. أما عن الرحلات المقبلة، فتنظم عبد الرحمن مغامرة ساحلية لأول مرة في مرسى مطروح، في الفترة من 1 إلى 5 سبتمبر.