يتجه البنك المركزي المصري نحو إحكام قبضته التنظيمية على استثمارات البنوك في سندات الشركات والتوريق، على خلفية الارتفاع الأخير في حجم انكشاف المقرضين على هذه الأدوات، وفق كتاب دوري (بي دي إف). وبمقتضى ضوابط جديدة أكثر صرامة، ستلتزم البنوك بتوفيق أوضاع سياساتها الداخلية في غضون ستة أشهر، مع تقديم قواعد معتمدة من مجلس الإدارة للاستثمار في السندات إلى البنك المركزي المصري.
مقترض واحد، رقم واحد
تحول الضوابط الجديدة حيازات السندات إلى اختبار لمخاطر التركز. وبات لزاما على البنوك وضع سقف لإجمالي استثماراتها في السندات كنسبة من محافظها الائتمانية والاستثمارية، إلى جانب وضع حدود للانكشاف على كل قطاع على حدة. ويتعين عليها أيضا وضع حد أقصى لحيازاتها من سندات أي شركة كنسبة من إجمالي محفظة سندات الشركات لديها، وكذلك وضع حد أقصى لانكشافها على سندات التوريق الخاصة بأي شركة محيلة (منشئ محفظة التوريق) كنسبة من إجمالي محفظة التوريق الخاصة بالبنك.
ولم تعد محافظ السندات بمعزل عن حجم الانكشاف الائتماني، إذ يجب الآن احتساب حيازات البنك من سندات الشركات والتوريق الخاصة بشركة معينة ضمن إجمالي انكشافه على هذا العميل عند حساب حدود العميل الواحد والأطراف المرتبطة به، مما يسد الفجوة بين ما يقرضه البنك للمقترض وما يمتلكه من أوراق مالية تخص هذا المقترض نفسه.
جودة الائتمان أصبح لها حد أدنى، وثمن أيضا. يتعين على البنوك وضع حد أدنى مقبول للتصنيف الائتماني للسندات التي تكتتب فيها، بحيث لا يقل عن "-BBB"، مع وضع حد أقصى لآجال الاستحقاق. وتحمل السندات التي تقع في قاع هذا النطاق التكلفة الرأسمالية الأكبر؛ إذ حدد البنك المركزي أوزان مخاطر ترتفع كلما انخفضت جودة الائتمان. فبالنسبة للسندات طويلة الأجل، يبلغ وزن المخاطر 100% للتصنيف "AAA"، و150% للتصنيفات من "-AA" إلى "+AA"، و200% للتصنيفات من "-A" إلى "+A"، و300% للتصنيفات من "-BBB" إلى "+BBB". أما السندات قصيرة الأجل فتحمل وزن مخاطر بنسبة 150% لتصنيف "1-A / 1-P"، و200% لتصنيف "2-A / 2-P"، و300% لتصنيف "3-A / 3-P".
أعباء الفحص والدراسة تزداد: يتعين على البنوك إعداد دراسة وافية قبل الاستثمار في أي سند، وتحديد المخاطر التي قد تؤثر على التدفقات النقدية المتوقعة وتقييم الجدارة الائتمانية للجهة المصدرة أو الشركة المحيلة باستخدام البيانات المالية وغير المالية المتاحة. كما يجب عليها مراقبة الأداء دوريا، وتقديم تقارير ربع سنوية إلى لجنة المخاطر بالبنك، والتي ترفع بدورها توصياتها إلى مجلس الإدارة.
المزيد من الموافقات المطلوبة
لا تزال موافقة الرقابة المالية إلزامية: جدد البنك المركزي في كتابه الدوري التأكيد على اشتراط قائم — أُدرج لأول مرة في كتاب دوري صادر في 24 سبتمبر 2025 – يلزم البنوك بالحصول على خطاب من الهيئة العامة للرقابة المالية قبل زيادة الانكشاف على الشركات الخاضعة لرقابتها، سواء من خلال التسهيلات الائتمانية، أو تجديدها، أو التوريق، لضمان أن الشركة في موقف قانوني سليم، وملتزمة بالقواعد المنظمة لنشاطها، وخالية من أي مخالفات أو تدابير أو عقوبات إدارية لم تُسوى بعد.
أوراق التمويل الاستهلاكي والعقاري تواجه اختبارات إضافية: يجب على البنوك الحصول على شهادة من مراقب الحسابات تؤكد التزام الجهات المصدرة أو المحيلة بالحد الأقصى الذي وضعه البنك المركزي للأقساط كنسبة من الدخل الشهري للفرد — وهو الحد المقرر في كتاب دوري صادر في ديسمبر 2019 — حيثما ينطبق ذلك. ويجب أن تكون سندات التوريق المصدرة من قبل المطورين العقاريين أو شركات التمويل العقاري مدعومة بمحافظ مرتبطة بوحدات سُلمت بالفعل للمشترين.
كما يُحظر الجمع بين ضمان الإصدار والاستثمار فيه: يتعين على البنوك الحصول على موافقة مسبقة من البنك المركزي قبل تقديم ضمانات للسندات التي تصدرها الشركات أو المؤسسات، على أن يكون ذلك مدعوما بدراسة وافية للتدفقات النقدية للجهة المصدرة والشركة المحيلة للتوريق. كذلك يُحظر على البنوك الاستثمار في إصدار سبق لها أن أصدرت خطابات ضمان لصالحه.
السياق: تأتي القواعد الجديدة لاستثمارات البنوك في السندات في وقت تواصل فيه الجهات التنظيمية تضييق الخناق على قنوات التمويل من البنوك إلى المؤسسات المالية غير المصرفية. ومؤخرا، حظر البنك المركزي على البنوك منح أو تجديد تسهيلات ائتمانية لجهات الإقراض غير المصرفية ما لم تكن مكودة لدى المركزي وتلتزم بالإبلاغ عن بيانات عملائها لكل من البنك المركزي والشركة المصرية للاستعلام الائتماني (آي سكور). وفي غضون ذلك، تعمل الهيئة العامة للرقابة المالية على تشديد ضوابط توسع المؤسسات المالية غير المصرفية، ومستويات الرفع المالي، ومراقبة جودة الأصول.
رأينا: يبدو أن هذه الخطوة تهدف إلى ضمان مواكبة التشريعات للتوسع السريع في سوق أدوات الدين وتزايد شهية البنوك تجاه سندات الشركات والتوريق، والتي توفر وسيلة أسرع وغالبا أقل تعقيدا من الناحية التشغيلية لتوظيف رؤوس الأموال مقارنة بمنح القروض التقليدية.
وقد يكون السؤال المُلح هو تأثير ذلك على الإصدارات، وليس الحيازات فحسب. إذ يبدو أن هناك بندين سيلعبان دورا حاسما: الأول هو شرط ارتباط التوريق بالوحدات المسلمة، وهو ما يتعارض مع الطريقة التي يميل بها المطورون إلى إجراء عمليات التوريق — أي بضمان مستحقات عن مشروعات لا تزال قيد الإنشاء وليس وحدات جرى تسليمها بالفعل. والثاني هو حظر حيازة البنك لإصدارات قام هو بضمانها، وهو ما يفكك هيكلا طالما تواجدت فيه البنوك على كلا الجانبين. وإذا تراجعت البنوك عن كلا الأمرين، فإن الشركات والمؤسسات المالية غير المصرفية التي اعتمدت كثيرا على التوريق قد تجد نافذة التمويل المقبلة أضيق وأكثر تكلفة، وقد تجد نفسها مدفوعة للعودة إلى الإقراض المباشر الذي يراقبه البنك المركزي حاليا عن كثب.
ومن القرارات التنظيمية الأخرى
توفر الهيئة العامة للرقابة المالية لشركات تأمينات الحياة وتكوين الأموال مسارا أسرع لإصدار وتجديد عقود التأمين الجماعي، بموجب قرار جديد صدر في نهاية الأسبوع، وفق بيان صادر عن الهيئة. ويستبدل النظام الجديد شرط الموافقة المسبقة بالإخطار اللاحق بالنسبة لأعمال التأمين الجماعي المتكررة، والتي تشمل: العقود النمطية المصدرة أو المجددة باستخدام النماذج المعتمدة من الهيئة، وكذلك تجديد العقود غير النمطية التي سبق وأن وافقت عليها الهيئة عند إصدارها لأول مرة.
الإخطار لاحقا بدلا من الموافقة المسبقة: يتعين على الشركات إخطار الرقابة المالية في الأسبوع الأول من الشهر التالي للإصدار أو التجديد، على أن يكون الإخطار مدعوما بتعهدات من ممثليها القانونيين بأن العقود مطابقة للنموذج المعتمد أو النسخة المعتمدة مسبقا، وأنها تلتزم بالترتيبات الفنية والاكتوارية وترتيبات إعادة التأمين المقدمة بالفعل إلى الهيئة. ولا يزال بإمكان الهيئة طلب نسخ من العقود، أو التقارير الاكتوارية، أو بيانات الخبرة الفعلية، أو المستندات ذات الصلة في أي وقت، وهو ما يوفر مسارا أسرع لعقود التأمين الجماعي المتكررة مع الحفاظ على الدور الرقابي والتدقيقي للهيئة.