Posted inاقتصاد

مصر تستعد لتوديع بطاقة التموين والتحول إلى الدعم النقدي.. وهاجس التضخم يفرض نفسه

تستعد الحكومة للتحول من نظام الدعم العيني للسلع التموينية، المطبق منذ عقود في مصر، إلى الدعم النقدي بدءا من العام المالي المقبل، وفق ما أعلنه رئيس الوزراء مصطفى مدبولي خلال اجتماع مجلس الوزراء هذا الشهر. ومن شأن هذا التحول أن ينهي نظام صرف سكر وزيت التموين المدعم، ليحصل المواطنون بدلا من ذلك على دعم نقدي لشراء هذه السلع بأسعار السوق. وفي المقابل، سيستمر صرف الخبز وفق النظام القديم في الوقت الحالي، على أن يُدمج في المنظومة الجديدة لاحقا. ولطالما ضغطت المؤسسات الدولية المانحة لتطبيق هذا التحول بهدف توجيه الإنفاق الحكومي لمستحقيه بدقة.

أكد مدبولي أن الهدف من هذه الخطوة هو ضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، وليس تقليص المخصصات. وقال رئيس الوزراء: "الدولة لا تستهدف تقليل الدعم كرقم في الموازنة العامة للدولة"، مشددا على أن الغاية الأساسية هي إيصال الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجا.

خلفية الموضوع: تغطي منظومة الدعم التمويني نحو 68 مليون مواطن. وقد تسفر عملية المراجعة الجارية حاليا عن استبعاد ما بين 10إلى 12 مليون مستفيد، مع إتاحة التظلمات للمستبعدين، وفق ما نقلته الصحافة العربية عن مصادر لم تسمها. وسيجري تقسيم المستفيدين إلى أربع شرائح، على أن تخرج الشريحة الأقل احتياجا من المنظومة تدريجيا. وقد تتراوح قيمة الدعم النقدي بين 300 و350 جنيها للفرد شهريا تُصرف عبر البطاقات الذكية بدلا من التحويلات المباشرة، وهو ما يعادل 1200 إلى 1400 جنيه للأسرة المكونة من أربعة أفراد. كما ستتوسع المنظومة لتشمل ما يصل إلى 30 سلعة، بما في ذلك اللحوم والدواجن.

لكن هذه الخطوة لم تكن الأولى التي تتخذها الدولة في هذا الاتجاه؛ فقد وافق مجلس النواب في يناير 2025 على اعتماد برنامج "تكافلوكرامة" لتوزيع الدعم النقدي المباشر للمواطنين تحت خط الفقر، إلى جانب كبار السن والأيتام والأرامل وذوي الاحتياجات الخاصة. وبحلول نهاية العام نفسه، اختيرت محافظة السويس لتكون أولى المحافظات التي يطبق فيها التحول الكامل إلى الدعم النقدي تجريبيا. بالإضافة إلى ذلك، طُرح خيار ربط قيمة الدعم بمعدلات التضخم في سبتمبر 2024. وتشير هذه التحركات، إذا وضعت في سياق واحد، إلى أن الدولة تمضي قدما نحو تحول تدريجي يجري التخطيط له منذ فترة، وأنه ليس قرارا مفاجئا.

مخاوف التضخم

لا تكمن مخاوف الاقتصاديين في الفكرة نفسها، بل في آلية التنفيذ. ففي تعليقها لإنتربرايز، قالت إسراء أحمد، محللة الاقتصاد الكلي في شركة ثاندر: "التحدي الأكبر لا يتعلق بفكرة الدعم النقدي في حد ذاتها، بل بآلية التطبيق". وأضافت: "فلسفة الدعم النقدي تقوم على تقديم أموال بدلا من دعم السلع، على أن تُباع هذه السلع بأسعار السوق. والسؤال هنا هو: كيف ستصل الحكومة إلى تسعير السوق؟ هل هذا سيحدث خلال عام واحد أم على مدى عدة سنوات؟ وهل سيكون التحول تدريجيا أم سريعا؟".

يتركز القلق الأكبر حول التضخم. إذ أضافت إسراء: "في رأيي، لا تتعلق المخاوف الرئيسية بأثر الدعم النقدي على التضخم، بل بأثر التضخم على الدعم النقدي نفسه، ومدى قدرة الدولة على مواكبة الارتفاع المستمر في الأسعار، من خلال زيادات مماثلة في مخصصات الدعم النقدي، بما يحافظ على القوة الشرائية للمستفيدين بمرور الوقت".

كذلك يسلط المحلل المالي مصطفى عادل الضوء على المخاطر ذاتها، ولكن من زاوية أخرى. إذ يقول في حديثه مع إنتربرايز: "التحدي الأكبر الذي يواجه الدعم النقدي هو أن قيمته ثابتة وتتحرك ببطء. وفي فترات التضخم المرتفع، تتراجع القوة الشرائية للدعم النقدي سريعا، بينما يضمن الدعم العيني الحصول على السلع بغض النظر عن تقلبات الأسعار". ويشير عادل إلى أن المنظومة الجديدة ستحتاج إلى آلية تربط الدعم بمؤشر التضخم تلقائيا لضمان نجاحها.

ويتفق أحمد شوقي، الخبير المصرفي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، مع هذا الرأي مؤكدا أن النجاح يرتكز على وجود قواعد بيانات دقيقة، ومعايير استحقاق شفافة، ومراجعات دورية، بالإضافة إلى "ربط مستويات الدعم بمعدلات التضخم والتغيرات في تكاليف المعيشة لمنع تآكل القوة الشرائية لمخصصات المستفيدين بمرور الوقت".

كفاءة المنظومة

رغم هذه التحديات، تنطوي المنظومة الجديدة على عدة مزايا. إذ يرى شوقي أنها "قد تسهم في تحسين كفاءة توجيه الدعم للفئات الأكثر احتياجا، والحد من تسرب الدعم لغير المستحقين، وتعزيز العدالة الاجتماعية عبر ربط قيمة الدعم بمستويات الاحتياج الفعلية، فضلا عن منح الأسر مرونة أكبر لتوزيع إنفاقها وفقا لأولوياتها الخاصة".

يضيف شوقي: "هنا تكمن أهمية نظام الشرائح؛ إذ يسمح بتوجيه الحصة الأكبر من الموارد نحو الفئات الأكثر احتياجا، مع خلق إطار عمل أكثر مرونة يمكنه التكيف مع الظروف الاقتصادية والاجتماعية المتغيرة". وفي هذا السياق، أكد مدبولي أن الحكومة تعكف حاليا على تصميم آليات تضمن استجابة المنظومة للمتغيرات الاقتصادية المتسارعة.

فضلا عن أن التطبيق الصحيح للنظام الجديد يمنح الحكومة مساحة مالية أكبر. يقول شوقي: "هذا بدوره سيمنح الحكومة مرونة أكبر لتوجيه الموارد نحو الاستثمار في قطاعات التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية". كما يضيف عادل ميزة أخرى؛ إذ يقول: "الأموال التي تصل إلى المستفيدين تُنفق مباشرة في الأسواق المحلية، مما يخلق دورة اقتصادية تدعم التجارة الداخلية، بدلا من قصر الإنفاق على السلع المدعومة وحدها".

تحول تدريجي

تتوقع إسراء أحمد أن يكون التحول تدريجيا، وليس مفاجئا. وتقول: "لا يبدو من الوارد، سياسيا أو اجتماعيا، تطبيق زيادات كبيرة ومفاجئة في أسعار السلع المدعومة خلال مدة وجيزة. وهذا في حد ذاته يشير إلى أن الحكومة لا تتجه نحو إلغاء فوري للدعم العيني، بل نحو عملية انتقال متعددة المراحل".

نترقب المزيد: أوضح مدبولي أن هناك مشاورات تجري حاليا بين الوزارات المعنية تمهيدا لعقد مؤتمر سيُعلن خلاله عن التصميم النهائي والجداول الزمنية لتطبيق المنظومة الجديدة. ويشير شوقي إلى أن نجاح المنظومة لن يُقاس بحجم الوفر المالي الذي تحققه، بل "بمدى قدرتها على تحسين مستويات معيشة الفئات المستهدفة، مع تعزيز العدالة الاجتماعية والحماية الاقتصادية للمواطنين".

العلامات: