خاص- حددت مصر لأول مرة القيمة المالية للمخاطر التي قد تشكلها التغيرات المناخية على الميزانية العامة للدولة، ليتبين أن حزمة الضمانات الحكومية لقطاع البترول معرضة للنسبة الأكبر من هذه المخاطر. وحصلت إنتربرايز على نسخة من التقرير الأول من نوعه للمخاطر المالية للتغيرات المناخية للسنة المالية 2027/2026، والذي يمثل أول محاولة منهجية من الحكومة لقياس مدى تأثر الموازنة العامة بالصدمات المناخية المادية والتحول العالمي نحو اقتصاد منخفض الكربون، بدءا من شبكة الكهرباء وحتى أضخم مشاريع البنية التحتية القائمة على الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
أهمية الخطوة: يحول هذا البيان المخاطر المناخية من مجرد قضية بيئية متداولة للنقاش إلى بند مالي في الموازنة العامة، ويأتي هذا في إطار برنامج الإصلاح الاقتصادي المدعوم من صندوق النقد الدولي، الذي أشار بوضوح في بيانه الصادر في 29 يونيو إلى الضمانات الحكومية باعتبارها مخاطرة مالية، كما يرسي النموذج الذي ستتبعه الحكومة في إدراج المخاطر المناخية ضمن الموازنة العامة مع تحولها نحو موازنة البرامج والأداء بحلول السنة المالية 2028/2027.
استثناء وحيد: ركزت الحكومة في فحصها على القطاعات الأربعة ذات الميزانيات الأضخم وليس القطاعات الأكثر عرضة للمخاطر. وأدى هذا التوجه إلى تشكيل النتائج النهائية؛ ولهذا السبب تحديا لم يوضع أي تقدير مالي للمخاطر التي يواجهها قطاع الزراعة، مع أنه من أكثر القطاعات عرضة للتأثر بالتغير المناخي في مصر.
💡 تنقسم المخاطر المالية المناخية إلى نوعين؛ المخاطر المباشرة وهي مخاطر مادية، مثل الفيضانات التي تُلحق أضرارا بمحطة كهرباء، والمخاطر الانتقالية وهي مخاطر اقتصادية، مثل انخفاض الطلب العالمي على النفط مع اتجاه العالم نحو خفض الانبعاثات الكربونية. ويتتبع البيان الجديد كلا النوعين، أي الأصول المعرضة للتلف والأصول المعرضة لفقدان قيمتها.
السياق: يأتي بيان تقييم المخاطر المالية المرتبطة بالتغيرات المناخية ضمن مساع مدعومة من صندوق النقد الدولي لدمج المخاطر المناخية في الموازنة العامة لمصر. وتنفذ مصر حاليا برنامجا ضمن "تسهيل الصلابة والاستدامة" التابع لصندوق النقد الدولي بقيمة 1.3 مليار دولار، والمرتبط ببرنامجها الأوسع في إطار "تسهيل الصندوق الممدد". وكانت الحكومة قد اجتازت المراجعة الأولى لتسهيل الصلابة والاستدامة في فبراير، مما أتاح لها الحصول على 273 مليون دولار. وتوصلت المراجعة الثانية إلى اتفاق على مستوى الخبراء في أواخر يونيو، ما أتاح صرف 136 مليون دولار إضافية، علما بأنه ما زال في انتظار موافقة المجلس التنفيذي لصندوق النقد. ويندرج بيان المخاطر المالية ضمن الجهود المؤسسية ذاتها لدمج الاعتبارات المناخية في سياسات المالية العامة للدولة.
تقييم أربعة قطاعات حيوية
يجري البيان تقييمات رسمية للمخاطر المناخية على أصول الدولة عبر أربعة قطاعات ذات أولوية، وهي قطاع الطاقة (النفط والكهرباء)، والنقل (ويشمل الطيران)، والمياه والصرف الصحي، والزراعة، ووقع الاختيار على هذه القطاعات بناء على حجم أصولها، وليس لكونها الأكثر عرضة للمخاطر. ويوضح التقرير صراحة أن هذه ليست قائمة تصنيفية أو حصرية.
قطاعا الكهرباء والنفط هما الأكثر عرضة للمخاطر. تمتلك الشركة القابضة لكهرباء مصر أصولا ثابتة بقيمة 700 مليار جنيه، من إجمالي أصول تبلغ 1.118 تريليون جنيه، وتحتاج هذه الشبكات إلى مرونة أكبر في مواجهة الإجهاد الحراري والسيول. وتمتلك الهيئة المصرية العامة للبترول أصولا ثابتة بقيمة 108.7 مليار جنيه، تمثل 0.6% من الناتج المحلي الإجمالي، لكنها تحظى بضمانات حكومية تبلغ 3.134 تريليون جنيه، وهو رقم يتجاوز إجمالي قيمة أصولها بحوالي 29 مرة ويمثل 18% من الناتج المحلي الإجمالي. ومن شأن أي أضرار مناخية تلحق بمنشآت الإنتاج أو مصافي التكرير أن تؤثر مباشرة على الموازنة العامة للدولة. كما تتحمل الهيئة أيضا مخاطر انتقالية، لأن انخفاض الطلب العالمي على الوقود الأحفوري في ظل اتجاه الدول نحو خفض الانبعاثات الكربونية قد يؤدي إلى تآكل قيمة أصولها.
وتواجه قطاعات المياه والطاقة المتجددة ضغوطا من نوع آخر. إذ تمتلك الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي أصولا ثابتة بقيمة 134.14 مليار جنيه من إجمالي أصول تبلغ 264.66 مليار جنيه، علما بأن ندرة المياه وتسرب مياه البحر إلى مصادر المياه العذبة إلى يؤديان إلى ارتفاع تكاليف المعالجة. وفي المقابل، تمتلك هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة أصولا أقل بقيمة 50.8 مليار جنيه، منها 35.2 مليار جنيه أصولا ثابتة؛ وصحيح أن حجم الأصول أقل بكثير، لكنه يشكل ركيزة أساسية في خطة الدولة لخفض الانبعاثات الكربونية.
أما فيما يخص قطاع النقل والطيران وقطاع التنمية العمرانية؛ فإن هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة تدير أصولا إجمالية بقيمة 2.185 تريليون جنيه، لكن الأصول الثابتة منها لا تتجاوز 27.1 مليار جنيه؛ إذ يتركز معظمها في حيازات الأراضي وليس في البنية التحتية المشيدة. وتواجه هيئة ميناء الإسكندرية مخاطر بخسارة إيرادات تقارب 830 مليون جنيه بسبب المناخ (0.006% من الناتج المحلي الإجمالي)، في حين أن تعرض شركة مصر للطيران للعواصف الرملية والضباب قد يكبدها خسائر في الإيرادات بقيمة 6 مليارات جنيه (0.043% من الناتج المحلي الإجمالي) وتكاليف بقيمة 2.2 مليار جنيه (0.016%). علما بأن كلاهما حصل على تقييم منخفض لمستويات المخاطر.
ورغم أن قطاع الزراعة يصنف ضمن الأكثر عرضة للمخاطر، لم يحدد البيان حجم المخاطر التي تواجهه، لكنه تطرق إلى ذكره مرتين عند سرد المخاطر الكلية؛ الأولى عند تصنيفه مع قطاع المياه ودلتا النيل الساحلية ضمن القطاعات والمناطق الأكثر عرضة للتأثيرات المناخية، والثانية عند الإشارة إليه إلى جانب قطاعي البناء والسياحة فيما يتعلق بخسائر الإنتاجية الناجمة عن الارتفاع في درجة الحرارة. ويوضح التقييم آلية هذا التأثير مباشرة؛ فمع ارتفاع درجات الحرارة بمقدار 0.6-1.0 درجة مئوية بحلول 2050 وما يصل لـ 1.9 درجة بحلول 2070، ستزداد فترات الحر والجفاف والإجهاد المائي، وهو ما يزيد الضغوط على قطاع الزراعة. ومع ذلك، وعلى عكس قطاعات الكهرباء والنفط والمياه والتنمية العمرانية، لم يحظَ قطاع الزراعة بأي تقييم لأصوله الثابتة أو حجم المخاطر، ولا يندرج ضمن قائمة المشاريع التي خضعت لتقييم التأثير المناخي.
المشروعات القومية أمام أول اختبار حقيقي
كذلك تضمّن بيان المخاطر المالية اختبارا لقياس قدرة مشروعات قومية بقيمة 27 مليار جنيه على تحمل التغيرات المناخية. إذ أخضعت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية ستة مشاريع استراتيجية للبنية التحتية لأول تقييم شامل للمرونة المناخية في مصر، باستخدام أداة ثينك هازارد التابعة للبنك الدولي، وهي منصة مجانية ومتاحة للعموم لتقييم مدى تعرض مشاريع البنية التحتية للمخاطر الطبيعية.
وجاء تقييم مخاطر المشاريع الستة جميعها بين منخفضة إلى متوسطة، مدفوعا في الأساس بالتعرض لارتفاع مستوى سطح البحر والحرارة والعواصف، وهي: محطة تحلية مياه شرق مطروح (الرميلة 4)، وازدواج طريق مطروح - سيوة بطول 300 كيلومتر، والمرحلة الأولى من كوبري الفشن على النيل، وطريق وادي النطرون - العلمين بطول 135 كيلومترا، والمرحلة الأولى من نظام الأتوبيس الترددي السريع بالقاهرة الكبرى، وطريق السويس - السخنة. وتدرس الوزارة حاليا التغطية التأمينية لأكبر أصولها وأكثرها عرضة للمخاطر، لا سيما تلك القريبة من الساحل.
مخاطر المشاريع القائمة على الشراكة بين القطاعين العام والخاص
رأس المال الخاص معرض للمخاطر أيضا: تضم محفظة الشراكة بين القطاعين العام والخاص في مصر 108 مشاريع؛ منها 73 مشروعا موقعا، و22 قيد التعاقد، و13 قيد الإعداد. ومن بين المشاريع الموقعة، يندرج 45 مشروعا ضمن قطاعات الطاقة والمياه والنقل باستثمارات إجمالية تقارب 3 مليارات دولار. ويستحوذ قطاع الطاقة وحده على 40 اتفاقية موقعة بقيمة 2.11 مليار دولار، بالإضافة إلى ستة مشاريع أخرى قيد التعاقد بقيمة 49 مليون دولار، ومشروعين قيد الإعداد بقيمة 40 مليون دولار.
حصل مجمع بنبان للطاقة الشمسية على التقييم المتوسط الوحيد في المحفظة، لتعرضه لغطاء سحابي لفترات طويلة قد يقلص حجم الإنتاج. فيما صُنفت باقي المشاريع بمستوى مخاطر منخفض، ومنها الميناء الجاف بالسادس من أكتوبر، المدرج رسميا في سجل المخاطر المالية للحكومة لتعطله عن العمل بسبب العواصف الترابية، بأصول معرضة للمخاطر تبلغ 220 مليون دولار وخسائر سنوية محتملة في الإيرادات بقيمة 100 ألف دولار. أما محطة تحلية المياه بمدينة العلمين الجديدة، البالغ حجم استثماراتها 400 مليون دولار، فهي معرضة لخطر زيادة تلوث مياه البحر بسبب تغير التيارات المائية، في حين سيكون مشروع مرتقب لشركة السويدي إلكتريك في الساحل الشمالي بتكلفة 210 ملايين جنيه معرضا لخطر ارتفاع مستوى سطح البحر.
كما ينطوي 13 مشروعا للطاقة المتجددة بنظام البناء والتملك والتشغيل (بواقع 7 لطاقة الرياح، و6 للطاقة الشمسية) على مخاطر طويلة الأجل، نظرا إلى ارتباطها باتفاقيات ممتدة لشراء الطاقة. وفي المجمل، يصنف البيان المخاطر المناخية التي تهدد مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص بأنها منخفضة وقابلة للاحتواء.
إدراج المخاطر في الموازنة
أصبحت المخاطر المناخية جزءا هيكليا من كيفية إعداد الدولة لموازنتها. وتخطط الحكومة للتحول الكامل إلى موازنة البرامج والأداء بحلول العام المالي 2028/2027 بموجب قانون المالية العامة الموحد، مما يدمج الاعتبارات المناخية مباشرة في قرارات الإنفاق.
وجمعت مصر بالفعل تمويلات بموجب هذه الشروط، بدءا من طرح أول سندات سيادية خضراء في الشرق الأوسط بقيمة 750 مليون دولار في عام 2020 كانت مستحقة في سبتمبر 2025، تلتها سندات باندا بقيمة 3.5 مليار يوان في عام 2023 (478.7 مليون دولار) وتُستحق في أكتوبر 2026. ومولت العائدات مشاريع النقل النظيف وإدارة المياه وإدارة المخلفات.
تذكر: على عكس توقعات السوق، لم يفتح طرح السندات الخضراء في عام 2020 الباب أمام المزيد من الإصدارات المماثلة؛ إذ استقر إجمالي الإصدارات الخضراء والمرتبطة بالاستدامة عند 1.45 مليار دولار فقط. وتعد سندات الباندا وعودة مصر إلى الطروحات الدولية أول خطوة حقيقية على هذا المسار منذ ذلك الحين. كما تشير تقارير منفصلة إلى أن الاستثمارات العامة الخضراء، التي تستهدف التخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معها، ارتفعت إلى 55% من إجمالي الإنفاق في العام المالي 2026/2025، مع استهداف الوصول إلى 60% بحلول العام المالي 2027/2026.
فاتورة المخاطر المناخية ستتكشف بوتيرة بطيئة. يتوقع البيان أن يظل التأثير الكلي لتغير المناخ على الموازنة العامة محدودا على المدى المتوسط. ووفقا للسيناريو الأسوأ، فإن نسبة تدابير الإصلاح المالية اللازمة للحفاظ على قدرة الدولة على الوفاء بديونها سترتفع من 0.21% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2050 إلى 0.55% بحلول عام 2076.
إعادة تأكيد الأهداف المناخية: تستهدف االنسخة المحدثة من وثيقة المساهمات المحددة وطنيا لمصر لعام 2030 خفض الانبعاثات بنسبة 37% من قطاع الكهرباء و65% من النفط والغاز و7% من قطاع النقل، مقارنة بمستويات الوضع الراهن، إلى جانب زيادة حصة الطاقة المتجددة إلى 42% من إجمالي توليد الكهرباء.
هل نشهد تحولا حقيقيا؟ يبدو أن مصر تواجه تعرضها للمخاطر المناخية بكل حسم؛ ليس فقط العواصف والسيول، وإنما أيضا الخطر الأبطأ المتمثل في تحول العالم نحو الاستغناء عن الوقود الأحفوري، كما أن وضع تقديرات بالأرقام لهذين النوعين من المخاطر يجعل التغيير قابلا للتنفيذ، وليس مجرد طموح، ليشمل آليات التأمين وإعداد الموازنة وفرض الانضباط على القطاع الخاص.