🔍 ما الذي يحدث في قطاع الرعاية؟ تتقلص نسبة العاملين في مجال الرعاية المدفوعة الأجر في مصر — من معلمين وممرضين وعمال منازل في المدارس والمستشفيات ودور الرعاية — من إجمالي القوى العاملة سنويا منذ 2015. بات العاملون في هذا القطاع أقل ارتباطا بالوظائف الرسمية، إذ يعانون من ظروف عمل غير مستقرة وتأمين صحي أضعف وأجور أقل مما كانوا عليه قبل عقد من الزمن. وتشكل النساء الأغلبية العظمى من هذه العمالة، وهن نفس النساء اللاتي فقدن مكانتهن كعاملات في هذا القطاع، ليتحملن عبئا أكبر من أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر في المنزل مع تقلص الخدمات التي كن يعتمدن عليها.
ما السبب؟ لفهم هذا التحول وأسبابه، نتعمق في دراسة بحثية صدرت عن مجلة أبحاث سوق العمل في يونيو الماضي، تسلط الضوء على الفئة الوحيدة المستثناة من أحدث تعديل شهده قانون العمل المحلي، في محاولة لفهم أسباب التحول نحو ذلك الواقع الجديد لفئة لا يستهان بها من القوى العاملة.
تحولات قطاع الرعاية
تراجع مستمر: سابقا، استحوذ اقتصاد الرعاية على نحو 20% من إجمالي العمالة مدفوعة الأجر بين عامي 2009 و2015، قبل أن تنخفض تلك النسبة إلى 16-17% بين عامي 2019 و2021، إذ بلغ عدد المصريين العاملين في قطاع الرعاية 3.4 مليون شخص بحلول عام 2021. ويعزى هذا التراجع بشكل شبه كامل إلى انسحاب القطاع العام، إذ انخفضت حصته في وظائف الرعاية من 17% إلى 13% من إجمالي العمالة المدفوعة خلال فترة الدراسة، ورغم نمو التوظيف في قطاع الرعاية الخاص من 2% إلى 4%، إلا أنه لم يكفي لسد الفجوة.
محليا، يعد قطاع الرعاية من أكبر جهات توظيف للنساء مقارنة بأي قطاع آخر في المنطقة العربية، إذ عملت نحو 30% من نساء القوى العاملة في هذا القطاع بين عامي 2009 و2017، مقارنة بنسبة ضئيلة للرجال تتراوح بين 8-9%، وفقا للدراسة. كما تمثل نسبة النساء العاملات في هذا القطاع في الدول العربية الأعلى على مستوى العالم بواقع 53%، بحسب تقرير منظمة العمل الدولية.
لماذا إذن تراجع التوظيف في القطاع العام؟ تعزو الدراسة ذلك إلى برنامج الإصلاح الهيكلي الذي تنفذه مصر منذ التسعينات، والذي شمل تجميد التعيينات وحوافز المعاش المبكر وخفض الإنفاق العام على التعليم والذي يتراجع بالفعل منذ عام 2015، وفقا لمشروع حلول للسياسات البديلة التابع للجامعة الأمريكية بالقاهرة.
ضريبة الخاص
في الوقت الذي انكمشت فيه فرص العمل في قطاع الرعاية العام، نما القطاع الخاص ولكن ليس بالقدر ذاته. ففي عام 2018، كان 82% من العاملين في قطاع الرعاية العام مشمولين في التأمين الاجتماعي، مقابل نحو 22% من عاملي القطاع الخاص. أما على مستوى القوى العاملة في مجال الرعاية بشكل عام، انخفضت نسبة التغطية تحت مظلة التأمين الاجتماعي من 91% عام 2009 إلى 84% بحلول عام 2021، ويعود هذا الانخفاض إلى نمو التوظيف في قطاع الرعاية الخاص من جهة، وتراجع التأمين داخل القطاع الخاص نفسه من جهة أخرى.
أيضا — تضاعفت نسبة العاملين الذين لا يملكون عقود عمل رسمية من 10% إلى 21%، بين عامي 2012 و2018. كما صنفت أكثر من نصف النساء العاملات في قطاع الرعاية ضمن فئة "الفقراء العاملين" في عام 2018، إذ كن يكسبن أقل من خط الأجور المنخفضة الذي يحدده معدل الفقر الوطني المعدل وفقا لنسبة الإعالة الأسرية، حسبما ذكرت الدراسة.
الأقل حظا: تمثل العمالة المنزلية — من جليسات الأطفال ومدبرات المنازل ومقدمي الرعاية الشخصية الذين يعملون مباشرة في المنازل الخاصة — فئة قائمة بذاتها تتبعها الدراسة بشكل منفصل، لتؤكد أنها الأبعد عن أي شكل من أشكال الحماية وفقا لكافة المعايير، إذ تكاد تنعدم تغطيتها بالتأمين الاجتماعي. ومع ذلك، تشير الدراسة إلى أنها المهنة الأسرع نموا في قطاع الرعاية.
فئة معلقة: وفرت تعديلات قانون العمل لسنة 2025 حماية جديدة للعمالة غير المنتظمة والموسمية والعاملين عن بعد وعمال الاقتصاد الحر، بيد أنها استثنت العمالة المنزلية، التي ستخضع بدلا من ذلك لقانون منفصل ومرتقب مصمم خصيصا لعمال الخدمات المنزلية، كما أشرنا سابقا. في المقابل، تحظى العمالة المنزلية الأجنبية بوضع أفضل نسبيا، إذ ستحتاج العمالة المنزلية الأجنبية إلى تصاريح عمل لضمان ممارسات توظيف قانونية، وفقا لما نقلته صحيفة الأهرام عن وزير العمل السابق محمد جبران في أكتوبر الماضي.
لا تتوصل الدراسة إلى حل جذري قاطع، لكنها تؤكد أن الاستثمار في قطاع خدمات الرعاية العامة ينتج عنه بيئة توظيف أفضل بكثير مما قد يوفره القطاع الخاص، سواء من ناحية التغطية التأمينية أو العقود المستقرة وخلافه، لذا ربما يكمن الحل في دعم هذا القطاع، الذي قد يعزز بدوره من الاقتصاد ويمد العمال بما يحتاجونه في ظل واقع معيشي صعب.