Posted inفنجان قهوة مع…

فنجان قهوة مع تامر الراجحي حول مستقبل الزراعة الذكية مناخيا في مصر

يبدو أن صندوق شركة أكيومن الزراعي المخصص لمواجهة التغير المناخي يوجه أشرعته نحو مصر للمرة الأولى. إذ جمع صندوق أكيومن للزراعة التكيفية (ARAF) تعهدات رأسمالية جديدة بقيمة 90 مليون دولار، ليرتفع حجم الصندوق إلى نحو 148 مليون دولار، ويتوسع للمرة الأولى خارج شرق وغرب أفريقيا نحو شمال أفريقيا. وتعد مصر واحدة من ثلاث أسواق جديدة يستهدفها صندوق الاستثمار المؤثر، الذي يدعم الشركات الزراعية الأفريقية السريعة النمو التي تعزز قدرة صغار المزارعين على التكيف مع تغير المناخ. ويركز صندوق أكيومن على رؤية محددة تتمثل في مساعدة القطاع الزراعي في البلاد على التحول من تصدير المحاصيل الخام إلى المنتجات المصنعة ذات العلامات التجارية.

يحظى هذا التمويل بدعم من مستثمرين رئيسيين سابقين إلى جانب مجموعة جديدة من مؤسسات تمويل التنمية؛ فقد رفع كل من صندوق المناخ الأخضر وبنك التنمية الهولندي وشركة بروباركو تعهداتها الاستثمارية الحالية، وانضمت إليها مؤسسات جديدة تضم سويدفاند، و"بي آي أوه"، وفاسا، بالإضافة إلى مكتب عائلي غير معلن شارك أيضا في الجولة الأولى.

يقود تامر الراجحي (لينكد إن) صندوق أكيومن منذ يومه الأول. تخرج الراجحي في كلية الهندسة بجامعة القاهرة وحصل على دكتوراه في هندسة المواد من جامعة دركسل وماجستير في إدارة الأعمال من كلية ستيرن للأعمال بجامعة نيويورك، بالإضافة إلى تسع براءات اختراع مسجلة باسمه خلال مسيرته المهنية الأكاديمية وفي مجال تأسيس الشركات الناشئة. وقد تدرج في مسيرته المهنية بشركة كارجيل في قطاعات الحبوب والبذور الزيتية والأعلاف الحيوانية بفرعها في أفريقيا والشرق الأوسط، قبل أن يرأس قطاع الاستثمار المباشر في الزراعة والأغذية بأفريقيا لدى صندوق استثماري مقره زيورخ. ثم انضم إلى أكيومن في نوفمبر 2018 لإطلاق صندوق ARAF، ويتولى إدارته من نيروبي منذ ذلك الحين.

أجرت إنتربرايز حوارا مع الراجحي للحديث عن الأسباب التي تجعل التكيف المناخي، وليس رأس المال وحده، هو المفتاح لتحويل نشاط صغار المزارعين في أفريقيا إلى مشروعات زراعية مستدامة، إلى جانب قصة المزارعة الكينية التي تسببت مضخة الري بالتقنية الشمسية في تغيير مسار مزرعتها، وأيضا رؤيته لرفع قيمة قطاع الزراعة المصري عبر الانتقال من المحاصيل الخام إلى تصنيع منتجات تحمل علامات تجارية.

إليكم مقتطفات محررة من حوارنا:

إنتربرايز: تنوعت مسيرتك المهنية بين الاستثمار المغامر والاستشارات وسنوات عملك في كارجيل قبل الانتقال للاستثمار المؤثر. فما الذي جذبك إلى قطاع الزراعة والأغذية تحديدا؟

تامر الراجحي: يمكن القول إن هذا حدث بالصدفة؛ فقد بدأت مسيرتي مهندسا، وعملت أستاذا جامعيا لأربع سنوات، ثم تركت التدريس الأكاديمي لاستغلال بعض براءات الاختراع تجاريا، وهو ما قادني لدراسة ماجستير إدارة الأعمال، ثم العمل في استشارات عمليات الدمج والاستحواذ. بعد ذلك تواصلت معي شركة كارجيل لإدارة الاستراتيجيات والاستثمارات في أفريقيا. لم تكن لدي خبرة سابقة بالزراعة أو بالعمل في أفريقيا، لكن كارجيل مدرسة رائعة. ومن خلال تنقلي عبر القارة، لمست كيف تتغير حياة المزارع الصغير عندما يتعاون مع الشركة المناسبة. ظل ذلك الانطباع راسخا في ذهني؛ فهؤلاء هم من ينتجون غذاءنا، لكنهم أنفسهم الأكثر عرضة لتأثيرات التغير المناخي، مع أنهم لا يسهمون فيه تقريبا. وعندما تواصلت معي أكيومن لتأسيس صندوق يركز على تعزيز قدرة المزارعين على التكيف المناخي، وافقت على الفور.

ما زال صندوق الاستثمار المؤثر يسعى لتحقيق عوائد اقتصادية معدلة حسب المخاطر، كأي صندوق استثماري آخر، لكن الفرق يكمن في أن هذه النوعية من الصناديق تتحمل مسؤولية إلزامية بتقديم تقارير حول الرؤية الاستثمارية المؤثرة التي تسير وفقها. ويستعين صندوق أكيومن بطرف ثالث سنويا، بتمويل من منحة يقدمها صندوق المناخ الأخضر، من أجل قياس مدى تأثير شركات محفظته على تعزيز قدرة صغار المزارعين على التكيف المناخي.

إنتربرايز: قبل هذه الجولة، بلغت التعهدات الموجهة للصندوق 58 مليون دولار. فما التغير الفعلي الذي يقدمه هذا التوسع، ومن هم الداعمون له؟

تامر الراجحي: يمكن القول إن التحول الحقيقي هو تحول جغرافي. فقبل هذه الجولة، نجحنا في جمع 58 مليون دولار عام 2021، وكان هذا المبلغ موجها بالكامل نحو شرق أفريقيا ودول غرب أفريقيا الناطقة بالإنجليزية، مثل نيجيريا وغانا. أما الـ 90 مليون دولار الإضافية، فتسمح لنا بمواصلة الاستثمار في تلك المناطق مع التوسع للمرة الأولى في شمال أفريقيا. فنحن لا نضخ مزيدا من رأس المال في الأسواق ذاتها فحسب، بل نختبر مدى نجاح النموذج في مناطق لم نعمل بها من قبل.

لدينا مستثمرون سابقون رفعوا تعهداتهم الحالية، وهم صندوق المناخ الأخضر وبروباركو وبنك التنمية الهولندي، بالإضافة إلى مستثمرين جدد هم سويدفاند و"بي آي أوه" وفاسا، ومكتب عائلي شارك أيضا في جولتنا الأولى. وبحسب الأرقام المعلنة، يشمل تعهد صندوق المناخ الأخضر 30 مليون دولار من حصص الملكية، بينما تضخ بروباركو 12 مليون دولار، وبنك التنمية الهولندي 12.5 مليون دولار، وسويدفاند 12 مليون دولار.

إنتربرايز: لماذا تدخل مصر ضمن نطاق استثمارات الصندوق في هذا التوقيت تحديدا؟

تامر الراجحي: تعمدنا أن يتركز النطاق الاستثماري لانطلاقتنا في شرق أفريقيا وغرب أفريقيا الناطق بالإنجليزية على وجه التحديد، لإثبات نجاح النموذج قبل زيادة حجم الصندوق. وحالما اتخذنا قرار مضاعفة حجم الصندوق، طلب منا صندوق المناخ الأخضر تحديد الدول المستهدفة، وكانت مصر والمغرب الخيار البديهي في شمال أفريقيا. أما بالنسبة لغرب أفريقيا الناطق بالفرنسية، فكنا بحاجة إلى نقطة انطلاق قوية، إذ إن القطاع الزراعي في كوت ديفوار يمتاز بكبر حجمه وتنظيمه وقابليته للمقارنة مع السوق المصرية.

لا يدرك كثيرون مدى ضخامة القطاع الزراعي في مصر، أو مدى اعتماد جزء كبير منه على صغار المزارعين. ونرى أن هناك فرصة واعدة للانتقال من تصدير المواد الخام إلى تصدير المنتجات المصنعة؛ وهذا هو الدور الذي نتطلع للاضطلاع به. وعندما عرضنا فرص الاستثمار في شمال أفريقيا على مستثمرينا، أبدى الجميع حماسهم لحجم هذه الفرص. ونحن حاليا الصندوق الأول والوحيد المخصص للزراعة والأغذية في شمال أفريقيا.

إنتربرايز: هل هناك موقف محدد جسد لك أهمية هذا العمل؟

تامر الراجحي: أجل، حدث ذلك على وجه التحديد مع مزارعة كينية. ورثت هذه المزارعة قطعة أرض، وعادت لزراعة الذرة بعد سنوات من العمل المنزلي في نيروبي. لكنها عانت لأن زراعة الذرة غير مربحة، كما لم يكن لديها نظام ري؛ إذ يمكن لموسم أمطار سيئ أن يدمر المحصول بالكامل. تلقت هذه المزارعة اتصالا بشأن مضخة ري تعمل بالطاقة الشمسية من شركة صن كالتشر، وهي إحدى شركات محفظة صندوق ARAF، لكنها تجاهلته في البداية لأنها ظنت أنها حيلة للاحتيال. وبعد ذلك زارت متجر الشركة. لم تكن تملك هذه المزارعة الدفعة المقدمة المطلوبة، فتلقت المبلغ من ابنها، الذي يعمل في مقهى بدبي. وأخبرتنا بأنها لا تعرف كيف تكتب خطة عمل، لذا لجأت بدلا من ذلك إلى رسم مزرعتها، التي أرادت أن تحتوي على ذرة للأكل، وأيضا قهوة، وكركديه، وأسماك. ثم أعادت رسمها كل عام لمتابعة تقدمها. وبعد ثلاثة أعوام، أصبحت مزرعتها مطابقة تماما لرسمتها، وتحول كوخها الطيني إلى منزل من الطوب.

يعتقد الكثيرون أن الفقر عكسه هو الثراء. ولكن في حقيقة الأمر، الفقرعكسه الكرامة. وتلك القصة هي جزء من السبب الذي جعل بيانات التأثير الذي يحدثه الصندوق تبين أن أكثر من 80% من المزارعين المتعاملين مع شركات محفظة أكيومن يسجلون زيادة في دخلهم.

إنتربرايز: كيف يبدو هذا التحول من المواد الخام إلى المنتجات المصنعة على أرض الواقع؟

تامر الراجحي: لنضرب مثالا بشركة بيوند جود، وهي إحدى شركات محفظتنا الحالية. تحصل الشركة على الكاكاو من صغار المزارعين في مدغشقر وأوغندا وتحوله إلى قالب شوكولاتة عضوي يحمل علامتها التجارية ويُباع بالكامل في الولايات المتحدة. فهذا هو النموذج المطلوب، ألا نكتفي بإنتاج وشحن المادة الخام، بل الاستفادة من القيمة المضافة الناتجة عن تحويلها إلى منتج نهائي يحمل علامة تجارية وجاهز للتصدير. وذلك هو تحديدا نمط الشركات التي نتطلع لتكرارها في مصر. يمكننا عبر هذا الصندوق أن نتخصص في الاستثمار المغامر والاستثمار المباشر أيضا؛ فنحن نستهدف الشركات الناشئة في مراحلها المبكرة والشركات القائمة التي يمكنها السير على هذا النهج.

بيد أن كل هذا لن يتحقق إلا بعد حل المشكلات التي تعيق المزارعين. إذ يواجه المزارع المصري التحديات الأربعة ذاتها التي يواجهها أي مزارع في القارة: صعوبة الحصول على التمويل لأن البنوك لا ترى صغار المزارعين عملاء مناسبين، بل ترى مخاطرة في تمويلهم، وأيضا صعوبة الحصول على المستلزمات الزراعية المناسبة، وصعوبة الوصول إلى الأسواق لأن معظمهم يبيع عبر وسطاء بدلا من البيع المباشر، وأخيرا غياب الدعم الزراعي والإرشادي، أي التوجيه الذي يحصل عليه المزارع التجاري في الولايات المتحدة عبر تطبيقات مدفوعة وبيانات الأقمار الصناعية، في حين يفتقد إلى هذا الدعم المزارع المصري الذي يملك فدانا أو فدانين.

إنتربرايز: هناك انطباع عام بأن تحقيق الأرباح في قطاع الزراعة والأغذية بالغ الصعوبة. هل يتوافق ذلك مع ما لمسته؟

تامر الراجحي: كلا، هذا ليس صحيحا. وأعتقد أنه جزء من السمعة الشائعة للقطاع. يحقق الناس أرباحا في قطاع الزراعة والأغذية طوال الوقت، في مصر وأفريقيا وعلى مستوى العالم. لكن الشيء الصحيح أنه قطاع ليس سهلا في واقع الأمر، ولا يناسب المستثمرين العازفين عن المخاطرة؛ فإذا استثمرت في شركة لتصنيع القمصان، وواجهت شهرا سيئا، فلن يتجاوز تأثيره هذه المدة الزمنية. أما إذا استثمرت في شركة تشتري من المزارعين وحدثت موجة حرارة شديدة في شهر ما، فسينخفض المحصول، وسينعكس ذلك مباشرة على الأعمال. ولذا فإن الفارق بين مزارع قادر على التكيف، وآخر غير قادر على ذلك، قد يعني الفارق بين موسم ناجح وخسارة كل شيء.

إنتربرايز: تديرون آلية للدعم الفني إلى جانب صندوق الاستثمار. فأين تذهب أموال المنح؟

تامر الراجحي: إنها آلية يمولها صندوق المناخ الأخضر وشركاء آخرون، ونديرها بوصفها قناة تمويلية مستقلة عن صندوق الاستثمار المباشر. وتخدم هذه الآلية ثلاثة أغراض، الأول هو تمويل عملية قياس التأثير عبر الطرف الثالث التي ذكرتها من قبل. والثاني هو تمويل تدريب المزارعين على الممارسات الزراعية الذكية مناخيا من خلال الندوات والخبراء المتخصصين. أما الغرض الثالث، وهو الذي تفضله شركات محفظتنا، فهو تمويل دعم تطوير الأعمال. فإذا احتاج مؤسس شركة ما إلى نظام تخطيط موارد المؤسسات بتكلفة 40 ألف دولار، وكان يفضل إنفاق هذا المبلغ على تعيين موظفي مبيعات، فقد نغطي نحن 75% من تكلفته. وإذا كانت شركة ما في مصر ترغب في التوسع في المغرب، وتحتاج إلى خبير استراتيجي لدخول السوق، فنحن نتحمل تكلفة المستشار. وإذا احتاج مدير واعد في الإدارة الوسطى إلى موجه تنفيذي، فنحن نستعين بأفضل الكفاءات وليس بكفاءات غير مؤهلة.

إنتربرايز: في ظل توقعات شح المياه والإجهاد الحراري في القطاع الزراعي بمصر، هل تعد منتجات مخاطر المناخ، التي على شاكلة التأمين على المحاصيل، خيارا تسعون لتطبيقه؟

تامر الراجحي: يتركز جانب كبير من المخاطر المناخية في مصر حول درجات الحرارة وليس الأمطار أو الرياح، وهو ما يجعل تصميم منتج تأميني ضد الإجهاد الحراري أسهل على أرض الواقع. وقد دعمنا بالفعل شركة إيبيسا المتخصصة في التأمين المناخي المعياري من خلال صندوقنا الأول، وسنواصل البحث في مجال التأمين على المحاصيل. ونتطلع لأن نكون جزءا من بناء ذلك، سواء مع شركة تعمل بالفعل في مصر أو شركة تسعى للتوسع فيها.

إنتربرايز: كيف يبدو النجاح بالنسبة لرهان الصندوق على مصر بعد ثلاث سنوات من الآن؟

تامر الراجحي: يتحقق النجاح عبر ثلاثة شواهد: أن ندعم شركات جيدة ذات تأثير حقيقي وملموس على صغار المزارعين، وأن يصبح صندوق ARAF الوجهة الاستثمارية الأولى والأبرز في قطاع الزراعة والأغذية بالمنطقة، وأن نثبت أن أفضل الكفاءات المحلية موجودة بالفعل ولا نحتاج لاستيرادها، على غرار ما فعلناه في شرق أفريقيا وغربها. فجميع أعضاء فريقنا من الكفاءات المحلية، ونحب أن نردد دائما أننا صندوق أفريقي، يُدار بأيدٍ أفريقية، ومن داخل أفريقيا.