🤖 يواجه قطاع الشركات عالميا معضلة جديدة، تتمثل في الارتفاع المتسارع لتكلفة تشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات، إذ تجاوزت تكلفة تشغيل هذه الأنظمة تكلفة الاعتماد على العمالة البشرية نفسها. قبل بضعة أشهر، كان الرؤساء التنفيذيون حول العالم يتطلعون إلى استبدال الموظفين ذوي التكلفة العالية بوكلاء رقميين، مدفوعين بقناعة بأن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الوكيل تمثل بديلا أسرع وأقل تكلفة.
أما الآن، مع انتقال الشركات من التجارب المحدودة إلى تشغيل تدفقات عمل معقدة تعتمد على عدة وكلاء ذكيين، بدأت الفاتورة الحقيقية في الظهور، إذ تجاوزت تكاليف التشغيل الميزانيات التي رصدتها الشركات، وأدرك الرؤساء أن استخدام نماذج باهظة الثمن لإنجاز مهام يومية بسيطة قد يتحول إلى ثقب مالي أسود، دون عائد واضح يوازي حجم الإنفاق، ما دفع العديد منهم إلى إعادة تقييم استراتيجيات التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي، أو ما بات يعرف باسم توكن ماكسينج.
يقصد بالتوكينز الوحدات الأساسية التي تعالجها نماذج اللغات الكبيرة، وتحتسب تكلفة استخدام هذه النماذج وفقا لعددها، وهو تعبير دارج يشير إلى تبني الذكاء الاصطناعي بأي ثمن، والاستعداد لمضاعفة الإنفاق بكثافة لدفع حدود الممكن، حسبما صرح الشريك الإداري في ألجبرا فينتشرز عمر خشبة لإنتربرايز.
بداية سباق التوكن ماكسينج
خوفا من التخلف عن المنافسين، سارعت فرق الإدارة في مختلف القطاعات إلى دمج نماذج اللغات الكبيرة أينما أمكن في تدفقات العمل اليومية. بالنسبة لكثير من صناع القرار، أصبح التوكن ماكسينج استراتيجية ترتبط بالبقاء في السوق والحفاظ على القدرة التنافسية، إذ أصبح الأمر مسألة وجودية بالنسبة للشركات، حسبما صرحت مي حبيب، الرئيسة التنفيذية والمؤسسة المشاركة لشركة رايتر الناشئة المتخصصة في حلول الذكاء الاصطناعي للمؤسسات، لصحيفة وول ستريت.
جاءت هذه نتيجة اقتناع كبير داخل مجالس الإدارات بأن الذكاء الاصطناعي يمثل تحولا لا يمكن تفويته. "الجميع انخرطوا في تجارب مكثفة على مدار العام ونصف العام الماضي، إذ نمت قدرات النماذج بشكل متسارع خلال تلك الفترة، واقتنعت مجالس الإدارات بأن هذه تكنولوجيا تحولية لا يمكن التخلف عنها، وبناء على ذلك، رصدت ميزانيات ضخمة كان يستهلك كثير منها خلال الشهر الأول أو الثاني من العام"، وفقا لخشبة.
لكن.. كيف بررت الشركات هذه النفقات؟ مع تضخم الإنفاق، احتاجت الشركات إلى إثبات أن استثماراتها في الذكاء الاصطناعي تحقق نتائج ملموسة، وفي ظل غياب مؤشرات واضحة لقياس الإنتاجية الفعلية، لجأت بعض الإدارات إلى تحويل عدد التوكينز المستهلكة إلى مؤشر أداء رئيسي، ما أطلق سباقا محموما لاستخدام الذكاء الاصطناعي، بصرف النظر عن جدواه الاقتصادية.
في أمازون، صنفت لوحات التقييم الداخلية ما يقرب من 80% من المطورين بناء على حجم استخدامهم للتوكينز، بحسب بيزنس إنسايدر. وسرعان ما تعلم بعض المهندسين التحايل على النظام عبر تضخيم الأوامر الموجهة إلى الذكاء الاصطناعي بإضافة بيانات أساسية ضخمة وغير ذات صلة، لرفع تقييماتهم بصورة مصطنعة، بحسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز. لم يقتصر الأمر على أمازون، إذ حذرت شركات مثل أكسنتشر كبار موظفيها من أن ضعف استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي قد يؤثر على فرص ترقيهم في العمل.
فاتورة الاستخدام
مع اتساع نطاق استخدام النماذج، بدأت فاتورة البنية التحتية في الارتفاع، لتكشف عن التكلفة الحقيقية لتشغيل الذكاء الاصطناعي على مستوى المؤسسات. يبلغ سعر استخدام نموذج كلود 3.5 سونيت من شركة أنثروبيك نحو 3 دولارات لكل مليون توكن من المدخلات، و15 دولارا لكل مليون توكن من المخرجات. ورغم أن هذه الأرقام تبدو محدودة للوهلة الأولى، فإنها تتضاعف بصورة كبيرة عند تشغيل آلاف طلبات البرمجة متعددة الخطوات عبر أنظمة وكلاء الذكاء الاصطناعي، لتتحول إلى فاتورة تشغيل شهرية ضخمة.
تسبب وهم الإنتاجية العالية الذي خلقته مقاييس التوكينز المتضخمة في خسائر حقيقية على أرض الواقع. مع تضخم مؤشرات استخدام التوكينز، افترض التنفيذيون خطأ أن قوتهم العاملة البشرية نجحت في أتمتة مهامها. وهو ما غذى موجة من تسريحات الموظفين، خصوصا المطورين المبتدئين ومتوسطي الخبرة. بيد أن الشركات اكتشفت لاحقا أنها استبدلت مهندسين ذوي خبرة بقدرات حوسبية فارغة وباهظة الثمن، تاركة فرقا مجوفة تكافح لإدارة أنظمة معقدة أنشأها الذكاء الاصطناعي، وفقا لتقرير نشرته بيزنس إنسايدر.
تشويه مؤشرات السوق
امتدت تداعيات ظاهرة التوكن ماكسينج إلى ما هو أبعد من ميزانيات الشركات، لتشوه مؤشرات سوق الذكاء الاصطناعي نفسه، إذ أرسلت موجة الاستخدام المكثف إشارات غير دقيقة إلى مزودي النماذج التأسيسية الذين شهدوا ارتفاعا كبيرا في حركة استخدام واجهات برمجة التطبيقات الخاصة بهم، ليفسرها الكثير منهم على أنها دليل على طلب حقيقي ومستدام، بدلا من كونها مجرد توجيهات مفروضة من إدارات الشركات.
يتطلب ذلك مراجعة خطط البنية التحتية المادية اللازمة لتلبية هذا الطلب المصطنع، إذ التزمت شركات تكنولوجيا عملاقة مثل أمازون وميتا، بضخ مئات المليارات من الدولارات لبناء مراكز بيانات ضخمة ومستهلكة للطاقة لدعم ما اعتقدت أنه منحنى متسارع للطلب الفعلي على الذكاء الاصطناعي، ولكنها قد تضطر الآن إلى تقليص خططها.
إلى أين نتجه من هنا؟
هناك نوع من الاستفاقة وعدم الاندفاع فيما يتعلق بالشركات المصرية، إذ تتمتع بميزة نسبية كونها لم تنخرط بالكامل في موجة التوكن ماكسينج، بدافع الرغبة في خفض النفقات خوفا من الأزمات المالية، حسبما أوضح خشبة. ويبدو أن الطفرة الكبيرة في الإنتاجية التي وعد بها الذكاء الاصطناعي لم تتحقق بعد، إذ يثق 30% فقط من الرؤساء التنفيذيين في نمو الإيرادات خلال عام 2026، بحسب نتائج استطلاع بي دبليو سي السنوي للرؤساء التنفيذيين حول العالم، وذلك في وقت يكافح فيه أغلبهم لتحويل الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي إلى عوائد ملموسة.
موجة الإنفاق غير المقيد لم تدم طويلا، إذ توشك حقبة الشيكات على بياض المخصصة للذكاء الاصطناعي في الشركات على الانتهاء فجأة، مع مسارعة الشركات لتطبيق حصص شهرية صارمة على الأوامر الموجهة من الموظفين، إلى جانب تحول التوجيه المؤسسي من الإفراط في استخدام التوكينز والأوامر إلى ترشيدها، عبر صياغة أوامر أكثر دقة واختصارا، للحد من فاتورة الإنفاق، وفقا لنيويورك تايمز.
ما الذي يمكن أن يتعلمه رواد الأعمال في مصر من هذه الموجة؟ تتمتع مصر بميزة مراقبة العثرات التي تحدث في الأسواق الأخرى أولا، ثم الاستفادة منها في تصحيح مسارها. وما يجعل الموجة الحالية مختلفة هو أنها لم تعد مقتصرة على وادي السيليكون، بحسب خشبة، الذي أوضح أن رأس المال والقدرات التي كان يتطلبها سابقا تأسيس شركة تجارة إلكترونية أو منصة تواصل اجتماعي، لم تعد حكرا على الشركات الكبرى بفضل الذكاء الاصطناعي.