🌪️ احذروا جميعا.. النينيو عائدة بقوة: في وقت سابق من يونيو الجاري، أصدرت المنظمة العالمية للأرصادالجوية والإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي تحذيرات شديدة من تزايد احتمالات عودة ظاهرة النينيو هذا الصيف، مع توقعات بحدوثها بنسبة 82%، وتطورها إلى ظاهرة سوبر نينيو النادرة بنسبة 35%، ما قد ينتج عنه اضطراب سلاسل الغذاء والسلع الأساسية العالمية، ما يستدعي مراقبة الوضع عن كثب خلال الأشهر المقبلة.
ما هي ظاهرة النينيو؟ ولماذا يجب الاهتمام بها؟
تعد ظاهرة التذبذب الجنوبي أو النينيو أكثر الدورات المناخية الطبيعية تأثيرا على الطقس والمناخ حول العالم، إذ يمكن تشبيهها بأرجوحة مناخية تتأرجح بين مرحلتين متعاكستين، تتكرر كل عامين إلى سبعة أعوام تقريبا. تمثل النينيا الجانب البارد في هذه الدورة المناخية، وتنشأ نتيجة هبوب رياح تجارية شرقية قوية تدفع المياه الدافئة عبر المحيط الهادئ نحو آسيا، ما يسمح بتدفق المياه الباردة من الأعماق قبالة سواحل أمريكا الجنوبية.
في المقابل، تمثل النينيو الجانب الساخن في هذه الدورة المناخية، وهي المسؤولة عن التحول المناخي الحالي الذي نشهده، إذ تبدأ عادة عندما تضعف الرياح التجارية، ما يؤدي إلى تحرك كميات هائلة من المياه الدافئة شرقا عبر المحيط الهادئ باتجاه سواحل الأمريكتين. يعيد هذا التحول تشكيل أنماط الطقس في وسط المحيط الهادئ من خلال التأثير على التيار النفاث، وهو حزام من الرياح القوية تهب في طبقات الجو العليا، ما ينعكس على ارتفاع درجات الحرارة مؤقتا في جميع أنحاء العالم.
خطر مضاعف
ما الذي يجعل النينيو ظاهرة فائقة؟ تحدث ظاهرة النينيو التقليدية عندما ترتفع درجات حرارة سطح البحر في وسط المحيط الهادئ بنحو نصف درجة مئوية فوق معدلاتها التاريخية. أما السوبر نينيو فتحدث عندما ترتفع بمعدل درجتين مئويتين أو أكثر. وقد ارتفعت بالفعل درجات حرارة المياه تحت السطحية — على أعماق تتراوح بين 50 و150 مترا — بما يصل إلى 6 درجات مئوية فوق المستويات المعتادة، حسبما أشار معهد البحوث الدولي للمناخ والمجتمع في مايو الماضي.
إنها تقترب علينا: في الوقت نفسه، تتوقع نماذج مناخية رائدة مثل النموذج الأوروبي وتنبؤات إدارة المحيطات والغلاف الجوي، أن تتجاوز ذروة الارتفاع حاجز الدرجتين المئويتين المطلوبة لتصنيف الظاهرة على أنها فائقة بحلول نهاية العام.
رغم أن الظاهرة تنشأ في المحيط الهادئ، فإن آثارها لا تقتصر على المناطق القريبة منه، إذ تعد ظاهرة السوبر نينيو في جوهرها صدمة هيكلية للاقتصاد العالمي، فتغير معدلات هطول الأمطار عالميا ينتج عنه اضطرابات مناخية واسعة النطاق، تشمل الجفاف وحرائق الغابات في بعض المناطق، والفيضانات في مناطق أخرى. ويتمثل مصدر القلق الأكبر في تأثيراتها المحتملة على إنتاج المحاصيل الزراعية، ومصايد الأسماك وتوليد الطاقة، في وقت يواجه فيه العالم بالفعل ضغوطا حادة في قطاع الطاقة.
ماذا تخبرنا التجارب السابقة؟ شهدت الأسواق العالمية آثارا ملموسة خلال موجات السوبر نينيو السابقة. ففي عام 2023، وهو آخر عام شهد تطور هذه الظاهرة الفائقة، تعرضت أسواق المنتجات الزراعية إلى اضطرابات حادة، كما تسببت عام 2015 في حدوث أطول موجة تبيضللشعابالمرجانية في التاريخ المسجل.
تأثيرات محتملة على أم الدنيا
تفرض ظاهرة النينيو مخاطر محتملة على الموارد المائية والاستقرار المالي والبنية التحتية لقطاع الطاقة في مصر. تاريخيا، ترتبط الظاهرة باضطراب معدلات هطول الأمطار الموسمية فوق الهضبة الإثيوبية والتي تمد مصر بأكثر من 80% من مياهها العذبة، ما قد يؤثر على حجم تدفقات مياه نهر النيل. وبصفتها أكبر مستورد للقمح في العالم، تواجه الدولة أيضا انكشافا كبيرا على أي اضطرابات تشهدها أسواق الزراعة العالمية، وإذا أدت ظاهرة السوبر نينيو إلى تراجع إنتاج الحبوب في مناطق التصدير الرئيسية مثل أستراليا أو الأمريكتين، فقد تواجه الموازنة العامة ضغوطا إضافية نتيجة ارتفاع أسعار السلع الأساسية عالميا، بالتزامن مع ارتفاع تكلفة الواردات.
لا تتوقف التداعيات المحتملة عند هذا الحد، إذ قد تؤدي الظاهرة أيضا إلى تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري العالمي، ما يعني زيادة درجات الحرارة، وهو ما يدفع نحو زيادة استهلاك أجهزة تكييف الهواء، مما يضيف ضغوطا على إمدادات الغاز الطبيعي وشبكة الكهرباء في مصر التي تواجه بالفعل تداعيات الاضطرابات الإقليمية لتغطية هذا الفائض.
الخلاصة: تحمل دورة المناخ المقبلة تحديات تتجاوز ما قد يوحي به اسمها، إذ تضع سوبر نينيو الحكومات والفئات الأكثر ضعفا حول العالم أمام معضلة معقدة في إدارة المخاطر. كما يتحتم على صناع السياسات والشركات في مصر تبني خطط استباقية تشمل سلاسل التوريد الزراعية واحتياطيات الطاقة وإدارة الموارد المائية لحماية الاقتصاد المحلي — وهو ما بدأت ملامحه تظهر بالفعل في توجهات صناع السياسات — من هذه الصدمة المناخية القادمة من المحيط الهادئ.