📚 رحلة السعي نحو الخلاص الذاتي: في روايته الأولى كل المعارك، لا يقدم الكاتب الأردني معن أبو طالب وثيقة أدبية مجردة عن رياضة الملاكمة التي ظلت عصية على التناول في السرد العربي، إنما يتخذ من الحلبة نقطة انطلاق لتقديم قراءة نقدية حادة لأسئلة الهوية والامتياز الاجتماعي والتمزق الوجودي للإنسان المعاصر. تكسرالرواية النمط للسرديات العربية المعاصرة المستغرقة في البكائيات أو السياسة المباشرة، لتعيد الاعتبار لقصة الفرد في مواجهته العارية مع ذاته وأحلامه في مقابل واقعه وجغرافيته.
الحبكة: سائد حبجوقة، هو شاب ثلاثيني منحدر من أصول شركسية يعيش في عمان بالأردن، يبدو عليه النجاح في تحقيق كل ما يفترض أن يسعى إليه أبناء طبقته الاجتماعية، إذ يتمتع بحياة مستقرة ومستقبل مهني واعد وسط شبكة من العلاقات الاجتماعية تمنحه أمانا وضمانا لتسلق السلم الوظيفي المريح. إلا أن هذه الحياة المنظمة تبدأ في التصدع عندما يكتشف عالم الملاكمة، ليتطور تدريجيا ما بدأ كفضول عابر إلى شغف حقيقي يدفعه للالتحاق بناد متواضع في أحد الأحياء الشرقية للمدينة فيجد نفسه أمام عالم مختلف تماما عن الذي اعتاد العيش فيه، ممزقا بين عالمين وصورتين مختلفتين للحياة داخل الحلبة وخارجها.
ما أعجبنا: تتمثل نقطة قوة الرواية في توظيف الملاكمة كأداة لفهم الإنسان وتحليله، كما تطرح تساؤلات هامة: ماذا لو اكتشف المرء موهبته وشغفه الحقيقي بعد سنوات من بناء حياة في اتجاه معاكس، هل تملك الشجاعة لإعادة النظر في تلك الاختيارات والبدء من جديد، أم يتمسك بما يعرفه خوفا من الخسارة؟ لا يقدم أبو طالب إجابات جاهزة، بل يبتعد عن صورة البطل الخارق أو الصورة الرومانسية المعتادة لأبطال الرياضات القتالية، ليقدم شخصية إنسانية عادية مليئة بالخوف والتردد والشكوك والأخطاء.
المدينة بطل وشخصية فاعلة: يستفيد الكاتب بذكاء من الانقسام الاجتماعي والجغرافي المعروف بين شرق عمان وغربها، ليس بوصفه قضية سياسية مباشرة أو بيان أيديولوجي، بل باعتباره جزءا من التجربة واليوميات الحية للشخصيات، بين أحياء الطبقة البرجوازية والوسطى العليا التي يعمل ويتحرك فيها البطل في عالم الدعاية، وصالات التدريب الشعبية المكتظة. رسم أبو طالب صورة دقيقة للفوارق الاجتماعية والاقتصادية التي تشكل ملامح الأفراد وتحدد فرصهم وتوقعاتهم في الحياة. كما اعتمد على لغة مباشرة دون استعراض أدبي أو تكلف في الأوصاف، وقد منحت المصطلحات الدارجة قدرا كبيرا من الصدق والحميمية.
رأينا النهائي: لعل القوة الحقيقية لكل المعارك تكمن في ابتعادها عن مفاهيم الفوز والخسارة بالمعنى التقليدي، بل هي أقرب إلى المعارك اليومية التي يخوضها كل إنسان مع نفسه. تقدم الرواية قراءة عميقة للبحث عن الخلاص الذاتي في اللحظة التي يكتشف فيها المرء أن الطريق الذي يسير فيه ليس بالضرورة خياره الوحيد، ولهذا السبب تحديدا قد تبدو معارك البطل مألوفة حتى بالنسبة لأولئك الذين لم يرتدوا قفازات الملاكمة يوما في حياتهم. ورغم تعثر الخاتمة، تظل الرواية عملا متميزا يؤسس لمشهد روائي جديد ومختلف.
أين تقرأونه: يمكن شراء النسخة الرقمية عبر تطبيق أبجد. كما تتوفر النسخة الإنجليزية في مكتبة الجامعة الأمريكية.