أصبح بإمكان شركات التمويل العقاري حاليا الاشتراك معا لتمويل شراء عقار واحد مرتفع القيمة، وذلك بعدما سمحت الهيئة العامة للرقابة المالية بـ "التمويل التشاركي" الذي يتيح لجهات تمويل متعددة تقسيم عملية تمويل واحدة، وفق بيان صادر عن الهيئة. وتمنح هذه الخطوة الشركات ذات القواعد الرأسمالية الأصغر فرصة لتمويل الوحدات الأغلى ثمنا، التي لم يكن بوسعها تغطيتها منفردة. وأقرت الرقابة المالية هذا التعديل استجابة لطلب من الاتحاد المصري للتمويل العقاري، في ظل ارتفاع أسعار الوحدات ومحدودية رؤوس أموال بعض جهات التمويل.
تلبي هذه التعديلات احتياجا حقيقيا في السوق، وفق ما قاله قال محمد الكحكي، رئيس الاتحاد المصري للتمويل العقاري، في حديثه إلى إنتربرايز. فالشركات الأصغر حجما كانت تضطر لرفض العملاء الذين تتجاوز احتياجاتهم التمويلية ما يمكن لأي شركة واحدة تقديمه بموجب حدود ملاءتها المالية وتركزها الائتماني. وأوضح الكحكي أن "هذا القرار يفتح الباب رسميا لقبول هؤلاء العملاء من خلال مشاركة أكثر من شركة في تقديم التمويل وتوزيع المخاطر فيما بينها".
لكن بشرط: لا يلغي التمويل المشترك الحدود المفروضة على أي جهة تمويل بمفردها. إذ تظل كل شركة مشاركة ملزمة على حدة بمعايير الملاءة المالية وحدود التركز التي تفرضها الرقابة المالية. فالآلية الجديدة تضيف جهات تمويل أخرى، دون أن تسمح بتجاوز الحدود المسموح بها لأي منها.
كيف تعمل الآلية؟ تستخدم جهات التمويل نموذج اتفاقية التمويل العقاري المعتمد لدى الرقابة المالية، مع إضافة بيانات الممولين الإضافيين إلى العقد. ويجب على كل شركة على حدة أن تلتزم بالحدود الحالية المتمثلة في:
- يبقى الحد الأقصى للتمويل السكني عند 90% من قيمة العقار، أو 100% في حالة الإجارة، وهي عبارة عن هيكل تمويلي بنظام التأجير المنتهي بالتمليك بما يتوافق مع الشريعة الإسلامية.
- ألا تتجاوز الأقساط الشهرية 50% من دخل المقترض.
- ألا يتجاوز التمويل الممنوح لأغراض سكنية إلى مقترض واحد وزوجه وأولاده القصر 15% من القاعدة الرأسمالية لجهة التمويل.
- الحد الأقصى للتمويل غير السكني هو 80% من قيمة الوحدة، مع وضع حد أقصى للتمويل الممنوح للمقترض الواحد يبلغ 30% من القاعدة الرأسمالية لجهة التمويل.
لكن، ماذا يحدث في حالة التعثر؟ يوقع المقترض عقدا واحدا على الأصل المطلوب تمويله يشمل جميع جهات التمويل المشاركة ويدفع قسطا واحدا، يُحصل مرة واحدة ويُقسم بين الشركات حسب حصة كل منها، وفقا للكحكي. وفي حالة تعثر المقترض، تباشر جهات التمويل إجراءات التنفيذ على العقار بالاشتراك فيما بينها، نظرا إلى أنه أصل مشتركا ومصلحة مشتركة، وتُقسم حصيلة أي عملية بيع بين جهات التمويل وفقا للرصيد القائم لكل منها. ولا يشترط تعيين طرف رئيسي لتنسيق عملية التنفيذ، ولكن من الناحية العملية يمكن للشركات تفويض إحداها لإدارة إجراءات التنفيذ نيابة عن البقية.
استجابة في وقتها: تراجع عدد عملاء التمويل العقاري الجدد بأكثر من 21% على أساس سنوي في الربع الأول من عام 2026، رغم ارتفاع قيمة التمويلات الممنوحة بأكثر من 17.5%، بحسب الرقابة المالية. واستحوذت الوحدات السكنية على نحو 78% من إجمالي التمويلات، في سوق يشهد اقتراض عدد أقل من العملاء لمبالغ تمويلية أكبر بكثير من ذي قبل. ويرى الكحكي أن هذه الفجوة هي بيت القصيد، إذ يقول "ارتفعت مبالغ التمويل للفرد الواحد نتيجة لارتفاع أسعار الوحدات، مما جعل الشركات الأصغر غير قادرة على التعامل مع هذه الأصول مرتفعة القيمة بمفردها". ويهدف التمويل التشاركي إلى التخفيف من هذه الضغوط عبر توسيع شريحة العملاء الذين يمكن لجهات التمويل خدمتهم، وليس فقط حماية أحجام التمويلات الحالية.
السياق: رفعت الرقابة المالية الحد الأقصى لنسبة القسط إلى الدخل إلى 50% في عام 2022، صعودا من 35% للمقترضين أصحاب الدخل المنخفض و40% للمقترضين متوسطي الدخل، بسبب التضخم وتراجع قيمة الجنيه، وهي العوامل التي أدت إلى ارتفاع أسعار المساكن. وفي وقت لاحق، ضاعفت الهيئة الحد الأدنى لرؤوس أموال شركات التمويل العقاري إلى 100 مليون جنيه بدلا من 50 مليون جنيه، ما يمثل استجابة أخرى لارتفاع تكاليف البناء وأسعار العقارات.
رأينا: يمنح التمويل التشاركي جهات التمويل متسعا أكبر لتقديم تمويلات عقارية أضخم، لكنه لا يقدم الكثير لحل المشكلة الأساسية المتمثلة في القدرة على تحمل التكاليف. وقال عاملون في القطاع لإنتربرايز في يونيو الماضي إن المشترين من الشريحة العليا للطبقة المتوسطة بدأوا في العزوف عن الشراء، في ظل اقتراب أسعار الوحدات من 15 مليون جنيه، في حين أصبح من النادر وجود منازل عالية الجودة بأسعار تقارب ما وصفوه بـ "السعر المثالي" البالغ 7 ملايين جنيه. وتجلت هذه الضغوط في السوق الأولية أيضا، إذ شهد أكبر 10 مطورين انخفاضا في مبيعات الوحدات بنسبة 15% في الربع الأول على أساس سنوي، فيما اقتصر التراجع في قيمة المبيعات على 6.5% فقط، وبكل تأكيد كان هذا التراجع المحدود بفضل ارتفاع الأسعار.
الخطوة التالية: يتوقع الكحكي إتمام أول اتفاقية تمويل تشاركي، أو ربما اتفاقيتين، خلال الربع الحالي.