ألزم البنك المركزي المصري البنوك بالحصول على موافقة مسبقة قبل المشاركة في إصدارات الصكوك، في أحدث خطوة لتشديد الرقابة على حجم تعاملات البنوك مع المؤسسات المالية غير المصرفية، وفق ما صرحت به صرحت ثلاثة مصادر مصرفية لإنتربرايز. وتأتي هذه التوجيهات في أعقاب تعليمات صدرت في ديسمبر 2025 تلزم البنوك بالحصول على الموافقة المسبقة نفسها لإصدارات التوريق، وهو ما يصفه مصرفيون بأنه جزء من استراتيجية رقابية مستمرة وليس إجراء عابر.
خلفية: يأتي القرار الخاص بالصكوك بالتزامن مع خطوتين أخيرتين للمركزي المصري؛ إذ شدد البنك قبل أيام ضوابط استثماراتالبنوك في سندات الشركات والتوريق، وأمهلها ستة أشهر لتقديم قواعد معتمدة من مجالس إداراتها. كما حظر المركزي على البنوك منح أو تجديد التسهيلات الائتمانية لجهات التمويل غير المصرفية، ما لم تكن مكودة لدى البنك المركزي وتشارك بيانات عملائها مع كل من البنك المركزي والشركة المصرية للاستعلام الائتماني (آي سكور). في حين تشدد الهيئة العامة للرقابة المالية رقابتها على مستويات الرافعة المالية والتوسع وجودة الأصول لدى المؤسسات المالية غير المصرفية.
المشهد الكلي: تأتي دورة التشديد الرقابي في وقت يشهد فيه قطاع الخدمات المالية غير المصرفية في مصر نموا متسارعا؛ إذ بلغ إجمالي المحافظ القائمة للتمويل غير المصرفي 417 مليار جنيه بنهاية عام 2025، في حين وصل إجمالي التمويلات الممنوحة من تلك المؤسسات إلى 1.1 تريليون جنيه خلال أول 10 أشهر من عام 2025. ورغم أن سوق الصكوك يعد سوقا ناشئة إلا أنه يشهد نشاطا ملحوظا؛ حيث سجلت السوق 6 إصدارات بقيمة 12.85 مليار جنيه بنهاية عام 2023، مقابل 5 إصدارات بقيمة 20.7 مليار جنيه في العام الماضي وحده، ليصل إجمالي صكوك الشركات المصدرة إلى 33.5 مليار جنيه، وفقا لبيانات الهيئة العامة للرقابة المالية. ومن المتوقع طرح المزيد من الإصدارات بعد التعديلات الأخيرة التي سمحت بإصدار صكوك دون تصنيف ائتماني وبرامج إصدار لأجل ثلاث سنوات.
إطار تنظيمي موحد وليس قرارات منفصلة: يرى محمد عبد العال، عضو مجلس إدارة البنك المصري الخليجي، أن التوجيهات الخاصة بالصكوك تمثل ركيزة أساسية ضمن استراتيجية احترازية كلية موحدة تشمل التمويل المستدام، ومخاطر المناخ، والانكشاف المنظم على المؤسسات المالية غير المصرفية. وأضاف عبد العال في تصريحاته لإنتربرايز: "المسألة لا تقتصر على الصكوك أو التمويل المستدام أو المخاطر المناخية أو التوريق [...] فهناك خيط واحد يربط بين جميع تعليمات البنك المركزي الأخيرة. وتهدف في النهاية إلى ضبط انتقال المخاطر خارج الميزانيات العمومية للبنوك، وضع حدود أكثر وضوحا لدور البنوك كممولين، ومكتتبين، ومنظمين للإصدارات".
حماية رأس المال أولا: أوضح عبد العال أن "مسؤولية البنك المركزي هي حماية سيولة البنوك ورؤوس أموالها، لأن نسب كفاية رأس المال قد تتأثر إذا تجاوزت البنوك الحدود المناسبة في تمويل قطاعات معينة ثم تعرضت تلك القطاعات للتعثر". ويرى أن الهدف هو منع البنوك من تركيز استثماراتها عبر قطاعات قد تواجه تعثرا في وقت لاحق، مضيفا: "أن هذه التعليمات تمنع تركز التمويل في أنشطة قد لا تكون مخاطرها محسوبة بالشكل الكافي. إذ لا بد من وجود مؤشرات واضحة لقياس حجم كل قطاع مقارنة بإجمالي المحفظة، وكذلك وزن كل عميل داخل القطاع، ووزنه مقارنة بإجمالي القطاعات المختلفة، وجودة الأصول التي تدعم هذه الإصدارات، سواء كانت في عمليات التوريق أو الصكوك".
ويتمثل الهدف الثاني في تحسين جودة الأصول؛ إذ أشار عبد العال إلى أن "أنه من الأهداف المهمة أيضا رفع جودة الأصول التي يتم توريقها، أو الأصول التي تصدر الصكوك بضمانها".
إرساء القواعد لا تحجيم السوق: يرى عبد العال أن إجراء الموافقة المسبقة لا يهدف إلى تقييد تمويلات الشركات، بل يمهد الطريق لتوسيع سوق أدوات الدين. وقال إن "البنك المركزي يعمل حاليا على بناء البنية الأساسية التنظيمية والرقابية اللازمة لقيام سوق قوية لأدوات الدين"، مضيفا أن الهدف هو السماح "للبنوك ومؤسسات القطاع المالي غير المصرفي بالتوسع في هذا السوق، مع الالتزام بقواعد الحوكمة، والرقابة الداخلية، والتمويل المستدام، وفي ظل مؤشرات منضبطة تخضع لإشراف البنك المركزي وتسير جميعها في اتجاه واحد".
من توجيه التمويل إلى إدارة المخاطر: يشير هذا التوجه إلى تحول البنك المركزي من التدخل في تحديد القطاعات التي تمولها البنوك، إلى تبني رؤية قائمة على البيانات للمخاطر الناشئة عن هذا التمويل. وقال عبد العال: "البنك المركزي بدأ ينتقل من مرحلة كان يركز فيها على تحديد ما إذا كان ينبغي للبنك تمويل نشاط معين أو عدم تمويله، إلى مرحلة أكثر تطورا، تركز على طبيعة المخاطر التي ستنشأ عن هذا التمويل، وكيفية قياسها، واحتسابها، وإدارتها، والسيطرة عليها، فضلا عن تقييم أثر أي قرار تمويلي يتخذه أحد البنوك على القطاع المصرفي ككل". وأضاف أن هذا هو المنطق الكامن وراء موجة الموافقات المسبقة، قائلا: "ولهذا السبب، نلاحظ أن كثيرا من القرارات الأخيرة تشترط الحصول على موافقة مسبقة قبل تنفيذ بعض العمليات أو تجاوز حدود معينة، لأن هذه هي الفلسفة التي تحكم تلك القرارات. وبالتالي، فنحن لا نتحدث عن قرار منفرد، فالخبر صحيح، لكنه يأتي ضمن سلسلة متكاملة من القرارات التي تتبنى النهج الرقابي نفسه".