Posted inاقتصاد

المحللون يجمعون: المركزي المصري سيبقي على أسعار الفائدة دون تغيير

من المتوقع أن يُبقي البنك المركزي المصري على أسعار الفائدة دون تغيير للمرة الثالثة على التوالي عندما تجتمع لجنة السياسة النقدية الخميس المقبل، وفقا لاستطلاع أجرته إنتربرايز شمل 11 محللا وخبيرا اقتصاديا. ويُرجح أيضا أن يلتزم صناع السياسات بنهج الترقب والانتظار، بهدف تثبيت توقعات التضخم في وقت تترقب فيه السوق التداعيات المحتملة لخفض الدعم محليا واستمرار السياسة النقدية التشددية عالميا.

دوافع التثبيت: يُجمع المحللون على بقاء سعر الفائدة على الإيداع لليلة واحدة عند 19.00% وسعر الإقراض عند 20.00%. ورغم تباطؤ معدل التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في المدن إلى 14.6% في مايو من 14.9% في أبريل، إلا أن مساحة المناورة تظل محدودة للغاية. ويوفر تثبيت أسعار الفائدة الحالية هامشا إيجابيا مريحا لسعر الفائدة الحقيقي يتجاوز 4%، وهو ما يشكل حاجزا وقائيا حيويا لكبح التضخم المدفوع بالطلب والحفاظ على التدفقات الأجنبية داخل سوق الدين المحلية.

تذكر: أوقف البنك المركزي دورة التيسير النقدي في اجتماع مايو الماضي لمواجهة التحديات الجيوسياسية واحتواء تكاليف خدمة الدين. وقد يمتد هذا التوجه الحذر على اجتماع لجنة السياسة النقدية المقرر الخميس، بعدما أظهرت بيانات مايو ارتفاع الضغوط السعرية الشهرية في المدن لتسجل 1.6%، من 1.1% في أبريل.

هدوء مؤقت

"على الرغم من توقعاتنا باحتواء الضغوط التضخمية الشهرية نسبيا في شهري يونيو ويوليو، نرى أن التضخم السنوي العام قد يتسارع إلى ما بين 16% و17% خلال الشهرين المقبلين نتيجة تأثير سنة الأساس غير المواتي"، وفق ما قاله رئيس قطاع البحوث في شركة بلتون القابضة أحمد حافظ لإنتربرايز. وأضاف حافظ أن أي زيادات أوسع في أسعار الكهرباء أو جولة أخرى من الزيادات في أسعار الوقود قد تدفع التضخم نحو حاجز الـ 18%، "وهو ما قد يستدعي تدخلا نقديا. لذا، لم نعد نستبعد رفع أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس في الربع الثالث من عام 2026".

وتتفق إسراء أحمد، محللة الاقتصاد الكلي لدى شركة ثاندر لتداول الأوراق المالية، على أن المخاطر الصعودية لا تزال قائمة، مشيرة إلى احتمالية إقرار زيادة جديدة في أسعار الوقود وسط التقلبات المستمرة في أسعار خام برنت. وقالت أحمد: "في ظل غياب أي أفق واضح لانتهاء التوترات الإقليمية الراهنة، نعتقد أن البنك المركزي سيحافظ على أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية حتى إشعار آخر".

ويؤيد المحلل الاقتصادي إيهاب سعيد هذا الرأي قائلا: "أتوقع التثبيت في الاجتماع المقبل، لأن التباطؤ الحالي للتضخم يرجع في المقام الأول إلى تأثير سنة الأساس. وبحلول أغسطس، أتوقع أن يعاود التضخم مساره الصعودي، وبالتالي سيكون من الصعب على البنك المركزي استئناف سياسة التيسير النقدي، رغم حاجته الماسة لخفض الفائدة ولو بمقدار 100 نقطة أساس لتخفيف أعباء خدمة الدين العام".

التحول نحو الانكماش

تعمل ديناميكيات ما بعد الحرب على قلب صدمات العرض السابقة رأسا على عقب من الناحية الهيكلية. ويوضح رئيس قطاع البحوث في شركة الأهلي فاروس هاني جنينة لإنتربرايز أن "التوترات والحرب التي كانت تدفع الأسعار نحو الارتفاع هدأت بشكل ملحوظ، وهو ما انعكس على أسعار السلع العالمية، إذ تراجع النفط من مستويات قريبة من 80 دولارا للبرميل إلى ما يزيد قليلا عن 60 دولارا في الوقت الحالي". وقد أدى ذلك إلى محاصرة المنتجين الذين اشتروا مخزونات بأسعار مرتفعة خلال شهري أبريل ومايو، مما أجبرهم على مواجهة انخفاضات حادة في الأسعار من قبل المنافسين وتراجع قيمة مخزوناتهم.

في الوقت ذاته، يؤجل المستهلكون مشترياتهم تحسبا لمزيد من التخفيضات في الأسعار، مما أدى إلى ركود مزدوج في كل من العرض والطلب. ويشير جنينة إلى أن "الضغوط التي كانت تضخمية قبل شهرين تحولت الآن بوضوح إلى ضغوط انكماشية". وبدلا من خفض أسعار الفائدة الأساسية (الكوريدور) في الوقت الحالي، يرجح جنينة أن يلجأ البنك المركزي في نهاية المطاف إلى خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي بنسبة تتراوح بين 2% و4% لتخفيف أزمة السيولة في البنوك.

الدرع النقدي

أسهم الارتفاع الأخير في قيمة الجنيه، ليهبط الدولار دون مستوى 50 جنيها، في تخفيف الضغوط المباشرة على الاقتصاد الكلي، مدعوما باحتياطي أجنبي قياسي بلغ 53.13 مليار دولار، وتدفقات قوية من تحويلات المصريين بالخارج والأموال الساخنة. وقال الخبير الاقتصادي المقيم في لندن علي متولي لإنتربرايز: "الانخفاض الحالي في سعر صرف الدولار دون حاجز الـ 50 جنيها يرجع لأسباب عديدة، على رأسها تراجع حدة المخاطر الجيوسياسية الإقليمية". وأضاف متولي أن الحفاظ على هذه المكاسب سيتطلب استمرار الهدوء الجيوسياسي، واستقرار أسعار الطاقة، وعدم حدوث قفزة مفاجئة في الطلب على الدولار.

كما يرى محمد أبو باشا كبير الاقتصاديين في "إي إف جي هيرميس" أن هناك مبررات قليلة لإحداث تحول فوري في السياسة النقدية، مشيرا إلى أنه في حين يعد الاتفاق المؤقت المبرم بين الولايات المتحدة وإيران إيجابيا، "لا تزال حالة عدم اليقين مرتفعة، وستراقب السوق مدى الالتزام بالاتفاق وفعاليته". ويرى الخبير المصرفي محمد عبد المنعم أن البنك المركزي سيظل متحفظا حتى تتضح الرؤية بشأن اتجاهات التضخم، ومسار الحرب، والتطورات الجيوسياسية الأوسع، مضيفا أن "السيناريو الأقرب هو التثبيت".

امتصاص السيولة بشكل غير مباشر

يتفق المحللون على أن السياسة الحالية للبنك المركزي تظل تقييدية للغاية، مما لا يترك مجالا أو ضرورة لإجراء تخفيضات مبكرة في أسعار الفائدة. ويوضح الخبير المصرفي المخضرم وعضو مجلس إدارة البنك المصري الخليجي محمد عبد العال أن "البنك المركزي لم يعد يعتمد حصريا على رفع أسعار الفائدة الرسمية كأداة وحيدة لامتصاص السيولة". وأضاف عبد العال: "خلال الفترة الماضية، سمح البنك المركزي للبنوك الحكومية والخاصة بطرح أدوات ادخارية ذات عائد مرتفع بشكل استباقي، وهو ما نجح فعليا في امتصاص جزء كبير من السيولة، وشجع على الادخار بالجنيه، وحد من الدولرة، وعزز قوة العملة المحلية، دون الحاجة إلى زيادة مباشرة إضافية في أسعار الفائدة الأساسية الرسمية".

قيود الفيدرالي الأمريكي

لا يزال المشهد النقدي العالمي يميل إلى التشدد تحت قيادة كيفين وارش. ويشير المحلل المالي هاني أبو الفتوح إلى أن "قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بالإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير في نطاق 3.50-3.75% يضيف عامل حذر خارجي لا يمكن تجاهله. [إبقاء] أسعار الفائدة على الدولار مرتفعة نسبيا يجعل أي خفض سريع لأسعار الفائدة على الجنيه أكثر حساسية فيما يتعلق بتدفقات رؤوس الأموال وسعر الصرف. ولذا، أتوقع بنسبة 75% أن يجري تثبيت سعر الفائدة".

وبالمثل، يتوقع الخبير المصرفي أحمد شوقي أن تظل أسعار الفائدة العالمية مرتفعة مع إعطاء الاحتياطي الفيدرالي، تحت قيادة وارش، الأولوية للسيطرة على التضخم، مؤكدا أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال ينمو بوتيرة قوية، وهو ما يبقي على الضغوط التي تواجهها الأسواق الناشئة للحفاظ على علاوات مخاطر جاذبة لمنع هروب رؤوس الأموال.

رغم أنها كانت تميل في البداية نحو إمكانية إجراء خفض طفيف، غيرت النائبة السابقة لرئيس مجلس إدارة بنك مصر سهر الدماطي رأيها في النهاية، قائلة: "أرى أن البنك المركزي قد يتجه أكثر إلى التثبيت مجددا بدلا من خفض أسعار الفائدة، خاصة بعد تراجع التضخم لدينا... الوضع الآن أصبح صعبا، فالدولار قوي جدا وسيكون له تأثير على عملتنا في مصر... ويجب الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة حتى نتمكن من الاستمرار في جذب الأموال الساخنة".