Posted inإنتربرايز تشرح

وظائف وهمية وإعلانات خادعة: لماذا تحفل منصة لينكد إن بإعلانات توظيف لا تفضي إلى شيء؟

💼 لماذا نجد الكثير من إعلانات الوظائف الوهمية على لينكد إن؟ إذا سألت أحد مسؤولي التوظيف عمن المستفيد من بقاء إعلان وظيفة متاحا دون وجود فرصة حقيقية وراءه، ستكون الإجابة غالبا هي: لا أحد. طرحنا هذا السؤال على اثنين من مسؤولي استقطاب المواهب في شركتين مصريتين مختلفتين، وجاءت الإجابات متطابقة تقريبا.

بالأرقام: أشار نحو 40% من مديري التوظيف إلى أن شركاتهم نشرت إعلانات لوظائف وهمية خلال العام الماضي، وكان لدى 30% منهم إعلان نشط وقت سؤالهم، وفقا لمسح أجرته منصة ريزوم بيلدر شمل 1641 مدير توظيف، موضحين أيضا أن 7 من كل 10 من هذه الإعلانات نشرت على لينكد إن، كما أن فكرة نشر تلك الإعلانات جاءت من إدارة الموارد البشرية أو الإدارة العليا أو المديرين التنفيذيين ولم تنسب أبدا إلى قرار شخص بعينه، حسبما أوضح المشاركون.

أوهام مختلفة

يشمل مصطلح إعلان الوظيفة الوهمي ثلاثة أنواع من الممارسات في قطاع التوظيف: النوع الأول يشمل الوظائف التي تعلن عنها الشركات بلا نية حقيقية لشغلها، ويكون الغرض منها فقط جعل الشركة تبدو وكأنها توظف مهارات جديدة بالفعل، أو جمع السير الذاتية، أو حتى الحفاظ على مستويات التفاعل وزيادة أعداد المتابعين على صفحة مسؤول الإتش أر الخاصة، بحسب مسؤول التوظيف أنتوني جوانيو.

أما الإعلان الاحتيالي فهو أبسط الأنواع من ناحية المفهوم، وأسوأها من ناحية التأثير، فلا يوجد صاحب عمل من الأساس، بل مجرد شخص يجمع السير الذاتية أو المعلومات الشخصية أو التفاصيل المصرفية. كما يوجد نوع يجمع في صفاته بين النوعين السابقين، ويتمثل في تلك الإعلانات الوظيفية التي أعلنت عنها الشركة قبل فترة زمنية ونسيتها أو تأخرت في الرجوع إليه.

النوع الثالث هو الأغرب، إذ تقوم الشركة أحيانا بالتوظيف داخليا وخارجيا لنفس الدور في وقت واحد تجنبا لإهدار الوقت، حسبما قالت مشرفة إدارة المواهب ندى ماهر، فإذا اختارت الشركة مرشحا من داخل موظفيها، تتحول وظيفته القديمة إلى وظيفة شاغرة تحتاج إلى ملأها، وبالتالي فإن الإعلان الخارجي لم يكن وهميا، ولكنه قد أخذ وقتا أكثر من اللازم فقط.

عن البيانات.. وغيابها

تفتقر العديد من البيانات المتعلقة بتلك الظاهرة إلى المصداقية، فعلى سبيل المثال، يشير عدد من مدونات النصائح المهنية إلى أن "27.4% من إعلانات لينكد إن هي وظائف وهمية" و"81% من مسؤولي التوظيف يعترفون بنشرها"، لكننا لم نعثر على تقرير موثوق يوضح منهجية الوصول إليهما. في المقابل، تشير بيانات لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية حول الاحتيال الوظيفي إلى تضاعف بلاغات الاحتيال المتعلقة بالوظائف ووكالات التوظيف ثلاث مرات بين عامي 2020 و2024، في حين ارتفعت الخسائر المبلغ عنها من 90 مليون دولار إلى 501 مليون دولار خلال تلك الفترة، وفقا للجنة.

لماذا؟

عندما سألنا عن سبب إبقاء الشركات على إعلانات وظائف منتهية، كانت الإجابة الصادقة تشير إلى طبيعة العمل ذاته: "كانت لدينا احتياجات توظيف أسبوعية، وكان الأمر يعتمد على الكم وليس الكيف"، حسبما قالت مسؤولة توظيف سابقة في قطاع الاتصالات لإنتربرايز، مضيفة أن الأمر نفسه ينطبق على قطاع البناء بالنسبة للأدوار الميدانية التي تملأ باستمرار بدلا من مرة واحدة. وبعكس ذلك، أكدت أن الشركة التي تعمل بها حاليا لا تعلن عن وظيفة جديدة إلا بعد اعتمادها بالكامل، في حين تغلق باب الترشح بمجرد العثور على المرشح المنشود، بينما يتلقى جميع المرشحين الآخرين في قائمة الانتظار رسالة رفض عبر البريد الإلكتروني في نفس اليوم.

الاستثناء الوحيد؟ وكالات التوظيف: مسؤول التوظيف المستقل أو الوكالة التي تتلقى طلبات متكررة لوظائف مماثلة من عملاء مختلفين، لديها مبرر وجيه للحفاظ على جاهزية قائمة من المرشحين المحتملين، حسبما أشار خبيرا التوظيف اللذان تحدثنا إليهما، كل على حدة. ويظل هذا الأمر مقبولا "طالما لم يضلل المرشحون بشأن طبيعة أو توقيت بدء العمل"، بحسب ماهر. أما مصدرنا الثاني في قطاع التوظيف فوضعت معيارا فاصلا يعتمد على طبيعة المهام التشغيلية بدلا من نوع جهة العمل، إذ أكدت أن إبقاء إعلان الوظيفة متاحا خلال الفترة التي تفصل بين إرسال عرض العمل وتلقي الرد بالقبول هو إجراء تشغيلي طبيعي، بخلاف استمرار الإعلان دون وجود عرض فعلي أو دور وظيفي حقيقي.

لغز المستفيد الحقيقي: عند سؤالهما عمن يستفيد من إتاحة إعلان الوظيفة مع عدم وجود نية للتوظيف، لم يتمكن أي من خبيري التوظيف من تحديد أي جهة، إذ يعد المستفيد الوحيد هو مسؤول التوظيف، وذلك فقط إذا كان بناء قاعدة من المرشحين هو الهدف الصريح من الإعلان.

سوق بطيئة وقاعدة باحثين أوسع

ظاهرة قديمة تزداد حدة: بلغت البطالة طويلة الأجل — أي الأشخاص العاطلين عن العمل لمدة ستة أشهر أو أكثر — في الولايات المتحدة أعلى مستوياتها منذ عام 2022، في حين تباطأت وتيرة التوظيف لتصل إلى إضافة نحو 29 ألف وظيفة شهريا خلال الصيف، وفقا لتقرير نشرته شبكة إن بي سي نيوز نقلا عن بيانات حكومية. ويعني تباطؤ السوق أن مزيدا من المتقدمين يتنافسون على عدد أقل من الوظائف الحقيقية، ما يخلق بيئة أوسع يسهل فيها بقاء إعلانات الوظائف الوهمية دون أن يلاحظها أحد.

احذروا من المحتالين: تتمثل خطورة الإعلانات الاحتيالية في أن العقول المدبرة لها هي عقول إجرامية، تنتحل صفة مسؤولي التوظيف بأساليب متطورة لدرجة يصعب معها تمييزها تقريبا عن الإعلانات المشروعة، وفقا لتحقيق أجرته إن بي سي نيوز تتبع بعض هذه الأنشطة وصولا إلى شبكات جريمة منظمة في الخارج، وقد أكدت بيانات لجنة التجارة الفيدرالية هذا الاتجاه، إذ تضاعفت الخسائر الناجمة عن عمليات الاحتيال الوظيفي ست مرات بين عامي 2020 و2024.

"ريد فلاجز" واضحة: تعد علامات الاحتيال آلية وواضحة ويسهل التحقق منها مقارنة بالوظائف الوهمية، إذ يجب الحذر من الناشر الذي لا يمتلك موقعا إلكترونيا للشركة أو نطاق بريد إلكتروني تجاري، والإعلان الذي ينشر كمنشور عادي وليس عبر أداة الوظائف الفعلية في لينكد إن، وأي طلب لنقل المحادثة خارج المنصة قبل وجود عرض رسمي، حسبما أشار الكاتب المتخصص في الأمن السيبراني محمد صوفان.

خطوة على الطريق الصحيح: بدأت لينكد إن نفسها في اشتراط التحقق من عناوين البريد الإلكتروني الخاصة بالعمل لمسؤولي التوظيف والمناصب التنفيذية في سبتمبر 2025، ثم وسعت نطاق هذا التحقق ليشمل إعلانات الوظائف مباشرة، ويعكس ذلك اهتمام المنصة بالتعامل مع تلك المشكلة باعتبارها أزمة مستقلة وأكثر إلحاحا من مسألة الوظائف الوهمية المذكورة أعلاه.

ولكن الحل الفعلي يتمثل في الاعتماد على نظام تقني، إذ تدير شركة ماهر طلبات التوظيف عبر نظام لتتبع المتقدمين، يعمل على إغلاق الإعلان تلقائيا بمجرد قبول عرض العمل، مع نقل المرشحين المؤهلين الذين لم يقع الاختيار عليهم إلى قائمة احتياطية، بدلا من تركهم معلقين. ورغم ذلك، لا تزال هذه الإعلانات الغامضة منتشرة بقوة، سواء على الصعيد العالمي أو المحلي، فبعضها تقف وراءه نوايا خبيثة، في حين يعد بعضها الآخر مجرد ممارسة تجارية معتادة، لذا توخوا الحذر في كل الأحوال.