على مدار ثلاث سنوات، أدت الارتفاعات القياسية في أسعار الذهب وحالة عدم اليقين الاقتصادي إلى ابتعاد الطلب عن المشغولات الذهبية، والاتجاه بدلا من هذا نحو السبائك والعملات وصناديق الاستثمار الخاضعة للرقابة. لذا تستعد شعبة الذهب والمعادن الثمينة باتحاد الصناعات المصرية، برئاسة إيهاب واصف، لتدشين مبادرة تهدف إلى إعادة توجيه دفة النمو نحو تصنيع المشغولات ذات القيمة المضافة. بيد أن آراء المصادر في القطاع تتباين حول مدى الحاجة إلى هذه المبادرة.
ستدعم المبادرة المصانع والورش والتوظيف، ضمن استراتيجية اتحاد الصناعات المصرية حتى عام 2029. ويرى واصف أن مستقبل القطاع يعتمد على "قدرة الصناعة على إنتاج مشغولات ذات جودة وتصميمات تنافس الأسواق العالمية"، مضيفا أن تطوير التصنيع والمنتجات، ودعم الأعمال الصغيرة والمتوسطة في هذه السوق، وتدريب القوى العاملة، تشكل المحاور الأساسية لتلك الاستراتيجية.
كما تكشف البيانات مدى اتساع هذا التحول؛ إذ بلغ عدد المستثمرين في صناديق الذهب والفضة 329 ألف مستثمر بنهاية يونيو 2026، بزيادة قدرها 14% على أساس ربع سنوي. في حين وصلت قيمة الأصول المدارة إلى 9.35 مليار جنيه، وفقا لبيانات الهيئة العامة للرقابة المالية. ويشكل المستثمرون الأفراد 71% من الإجمالي، علما بأن أعمار أكثر من 70% منهم تتراوح بين 20 و40 عاما. وتستحوذ صناديق الذهب على السواد الأعظم من هذه الشريحة، إذ يمتلك 306,500 مستثمر نحو 9.2 مليار جنيه موزعة على سبعة صناديق، في حين استقطب أول صندوقين للفضة في مصر نحو 22,300 مستثمر حتى الآن رغم تدشينهما مؤخرا في الربع الثاني من هذا العام. بالإضافة إلى ذلك، تعد صناديق المعادن النفيسة حاليا الشريحة الأسرع نموا ضمن قطاع صناديق الاستثمار المشتركة في مصر، الذي يبلغ حجمه 411 مليار جنيه. فقد سجلت نموا بنسبة 30% على أساس ربع سنوي في الربع الأول من عام 2026، مما يجعلها صاحبة أعلى متوسط عائد في القطاع بنسبة 20.4%.
يتجاوز التحول الهيكلي محض ارتفاع مشهود في أسعار الذهب. إذ يشير هاني ميلاد، رئيس الشعبة العامة للذهب والمجوهرات بالاتحاد العام للغرف التجارية، إلى أن القطاع يفتقر إلى بيانات دقيقة تقيس حجم الطلب الذي انتقل من المشغولات إلى السبائك. لكن الاتجاه العام يبدو واضحا. قال ميلاد: "السبائك، بالشكل الذي نراه اليوم، لم تكن موجودة قبل خمس سنوات. فالارتفاعات المتتالية في أسعار الذهب شجعت على هذا التحول".
ويلفت ميلاد إلى دخول فئة جديدة تماما من المشترين إلى السوق. إذ قال: "ظهرت شريحة جديدة من العملاء في سوق الذهب بهدف التحوط وحفظ القيمة، وليس بغرض شراء المشغولات للزينة كما كان سائدا". وأضاف أن بعض المدخرين "فضلوا تحويل مدخراتهم من الودائع البنكية أو حتى من الاستثمار العقاري إلى الذهب". ومع ذلك، يرفض ميلاد فكرة انهيار الطلب على المشغولات. وأردف قائلا: "لا يزال هناك من يشتري الشبكات والمجوهرات، وإن كان بأعداد أقل".
ويحمّل ميلاد المُصنعين مسؤولية إنعاش المبيعات بدلا من إلقاء اللوم على ظروف السوق. فقد قال: "الكرة في ملعبهم، وعليهم أن يحددوا الأدوات التي يمكن أن تعيد التوازن إلى السوق". وتتركز أولويته على الجانب الدولي وليس المحلي، إذ يرى أن "الفكرة الأساسية ليست إنشاء مصانع خارج مصر، بل تصنيع المنتجات محليا وتصديرها، حتى تستفيد الصناعة الوطنية". ويصف ميلاد هذا التحول بأنه ظاهرة عالمية وليس خللا محليا. وأضاف: "لسنا أمام خلل داخلي أو أزمة يمكن علاجها بإجراءات محلية فقط، وإنما أمام ظروف اقتصادية عالمية جعلت الذهب أداة للتحوط وحفظ القيمة".
لكن البعض يرى أن الفرضية التي تستند إليها مبادرة اتحاد الصناعات لم تعد مواكبة للواقع. إذ أكد ممدوح عبد الله، عضو مجلس إدارة شعبة المعادن والذهب باتحاد الصناعات ورئيس شركة كيرمينا للمجوهرات، أن الطلب على المشغولات قد تعافى بالفعل. وقال: "لسنا بحاجة لأي شيء، بل على العكس، نشهد في الفترة الحالية طلبا غير عادي على المشغولات".
المنتجات الأخف وزنا تقود المبيعات: يعزو عبد الله هذا التعافي إلى توجيه المصنعين إنتاجهم نحو السوق المحلية بدلا من التصدير، فضلا عن إعادة تصميم المنتجات لتصبح بأسعار في المتناول. ويبدو أن المنتجات الأخف ساهمت بدور رئيسي في هذا السياق؛ إذ يوضح عبد الله أنه "بعدما كانت القطعة تزن 10 جرامات، أصبحت تزن نحو 5 جرامات"، وهو ما يتيح للمستهلكين شراء تصميمات تضاهي المشغولات الأوروبية، "ولكن بمصنعية المشغولات المصرية".
رأينا: يصف كلا المنظورين وصفا دقيقا لسوق تمر بمرحلة انتقالية. فقد حدد ميلاد التحول الهيكلي، المتمثل في دخول فئة جديدة من المشترين إلى سوق الذهب لأسباب مالية وليست للزينة؛ ومن غير المرجح أن تتحول هذه الفئة إلى المشغولات كما يسعى اتحاد الصناعات. لكن عبد الله محق أيضا؛ فالمصنعون الذين تكيفوا مع الأوزان الأخف والأسعار التنافسية يجدون طلبا متزايدا على منتجاتهم. ومن المرجح أن تحقق مبادرة اتحاد الصناعات نجاحا أكبر مع المصنعين الذين لم يواكبوا هذا التطور بعد، بدلا من محاولة جذب مشترين يركزون على الاستثمار وليس الزينة.