🎶 لا يعترف الموسيقار والملحن المصري هشام خرما بالتصنيفات الجاهزة، سواء كانت موسيقية أو ثقافية أو مهنية، فعلى مدار ما يقرب من عقدين، بنى خرما مسيرة حافلة، ما بين قيادة عروض الأوركسترا وتأليف الموسيقى التصويرية والتعاون مع فنانين عالميين، توجها بفوزه بجائزة الإبداع المدمج ضمن جوائز نيش لعام 2026 في إيطاليا عن ألبومه أفق، كما كرمه وزير الشباب والرياضة ضمن مهرجان إبداع قادرون في نسخته الماضية تقديرا لجهوده في دعم الموهوبين من ذوي الهمم.
حاورت إنتربرايز هشام خرما (لينكد إن)، والذي شاركنا تفاصيل رحلته الفنية التي قادته في النهاية إلى محافل عالمية، وعن السبب الذي دفعه لمحو ألبومه الأول أربع مرات قبل أن يعثر على هويته الفنية، وكيف تغير مفهوم النجاح بالنسبة له مع مرور السنوات.
نحو العالمية بهوية مصرية
بدأت رحلة خرما الفنية مع آلة أورج حصل عليها عندما كان في التاسعة من عمره. ما بدأ كهواية طفولية تحول تدريجيا إلى شغف في الحياة: "أي فنان يمتلك بصمة موسيقية خاصة به وهذه البصمة هي رحلة تبنيها عبر الزمن، لا تأتي بين يوم وليلة، إنها رحلة مليئة بالتحديات والنجاحات"، بحسب ما قال خرما لإنتربرايز.
قادته هذه الرحلة من القاهرة إلى ميامي وهامبورج ودبي، حيث تركت كل مدينة أثرها على الموسيقى التي يقدمها اليوم. عقب دراسته علوم الكمبيوتر في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، حصل على درجة الماجستير في الإخراج الفني من ميامي، وهناك وجد نفسه وسط بيئة إبداعية متعددة الثقافات، تجمع بين الموسيقى اللاتينية والمعارض الفنية وعازفي الشوارع. فضلا عن تقليد ما يسمعه، قادته هذه التجربة لطموح مختلف دفعه للبحث عن أسلوبه الخاص: "أردت تقديم أعمال ذات طابع عالمي مع إدخال أصواتنا الشرقية فيها، ليكون من السهل تعريف الجمهور الأجنبي بهويتنا الموسيقية".
كيف وجد هويته الفنية الخاصة؟
خلق خرما بصمة مميزة لأعماله الفنية، إذ تمتزج آلات مثل العود والناي مع التوزيعات الإلكترونية والأوركسترالية، بينما تتجاور الألحان الشرقية مع موسيقى اللاونج والأمبينت والفانك والموسيقى المعاصرة.
لكن الوصول إلى هذا الأسلوب لم يكن سهلا، فمثل العديد من الملحنين الشباب تأثر خرما بوضوح بالفنانين الذين يحبهم، ولم تكن المشكلة في التعلم منهم، بل في معرفة متى يتوقف عن محاكاتهم: "لقد محوت ألبومي الأول أربع أو خمس مرات لأنني كنت متأثرا بشدة بآخرين. يتطلب الأمر وقتا طويلا حتى تصل إلى النقطة التي تقول فيها أريد أن تكون لي بصمتي الخاصة".
أسس خرما بصمته الفنية الفريدة، التي يعرفها الجمهور حتى قبل رؤية اسمه على العمل، وهو الإطراء الذي كان يثير قلقه سابقا: "في البداية كنت أخشى أن يظن أحد أنني أكرر نفسي، لكنني أدركت لاحقا أن هذه هي الهوية الخاصة بالفنان، لا يوجد شيء أجمل من أن يمتلك الفنان بصمة موسيقية تميزه".
نقطة التحول: عاش خرما لفترة في دبي، حيث عمل مديرا إبداعيا تنفيذيا لوكالة إعلامية رائدة، وبكل المقاييس التقليدية كانت حياته تسير على ما يرام، إذ يمتلك وظيفة مستقرة وراتب جيد ومنصب مرموق، إلا أنه دائما ما شعر بأن شيئا ما ينقصه، حتى وصلته دعوة غير متوقعة من صديق لحضور حفل للموسيقار العالمي ياني. "عندما رأيت فنانا عالميا يتواصل عبر الموسيقى مع أشخاص من مختلف أنحاء العالم، عرفت حينها أن هذا هو ما أريد فعله حقا."
لم يكن قرار التخلي عن مسيرة ناجحة في مجال الإعلانات للتفرغ للموسيقى سهلا، خاصة على من حوله. ففي ظل الظروف الاقتصادية التي أعقبت ثورة يناير، ومع وجود مسؤوليات أسرية، كان التحدي كبيرا، ولكنه قرر أن يخوض المغامرة على أي حال. وبعد عام واحد فقط، تلقى ما اعتبره رسالة تؤكد أنه اختار الطريق الصحيح، عندما دعته سوني ميوزك لتمثيل مصر في ألبوم أرابيسك، إلى جانب ياني نفسه.
الموسيقى كأداة لرواية القصص
لا يزال حب التجربة يدفع خرما إلى خوض مجالات جديدة حتى اليوم، إذ تعكس ألبوماته الخاصة مشاعره ورؤيته الفنية، بينما يترك للمستمعين حرية تفسيرها والتفاعل معها بطريقتهم الخاصة. على الجانب الآخر، يتطلب تأليف الموسيقى للأفلام والمسلسلات عقلية مختلفة تماما، إذ يصبح دوره هو خدمة القصة وبناء عالمها الموسيقى. "عندما أعمل على ألبومي الخاص، أكون مسؤولا عن الرؤية الفنية بالكامل. أما عند وضع الموسيقى التصويرية لفيلم أو مسلسل، فإن دوري هو المساعدة في سرد قصة شخص آخر".
ومع ذلك، يرى خرما أن الموسيقى التصويرية ليست مساحة إبداعية، تمثل فرصا أكبر لاكتشاف آفاق جديدة لم يكن ليصل إليها في أعماله الشخصية، مشيرا إلى أن عمله على مسلسلات — مثل سوتس بالعربي — دفعه إلى تجربة قوالب موسيقية مختلفة، انعكس أثرها لاحقا على ألبوماته الخاصة، مؤكدا أن كل مشروع يعلمه شيئا جديدا.
قضى خرما سنوات في الدمج بين الثقافات الموسيقية المختلفة، رافضا وضع الفن داخل قوالب جامدة. ينظر خرما إلى التعاون الفني بوصفه تجربة إنسانية تتجاوز حدود الاحتراف، دون التركيز على الجنسية أو الدين أو الخلفية الثقافية، مؤكدا أن الموسيقى واحدة من اللغات القليلة القادرة على تجاوز هذه الفوارق بما تحمله من قدرة على ترسيخ قيم الوحدة والتواصل والسلام.
خارج حدود الموسيقى
بدأ خرما تعاونه مع مؤسسة أهل مصر بتأليف أغنية لحملة خيرية قبل أن يصبح سفيرا لمبادرة إنسانية بلا حروق، التي تهدف إلى دعم ضحايا الحروق وإعادة دمجهم في المجتمع. كما ربطته علاقة طويلة مع مؤسسة حلم، التي تعمل على تمكين ودمج الأشخاص ذوي الإعاقة، وهي علاقة بدأت من خلال تعاون إبداعي ثم تطورت إلى التزام مستمر.
يمكن أن يعزز الإبداع من الدمج المجتمعي ونقل الرسائل الإنسانية، حسبما يشير خرما. وتنعكس هذه القناعة بوضوح في حفلاته، إذ يقول "يدخل الأفراد إلى عالمي الموسيقي، لكن كل منهم يفسره بطريقته الخاصة"، وقد علم من بعض المستمعين أن موسيقاه ساعدتهم على تحمل آلام العلاج الكيميائي، بينما وجد فيها آخرون وسيلة للتركيز أو ملاذا من ضغوط الحياة اليومية، مؤكدا أن هذه القصص تعني له أكثر من أرقام المشاهدات والاستماع عبر المنصات الرقمية.
لم يعد خرما ينظر إلى النجاح بالطريقة نفسها التي كان يراها قبل سنوات، عندما سألناه عن الأثر الذي يسعى إلى تركه، قال: "لو سألتني قبل ستة أشهر لكانت إجابتي مختلفة، أما الآن فقد أدركت أنني أريد فقط أن أكون إنسانا". أما عن خطواته القادمة؟ يعمل خرما حاليا على مشروع جديد يرتبط بأهرامات الجيزة، مفضلا الاحتفاظ بكافة تفاصيله في الوقت الحالي.