تنقل زياد بهاء الدين (لينكد إن) خلال مسيرته المهنية بين المناصب الرقابية والعمل الاستشاري؛ حيث شغل منصب الرئيس التنفيذي لكل من الهيئة العامة للرقابة المالية والهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، وكان عضوا في مجلس إدارة البنك المركزي، وعضوا في مجلس النواب، ونائبا لرئيس الوزراء للتنمية الاقتصادية. وشارك بهاء الدين أيضا في صياغة تشريعات في عدد من الدول العربية، من بينها الإمارات والسعودية ولبنان والأردن.
يعود بهاء الدين الآن إلى العمل بالقطاع الخاص، لينضم إلى مكتب أديسيرو - راجي سليمان وشركاه، بدءا من الأول من يوليو، في دور الشريك الأول ورئيس قسم التنظيم المالي وأسواق المال الذي جرى تأسيسه مؤخرا. وسينضم إليه في القسم الشريك محمد الأهواني (لينكد إن)، المتخصص في عمليات الدمج والاستحواذ والطاقة والبنية التحتية، والمستشارة رنا القهوجي (لينكد إن)، التي يتركز عملها على قضايا مكافحة الاحتكار والامتثال التنظيمي.
التقينا مع بهاء الدين للحديث حول القسم الجديد، ورؤيته لمسار أجندة الإصلاح التشريعي في مصر، وكيف يقرأ المشهد الاقتصادي الكلي في ظل التداعيات التي تفرضها أزمة مضيق هرمز على الاقتصاد العالمي.
إليكم مقتطفات محررة من حوارنا:
إنتربرايز: ما الذي يميز وضع السوق حاليا ليجعل الهيكل المدمج للقسم الجديد، الذي يجمع بين التنظيم المالي وأسواق المال، هو الخيار الأنسب، بدلا من إبقائهما في كيانين منفصلين؟
بهاء الدين: لم يعد هناك وجود لشركات تقتصر أعمالها على أسواق المال فقط. فأي مؤسسة مالية جديدة لا بد أن تبدأ من نقطة معينة، كأنْ تبدأ بنكا، أو مديرا للمحافظ، أو شركة وساطة، أو شركة استثمار مباشر. ولكن بمجرد حصولها على ترخيص في مجال واحد، تتقاطع في النهاية مجالاتها مع مجالات أخرى. من الصعب تخيل شركة استثمار مباشر تمارس نشاطها التقليدي دون الدخول أيضا في عمليات إعادة الهيكلة، والدمج والاستحواذ، وأحيانا التأمين والتوريق. وباتت أعمال العملاء نفسها تتداخل وتتنقل باستمرار بين أسواق المال والتمويل والتنظيم، لذا يتعين على أي مكتب محاماة حديث أن يتبنى هذه المرونة ذاتها بدلا من العمل بمعزل عن التخصصات الأخرى.
إنتربرايز: ذكرت أن مصر على أعتاب توسع كبير في الممارسات التنظيمية، ما أسباب ذلك؟
بهاء الدين: هناك عدة أسباب؛ ففي ظل التغيرات الجيوسياسية الأخيرة، تدخل مصر مرحلة جديدة تحمل في طياتها صفقات كبرى محتملة، سواء في إطار إعادة هيكلة القطاع العام، أو إعادة تنظيم شركات القطاع الخاص لتعزيز قدرتها على المنافسة دوليا، أو عودة الشركات متعددة الجنسيات ورؤوس الأموال المؤسسية الخليجية لاقتناص الفرص المتاحة هنا.
ثمة سبب آخر يتعلق بالإصدار الثاني من وثيقة سياسة ملكية الدولة. فقد صارت النسخة الجديدة أوجز، وأكثر تنظيما، وأكثر واقعية من النسخة الأولى الصادرة قبل أربع سنوات. والأهم من ذلك، أن هذه النسخة تحظى بمصداقية أكبر، مع استعداد حقيقي من جانب الحكومة للمضي قدما في تنفيذها الفعلي. كانت النسخة الأولى مصاغة بعناية لكنها لم تطبق تقريبا. الوضع يبدو مختلفا هذه المرة، ما يمهد الطريق لمزيد من الصفقات في المستقبل.
إنتربرايز: لقد أمضيت سنوات في الجانب التنظيمي في هيئة الرقابة المالية وهيئة الاستثمار، وعملت أيضا مستشارا للقطاع الخاص منذ تركك للعمل الحكومي. كيف أثر هذا التحول على طريقة تعاملك الحالية مع العملاء الذين يتعاملون مع تلك المؤسسات؟
بهاء الدين: يميل البعض لافتراض أن استخراج التراخيص هو الجوهر الفعلي لهذه المهنة، لكن القيمة الحقيقية تكمن في التفكير الذي يسبق هيكلة أي صفقة، أو تأسيس أي شركة، أو إعادة هيكلة أي مجموعة. يتعلق الأمر بفهم ما يهدف التشريع إلى تحقيقه فعلا، وكيفية الامتثال له منذ البداية، وكيف تضع العميل في أفضل موقف للاستفادة منه؛ لأن القوانين تحمل في طياتها مزايا وإعفاءات ضريبية تماما كما تفرض قيودا. وبناء هذا الإطار على نحو صحيح منذ البداية يمثل أهمية تفوق ما يتصوره البعض.
إنتربرايز: ما الفجوة التي تحاولون سدها من خلال هذا القسم الجديد؟ وهل هناك هدف محدد تأملون في تحقيقه خلال العام الأول؟
بهاء الدين: نحن لا نقدم شيئا جديدا كليا، بل نعيد تجميع الموارد والخبرات المتاحة بالفعل لدى أديسيرو. يتمتع المكتب بخبرة واسعة وممتدة في مجالات التنظيم، وأسواق المال، والصفقات المالية، والبنوك، والدمج والاستحواذ. وما نضيفه هنا هو اهتمام إضافي لمسألتي التنظيم والامتثال، اللتين أصبحتا خدمة أساسية للعملاء الذين يتعاملون مع المنظومة التنظيمية في مصر، التي تزداد تعقيدا يوما بعد يوم. ويجلب محمد الأهواني معه خبرة عميقة في صفقات الدمج والاستحواذ ومعاملات الشركات، لا سيما في قطاعي النفط والغاز؛ بينما تعزز رنا قدراتنا في مجالات التنظيم والرقابة والمنافسة والامتثال.
أرغب في تقديم مجالات عمل جديدة، لا سيما الصفقات العابرة للحدود، من خلال الاستعانة بخبراتي في النظم القانونية بمنطقة الخليج والشرق الأوسط. فلم يعد العملاء يرغبون في التعامل مع صفقات فردية بمعزل عن غيرها، بل يأتون بقضايا معقدة تتطلب الإلمام بثلاثة أو أربعة فروع قانونية في آن واحد.
إنتربرايز: شهدنا الكثير من الاستثمارات في البنية التحتية خلال السنوات الماضية، إلى جانب نشاط تشريعي ملحوظ مؤخرا، مثل قانون حماية المنافسة الجديد، والتعديلات على قانون الشركات التي يناقشها مجلس الشيوخ، وقرارات هيئة الرقابة المالية لإعادة تنظيم القطاع المالي غير المصرفي. ما قراءتك للوضع الحالي للإصلاح التشريعي؟
بهاء الدين: البنية التحتية المادية، كالطرق والكباري، تسعى دائما لتحقيق أهداف واضحة تتمثل في خفض التكاليف، وزيادة الكفاءة، وتعزيز التنافسية. ويحتاج الإصلاح التشريعي إلى الوضوح ذاته؛ إذ ينبغي أن يحقق العدالة (من خلال تصحيح الاختلالات التي تضر بفئة على حساب فئة أخرى)، والكفاءة الاقتصادية (لتمكين المستثمرين من التحرك سريعا دون تأخيرات بيروقراطية)، والرؤية المستقبلية هي الأمر الذي أتمنى أن يحظى باهتمام أكبر.
بصفتي مستثمرا، يمكنني التعايش مع التأخير إذا كنت أعلم بحدوثه مسبقا، ويمكنني استيعاب التكاليف المرتفعة ضمن هوامش الأرباح. لكن ما لا يمكنني التخطيط له أو التعامل معه هو أن يخبرني المحامي بأن الإجراء قد يستغرق من شهر إلى عامين، أو قد يكلفني ما بين 100 جنيه إلى 10 آلاف جنيه. فالإصلاح التشريعي لا يتعلق بتقديم قوانين جديدة تماما أو اختصار الإجراءات؛ بل تعزيز قدرة المستثمر على التوقع والتخطيط للمستقبل.
القوانين نفسها أشبه بجبل جليدي، يطفو جزء صغير منه على السطح، بينما يختفي الجزء الأكبر تحت الماء. وتعد التحسينات الإجرائية، مثل خفض الرسوم ونظام الشباك الواحد وتقليص الإجراءات الجمركية، مهمة بلا شك، لكنها مجرد السطح الظاهر للعملية.
ولذا فإن الإصلاح الحقيقي يعني الغوص تحت السطح، والوصول إلى القوانين الأساسية العميقة. إذ إن قانون الشركات لا يتعلق بعدد المستندات التي يجب تقديمها عند التأسيس؛ بل هو الإطار القانوني الذي ينظم كيفية عمل الشركات من الأساس. ويندرج قانون البنوك لعام 2020 وقانون التأمين لعام 2022 تحت الفئة ذاتها، فهما لم يكتفيا بتعديل المنظومة، بل أعادا بناءها من جذورها، وهو أمر ربما يحدث في مصر مرة كل 30 أو 40 عاما.
تكتسب مراجعة قانون الشركات المعروضة حاليا على مجلس الشيوخ أهميتها للسبب ذاته؛ لأنه لم يتغير منذ عام 1981، والقانون الذي سبقه كان صادرا في عام 1954. أي أن التغيير يحدث كل 30 أو 50 عاما. هذه هي الأمور التي تؤثر فعليا في النشاط الاقتصادي. وأتمنى أن أرى مزيدا من العمل الموجه نحو القوانين الأساسية، وليس فقط الإصلاحات الإجرائية.
بهاء الدين: أعتقد أن الحرب ستنتهي قريبا بمفهومها الأبسط، أي توقف القتال الفعلي. لكن القلق لا يقتصر على مصر وحدها، بل هو قلق عالمي، ونحن نتحدث عن نهاية الحرب وكأننا سنعود ببساطة إلى ما كنا عليه قبل شهرين من اندلاعها.
ستمتد تداعيات هذه الحرب لسنوات. لنضرب مثلا بأزمة مضيق هرمز. فحتى لو أعيد فتح المضيق غدا، فإن حركة الشحن ستستغرق ما بين أربعة إلى خمسة أسابيع لتعود إلى تدفقها الطبيعي. وتشير التقديرات المتحفظة إلى أن المنشآت النفطية المتضررة تحتاج إلى أربع أو خمس سنوات للتعافي. فالاضطراب لا يقتصر فقط على إغلاق مسار ملاحي، بل إن البضائع التي كان من المفترض أن تصدر، لا تُشحن من الأساس.
أما فيما يخص مصر، فأنا متفائل بطبعي. ودائما ما أصف البلاد بأنها سفينة ضخمة، ثقيلة، وبطيئة، وأقل عرضة للتأثر بالصدمات السريعة، لكنها أيضا بطيئة في تغيير مسارها. فنحن لا نقفز قفزات سريعة، ولا نهوى في انهيارات مفاجئة. وإذا قارنّا تأثير حرب غزة على قطاع السياحة في مصر بتأثيرها على الأردن أو لبنان، فسترى النمط ذاته مع الحرب الحالية مقارنة بالخليج، أو اليونان، أو العراق، أو الأردن. لست قلقا على البلاد. ولكن من أجل تحقيق إصلاح حقيقي، نحتاج إلى وتيرة أسرع بكثير من الجهود والقرارات والقوانين والسياسات مقارنة بما لدينا اليوم.