Posted inبعد الخامسة

الموضة كأداة لاستعادة السردية المفقودة: حوار مع المصممة والباحثة المصرية ندى قريش

👗 لسنوات طويلة شكلت الجماليات الأفريقية في الملبس والمظهر إلهاما للكثيرين حول العالم، فكانت بمثابة مادة خام لدور الأزياء الأوروبية الفاخرة، وموضوعا لدراسات أكاديمية أجراها بالكامل باحثون أوروبيون وأمريكيون، ولكن متى يستعيد أصحاب الهوية سرديتهم؟

حاورت إنتربرايز مصر ندى قريش، المصممة المصرية والأكاديمية التي تعيش حاليا في المملكة المتحدة، والتي حدثتنا عن أحدث كتاباتها تلاقي الثقافات: أزياء شمال أفريقيا الصادر في أكتوبر 2025، والذي يركز لأول مرة على مصممي الأزياء المعاصرين والمؤثرين في شمال أفريقيا، وتحديدا المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر.

تناقضات

بعد سنوات قضتها في هذا العالم، اكتشفت قريش الوجه الآخر لعالم صناعة الأزياء، والتي لم تخلو من التمييز. "كنت بمثابة الشخصية الأجنبية المميزة هناك"، هكذا وصفت قريش وظيفة في بداية مسيرتها المهنية، والتي كانت تتطلب منها التعامل مع المصانع والموردين في دول مثل مصر وبنجلاديش والهند وفقا لرغبة مديرها الأمريكي السابق، "كنت شابة حينها وظننت أن مديري يثق بي كثيرا ليس إلا، لكن سرعان ما أدركت أنهم أرادوا فقط أن أتعامل أنا بالتحديد مع ذوي البشرة السمراء المختلفين ليعفوا أنفسهم من هذه المهمة".

الحقيقة المرة: عملت قريش كذلك مع متجر هارودز لتقديم المشورة بشأن التنوع في كيفية عرض العلامات التجارية، ما كشف لها أن معظم جهود الشركات في مجال التنوع والمساواة والشمول هي في الغالب مجرد إجراءات شكلية لاستيفاء المتطلبات التنظيمية ليس إلا.

تزداد وطأة تلك التناقضات ببساطة لأن قريش تتمتع بخبرة واسعة في المجال، فقد تدربت في معهد الأزياء للتكنولوجيا في نيويورك، وأصبحت أصغر مصممة أزياء رجالية في ناشيونال جيوجرافيك حيث صممت ملابس رحلات السير ديفيد أتينبارا، ثم عملت في قسم الأزياء الرجالية لدى رالف لورين، وغيرها من العلامات التجارية العالمية مثل كويك سيلفر وفانز، قبل أن تنتقل إلى مجال التنبؤ باتجاهات الموضة وتستقر في النهاية في المملكة المتحدة، حيث تحاضر حاليا في جامعة كارديف متروبوليتان في ويلز.

إعادة كتابة السردية

تواجدت قريش في القاهرة هذا الأسبوع لتحتفل بإطلاق كتابها في مصر، والذي شاركها في تحريره سارة هيوم، أمينة متحف جامعةكنت ستيت. استضافت مكتبات ديوان حفل الإطلاق في مساحة قنصلية بوسط البلد في القاهرة، وشهد الحفل مشاركة قريش، ممثلة عن مؤسستها التجمع التحرري، في حلقة نقاشية مع المصممين المصريين المشاركين في المشروع مثل بولجا وألماولا بوجا وسكوت.

تتخذ العديد من تلك العلامات مقرات لها على بعد خطوات في قلب وسط البلد، إذ تستأجر بولجا وألما ولا بوجا وسكوت مساحات في مركز النبراوي للأزياء، وهو مبنى تجاري تاريخي كان جزءا من منطقة المنسوجات والتجزئة في وسط البلد، قبل أن تستحوذ عليه شركة الإسماعيلية للاستثمار العقاري عام 2018، وتجدده ليصبح وجهة للعلامات التجارية المصرية المستقلة.

من معرض إلى كتاب: يعد الكتاب دليلا لمعرض أقيم في متحف جامعة كنت ستيت في ولاية أوهايو خلال الفترة من سبتمبر 2025 حتى مايو الماضي. "إنه أول معرض على نطاق واسع يخصص للأزياء المعاصرة في شمال أفريقيا"، بحسب قريش. استغرق إعداد المعرض والكتاب سنوات عدة، فقد تأجل المعرض ثلاث مرات بسبب الظروف السياسية المحيطة بقطاع غزة، بحسب قريش التي أضافت أن ولاية أوهايو المحافظة قد لا تكون أفضل مساحة لاحتضان مثل هذه المشاريع، لكن جامعة كنت ستيت تضم واحدا من أكبر أرشيفات الأزياء في الولايات المتحدة فكانت هي الاختيار الأنسب.

يحمل عنوان الكتاب دلالات مقصودة، فكلمة Fashioning، والتي تعني تصميم الأزياء بصيغة مستمرة ومضارعة، تعبر عن فعل ونشاط إنساني إيجابي. "تنتزع ثقافتنا، وخاصة في شمال أفريقيا، من سياقها وتستخدم بعشوائية"، بحسب قريش، التي تشير إلى مصممين مشهورين قد يعتمدون على "الهوس بالحضارة المصرية والاستشراق دون أي أساس معرفي"، وهو ما تعتبره استيلاء ثقافيا.

مشكلة غياب المرجعية

"لدينا مواهب فذة وحرفا يدوية، لكننا نفتقر إلى مرجعية يمكن العودة إليها أو قاعدة معرفية موثقة"، وفقا لما قالته، مشيرة إلى أن المصادر التي تتناول الأزياء المصرية، باستثناء عزة فهمي وعدد قليل من الأسماء الأخرى، تعود جميعها إلى باحثين أوروبيين أو أمريكيين، ولا يوجد بينها مصادر محلية.

هذا هو الهدف من كتابها، إذ ترغب قريش في أن تتحول مؤسستها التجمع التحرري التي أقامتها قبل 6 سنوات، إلى وكالة كبرى تتولى بناء منظومة الأزياء والفنون المتعددة التخصصات والقاعدة المعرفية في مصر وخارجها، مع التركيز على تتبع أصول الأشياء ونسب الفضل لأصحابه.

أصبح كتاب قريش حاليا ضمن مقتنيات العديد من مكتبات المتاحف، مثل متحف فيكتوريا وألبرت الإنجليزي. "لقد تجاوزت مرحلة تصميم الأزياء الخاصة بي، إذ أتبنى مهمة أكبر وأهم، أرغب من خلالها في إشعال شرارة التغيير ونقلها من مكان لآخر"، حسبما وصفت قريش في ختام حديثها.