💼 المرونة والتكيف كآلية نجاة عملية: قد يسمع المرء أحيانا بموظف البنك الذي ترقى في عمله ليتولى منصبا تنفيذيا هاما، ثم قرر فجأة الانتقال إلى عالم الشركات الناشئة في دور متوسط. هذا الموظف لا ينقصه طموح أو ادراك للواقع، بل يطبق ما يعرف ببساطة بالمسار المهني المتعرج أو الزجزاج.
ما معنى ذلك؟ يحمل المسار المهني المتعرج نفس المعنى الذي يوحي به اسمه، إذ يتمثل في الانتقال عبر أدوار أو قطاعات أو مهارات مختلفة بمرور الوقت، بدلا من اتباع مسار خطي مستقيم داخل مجال واحد، فقد يبدأ المرء كمهندس ثم ينتقل ليصبح كاتبا ثم خبيرا استراتيجيا وهكذا، في تنوع قد يبدو عشوائيا للمراقب من الخارج، لكنه يبني ميزة قوية للغاية وهي الشمولية وتنوع القدرات، تزداد قيمتها يوما بعد يوم في عالم يهيمن عليه الذكاء الاصطناعي.
ما أهمية ذلك بالنسبة للموظفين؟ في فترات الاقتصاد المستقر، كان الثبات في مهنة واحدة والترقي فيها قرارا منطقيا، ولكن مع سرعة تغير المهارات وندرة الوظائف المخصصة للمبتدئين، وكذلك تبني العديد من الشركات سياسات إعادة الهيكلة بوتيرة أعنف من ذي قبل، أصبح السير على خط واحد بمثابة مخاطرة يتحملها الموظف نفسه.
أيضا — تشهد سوق العمل حاليا ظاهرة تختفي فيها أدوار الإدارة الوسطى بشكل ملحوظ، ما يجعل السلم الوظيفي كمفهوم في حد ذاته غير مستقر، لذا يلجأ الموظفون إلى العمل على أكثر من جبهة، لأن تنويع المهارات والتنقل من مكان لآخر، أضحى ضمانة للاستقرار النفسي أكثر من الاستقرار في مكان واحد فعليا.
نظرة على الواقع المحلي
هذا النهج يتبعه المصريون منذ فترة حتى قبل أن ندرك مسماه العملي، فكثير من خريجي كليات ذات تخصصات عملية قد يلجأون إلى العمل في مجال بعيد كل البعد عن موضوع دراستهم، كما أن هناك عدد من خريجي الكليات النظرية قد يتجهون إلى العمل في مجال التعهيد وخدمات الكول سنتر، قبل أن ينتقلوا من خلالها إلى العمل في الدعم التقني أو تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي أو إدارة نجاح العملاء، ما يخلق مسارا متعرجا يبدأ من قطاع خدمي وينتهي في صميم قطاع التكنولوجيا.
الشركات الناشئة تحتضن المواهب: كما أن مشهد ريادة الأعمال والشركات الناشئة في مصر قد أصبح مغريا للغاية، فمع وجود أكثر من 2000 شركة ناشئة حتى يناير الماضي بحسب بيانات ستاتيستا، ازدادت نسبة انتقال الموظفين من الوظائف التقليدية المستقرة، إلى شركات التكنولوجيا المالية والتعليمية والصحية الناشئة.
هروب اضطراري؟ رغم رغبة بعض الأفراد في تغيير الكارير لدوافع شخصية بحتة، يبدو مثل هذا النهج بمثابة الطريق الإجباري للغالبية العظمى، والتي تصطدم بواقع سوق العمل سواء المشبع بخريجي هذا التخصص أو الذي لا يكافئ أصلا خريجي ذاك التخصص. وبصرف النظر عن الدوافع، يمنح هذا التحول الإجباري ميزة لهؤلاء الخريجين، الذي يمتلكون الخبرة الأكاديمية ومهاراتها في مجال ما، وكذلك المهارات الوظيفية في مجال آخر، ما يوسع من نطاق ما يمكنهم فعله.
الشركات التي فقدت ذاكرتها
من لا يتكيف، يخسر: لا تخسر الشركات فقط عندما تقرر كل عام تغيير هيكلها أو القضاء على وظائف وسيطة أو تسريح العمالة فحسب، بل تتكبد خسارة مواهبها لصالح مؤسسات أكثر مرونة، عندما تقرر تبني استراتيجيات مجحفة تمنح مساحات قليلة للنمو، إذ يعاني أصحاب تلك الشركات من زيادة معدلات استقالة العمال، وما يرافقها من نفقات ضخمة لتوظيف وتدريب مواهب جديدة.
انخفاض الإنتاجية يبدو كنتيجة حتمية للكارير المتعرج بالنسبة للشركات، إذ يستغرق الموظفين الجدد من خارج المؤسسة وقتا أطول قد يصل إلى عامين للوصول إلى نفس معدلات الأداء والإنتاجية مقارنة بالموظفين الذين يمتلكون بالفعل المعرفة والذاكرة المؤسسية، كما أنهم يكلفون الشركة رواتب أعلى بنسبة 18% في المتوسط مقارنة بالترقيات الداخلية، حسبما تشير دراسة أجريت في جامعة بنسلفانيا. يزيد كل ذلك من تكلفة استبدال الموظفين، كما تفقد الشركة ما يسمى بالذاكرة المؤسسية، إذ تتخلى عن الكوادر المبتكرة التي تضطر للبحث عن فرص للنمو المهني المتعرج خارج جدرانها.
الحل؟
إعادة تعريف مفهوم الترقي الوظيفي: يتعين على الشركات التخلي عن الفكرة التقليدية التي تربط التطور المهني بالترقيات الإدارية الصارمة، فبحسب استطلاع أجرته مؤسسة جارتنر، يضع 65% من الموظفين حاليا أهدافا مثل المرونة والنمو الشخصي والشعور بقيمة العمل في مرتبة أعلى من الترقي المعتاد. ولذلك، من الضروري تصميم مسارات موازية تتيح للكوادر التقنية والمهنية التطور وزيادة الدخل، دون إجبارهم على تولي مناصب قيادية قد لا تلائم طموحاتهم الحقيقية.
دعم مسارات التنقل الداخلية: بدلا من خسارة الكفاءات لصالح المنافسين، يمكن للمؤسسات استيعاب رغبة موظفيها في التغيير عبر تسهيل التنقلات الأفقية، وذلك عبر تقديم برامج التدوير الوظيفي، وإشراك الموظفين في مشاريع قصيرة الأجل خارج نطاق تخصصهم، ما يساهم في بناء قوى عاملة مرنة ومتعددة المهارات قادرة على سد الفجوات في أوقات الأزمات، حسبما يؤكد خبراء الموارد البشرية.
اعتماد الوظائف المرنة: يعتمد هذا النهج على منح الموظفين مساحة لإعادة تشكيل مهامهم اليومية لتتماشى مع اهتماماتهم المتغيرة ونقاط قوتهم، وهو ما يوفر مساحة للمرونة تقلل بدورها من معدلات استقالة العمالة، وتتيح للموظفين فرصة استكشاف مسارات متعرجة داخل الشركة ذاتها دون الحاجة إلى الاستقالة للبحث عن بيئة تلبي شغفهم الجديد.
التعلم المستمر: ينبغي على الشركات الاستثمار في صقل مهارات موظفيها وتطويرها، فتلك التي توفر برامج تدريبية وميزانيات للتطوير تتجاوز متطلبات الوظيفة الحالية لتشمل مهارات المستقبل، تضمن بقاء موظفيها كأصول استراتيجية طويلة المدى، سواء استقروا في مراكزهم أم اختاروا الانعطاف مهنيا نحو قطاعات أخرى داخل المنظومة.