تتجلى تحديات قطاع الطاقة في مصر بأوضح صورة في فجوة يتزايد اتساعها بين تراجع الإنتاج ونمو الطلب. لكن الحكومة تتخذ خطوات حقيقية في الوقت الراهن من أجل استقرار القطاع؛ إذ تواصل وزارة البترول الوفاء بالتزاماتها تجاه شركات النفط العالمية، حتى أنها أعلنت في الأسبوع الماضي اعتزامها سداد هذه المتأخرات بالكامل بحلول 10 يونيو المقبل، مما يعني أنها تسبق موعدها المبدئي الذي حددته في نهاية يونيو. فقد انخفضت هذه المستحقات بالفعل إلى 440 مليون دولار في مايو الجاري من 714 مليون دولار في نهاية أبريل الماضي، وبتراجع كبير من ذروتها البالغة 6.1 مليار دولار في 30 يونيو 2024.
بالأرقام: استوردت البلاد نحو 6 مليارات متر مكعب (نحو 2.35 مليار قدم مكعبة يوميا) من الغاز الطبيعي في الربع الأول من عام 2026، بزيادة بنسبة 36% على أساس سنوي، وفقا لأحدث البيانات (بي دي إف) الصادرة عن مبادرة البيانات المشتركة للمنظمات (جودي). بلغ الإنتاج المحلي في نفس الفترة 9.85 مليار متر مكعب (نحو 3.87 مليار قدم مكعبة يوميا)، ليشكل، جنبا إلى جنب مع هذه الواردات، 38% من إجمالي الإمدادات المتاحة من الغاز، مما يعكس الاعتماد المتزايد على الشحنات الخارجية لإحداث توازن في السوق المحلية.
تظهر البيانات أيضا تحولا جذريا في مزيج الواردات، الذي مال بقوة نحو الغاز الطبيعي المسال خلال هذا الربع. فقد زادت تدفقات الغاز المسال بأكثر من ضعفين، لتقفز بنسبة 131% على أساس سنوي إلى 4.3 مليار متر مكعب (نحو 1.7 مليار قدم مكعبة يوميا). وفي المقابل، انخفضت واردات الغاز عبر خطوط الأنابيب بنسبة 34% على أساس سنوي لتسجل 1.7 مليار متر مكعب (نحو 670 مليون قدم مكعبة يوميا).
المشهد الكلي
تأثرت إمدادات الغاز في البلاد تأثرا ملحوظا بسبب تراجع الإنتاج المحلي بنحو 30% بين عامي 2023 و2025. وانخفض إنتاج الغاز محليا من 15.55 مليار متر مكعب في الربع الأول من عام 2023 إلى 13.43 مليار متر مكعب في الربع الأول من 2024، ثم إلى 10.68 مليار متر مكعب في الربع الأول من 2025، وصولا إلى 9.85 مليار متر مكعب في الربع الأول من عام 2026. وخلال هذه الفترات ربع السنوية الأربعة المتتالية، تراجع الإنتاج بنسبة ناهزت 37%، وهو ما يعادل معدل انخفاض سنوي مركب يبلغ نحو 14%.
تراجع الإنتاج السنوي من الغاز من نحو 59 مليار متر مكعب (نحو 5.7 مليار قدم مكعبة يوميا) في عام 2023 إلى 50 مليار متر مكعب (نحو 4.8 مليار قدم مكعبة يوميا) في 2024، ثم إلى 42 مليار متر مكعب (نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يوميا) في 2025. يعني هذا فقدان نحو 17 مليار متر مكعب (نحو 1.6 مليار قدم مكعبة يوميا) من الإنتاج السنوي في غضون عامين فقط. وانخفض إجمالي الإنتاج بنسبة 29% خلال تلك الفترة، بمتوسط تراجع سنوي قدره 15.4%.
ما سبب هذا التراجع؟ واجه قطاع الغاز مزيجا من التحديات التي شملت الانخفاض الطبيعي في إنتاجية الحقول، وتأخر الاستثمارات، وتباطؤ الأنشطة التنموية بعد سنوات من تراكم المتأخرات. إذ إن حقل ظهر، الذي يعد أكبر حقول الغاز في البلاد والذي يسهم بنحو 30% من إجمالي إنتاج الغاز الطبيعي، تراجع إنتاجه إلى نحو 1.2 مليار قدم مكعبة يوميا، مقارنة بالذروة التي سجلها في عام 2019 البالغة 3.2 مليار قدم مكعبة يوميا.
الاستيراد.. خيار مكلف
ارتفعت واردات الغاز تزامنا مع تراجع المعروض محليا. فعلى أساس فصلي، شهدت الواردات زيادة على مدار أربع فترات ربع سنوية متتالية؛ إذ ارتفعت من 2.2 مليار متر مكعب في الربع الأول من عام 2023 إلى 2.6 مليار متر مكعب في الربع الأول من 2024، ثم إلى 4.4 مليار متر مكعب في الربع الأول من 2025، وأخيرا إلى 6 مليارات متر مكعب في الربع الأول من عام 2026. وتمثل هذه الأرقام زيادة تراكمية بنسبة تقارب 172% بين الربع الأول من عام 2023 والربع الأول من عام 2026، وبمعدل نمو سنوي مركب قدره 39%.
كما زادت الواردات السنوية من نحو 8.5 مليار متر مكعب في عام 2023 (نحو 300 مليار قدم مكعبة) إلى 14.6 مليار متر مكعب في 2024 (نحو 516 مليار قدم مكعبة)، ثم إلى 22.2 مليار متر مكعب في 2025 (نحو 786 مليار قدم مكعبة). يعني هذا أن البلاد أضافت نحو 13.7 مليار متر مكعب (نحو 483 مليار قدم مكعبة) إلى وارداتها السنوية خلال تلك الفترة، لتحقق نتيجة لذلك زيادة تراكمية بنسبة 159% لتأمين الاحتياجات التشغيلية ومحطات الكهرباء، وبمعدل نمو سنوي مركب بلغ 61%.
تتكبد البلاد فاتورة باهظة لسد الفجوة؛ فقد شكلت واردات الغاز الطبيعي 45% من إجمالي فاتورة استيراد الوقود في الربع الأول، لتسجل إجمالا 2.5 مليار دولار بين شهري يناير ومارس. ومن المتوقع أن تقفز فاتورة استيراد الغاز الطبيعي بنسبة 26% على أساس سنوي لتصل إلى 10.7 مليار دولار في العام المالي المقبل، لتغطية شحنات الغاز المسال والغاز الوارد عبر خطوط الأنابيب على حد سواء.
خطوط الأنابيب ليست اعتمادية
ساعدت واردات الغاز عبر خطوط الأنابيب على امتصاص صدمة تراجع الإنتاج، إذ ارتفعت من نحو 8.6 مليار متر مكعب في عام 2023 (نحو 304 مليارات قدم مكعبة)، لتبلغ ذروتها في 2024 عندما بلغت 10.2 مليار متر مكعب (نحو 360 مليار قدم مكعبة). غير أن هذا الاتجاه الصعودي انعكسب في عام 2025، لتتراجع الواردات السنوية عبر الأنابيب إلى 9.2 مليار متر مكعب (نحو 325 مليار قدم مكعبة).
لا يزال الغاز الإسرائيلي يمثل مصدرا حيويا للإمدادات، بيد أن الاضطرابات الإقليمية المتكررة سلطت الضوء على مخاطر الاعتماد المفرط على مورد واحد لخطوط الأنابيب. وانخفضت الواردات عبر الأنابيب من نحو 2.6 مليار متر مكعب في الربع الأول من عام 2025 إلى 1.7 مليار متر مكعب في الربع الأول من 2026. بل إن هذا التراجع تسارع في مارس الماضي، عندما انخفضت التدفقات عبر الأنابيب بنسبة 78% على أساس شهري مع تصاعد التوترات الإقليمية. عوضت مصر هذه الفجوة عبر زيادة وارداتها من الغاز المسال بنسبة 29% على أساس شهري في مارس، لتصل إلى 1.67 مليار متر مكعب.
الغاز المسال يصبح المصدر البديل لتحقيق التوازن
سعت البلاد للحد من مخاطر نقص الإمدادات، ومن ثم اتجهت نحو سوق الغاز الطبيعي المسال، مستفيدة من وحدات التغويز وإعادة التسييل العائمة المتاحة لديها. ولم تستورد البلاد أي شحنات من الغاز المسال تقريبا في عام 2023، قبل أن تستقدم نحو 4.4 مليار متر مكعب في 2024 وأيضا نحو 13.1 مليار متر مكعب في 2025. استمر هذا التوجه خلال العام الجاري، إذ بلغت واردات الغاز المسال 4.3 مليار متر مكعب خلال الربع الأول من عام 2026، لتستحوذ على 72% من إجمالي واردات الغاز خلال هذا الربع.
توزيع الحصص: يمكن القول إن جميع واردات مصر من الغاز في 2023 كانت تصل عبر خطوط الأنابيب. لكن هذا الوضع تغير بحلول 2025، إذ نمت حصة الغاز المسال من إجمالي واردات الغاز لتمثل ما يقرب من 60%؛ وهذا يؤكد على التحول نحو تنويع مصادر الإمداد.
تمتلك مصر حاليا قائمة واسعة من الموردين؛ فخلال العامين الماضيين، وسعت وزارة البترول قاعدة مورديها لتشمل أكثر من 70 شركة، من بينها أسماء كبرى مثل أرامكو السعودية، ومجموعة ترافيجورا، ومجموعة فيتول، وهارتري بارتنرز، وبي جي إن، وشل، وسوكار الأذربيجانية.
اختفاء فائض التصدير
تحولت مصر إلى مستورد رئيسي للغاز المسال، لكنها قبل أن تصل إلى هذا الوضع لم تعد مصدرا رئيسيا للغاز؛ إذ تراجعت الصادرات السنوية من نحو 5.6 مليار متر مكعب في عام 2023 إلى 1.4 مليار متر مكعب في 2024، ثم إلى 1.1 مليار متر مكعب في 2025، إذ إن تراجع الإنتاج المحلي أجبر الدولة على توجيه المزيد من الغاز إلى السوق المحلية.
لكن ثمة تحول لافت. انخفضت الصادرات من 906 ملايين متر مكعب في الربع الأول من عام 2024 إلى 90 مليون متر مكعب في الربع الأول من 2025، قبل أن تتعافى لتسجل 377 مليون متر مكعب في الربع الأول من عام 2026، أي أنها حققت قفزة بمقدار أربعة أمثال.
لا يشير هذا التعافي بالضرورة إلى تحسن الإنتاج المحلي، بل يعكس استراتيجية الحكومة القائمة على استيراد الغاز المسال عبر وحدات التغويز العائمة الأربعة المستأجرة لتلبية الطلب المحلي، وفي الوقت ذاته الحفاظ على نشاط التصدير واستمرار تشغيل البنية التحتية للإسالة في إدكو. ويدعم هذا التوجه طموحات البلاد على المدى الطويل لتصبح مركزا إقليميا للطاقة حتى في أوقات الأزمات.
تأتي هذه الاستراتيجية بشكل مدروس؛ إذ قالت نائبة رئيس شركة شل العالمية ورئيسة مجلس إدارة الشركة في مصر داليا الجابري: "الاستيراد والتصدير معا هو الهدف النهائي لمصر".
لماذا تتبع الدولة هذا النهج؟ تلتزم الحكومة بالعقود الحالية المبرمة مع شركات الطاقة العالمية حتى وإن ترتب على ذلك خسارة مالية. وتمثل هذه خطة طويلة الأجل لضمان وفاء شركات الطاقة بالتزاماتها الاستثمارية لزيادة الإنتاج. فالأولوية هنا هي منح هذه الشركات الثقة، ليس فقط في عدم تجميد متأخراتها مجددا، بل وأيضا في قدرتها المستمرة على النفاذ إلى أسواق التصدير الأكثر ربحية حتى عندما تمر مصر بظروف صعبة.
جانب أكثر إيجابية
تسعى الحكومة إلى إحياء أنشطة البحث والاستكشاف والإنتاج واستقرار مخرجات الإنتاج المحلي المتراجعة. وتستهدف مصر جذباستثمارات أجنبية مباشرة بقيمة 6.2 مليار دولار لقطاع البترول في العام المالي المقبل، ومن أجل الوصول إلى هذا الهدف تعمل الحكومة على تسوية المتأخرات، وطرح شروط جاذبة للاستكشاف تتناسب مع المخاطر، فضلا عن تأمين تعهدات ضخمة للاستثمار الأجنبي المباشر، مثل التزام شركات الطاقة العالمية بضخ 19 مليار دولار على مدى السنوات الثلاثة المقبلة.
تفاؤل حذر: تلوح في الأفق بوادر للتعافي؛ إذ تعمل شركة شيفرون حاليا على تقييم حقل نرجس البالغة احتياطياته 2.8 تريليون قدم مكعبة، بينما تستعد شركة إيني لحفر بئر تقييمية جديدة في منطقة نور، وتواصل شركة شل أعمال الحفر في حقل فيلوكس الواعد بمنطقة غرب البحر المتوسط التي لم تُستكشف بالكامل بعد.
الخلاصة: تتوقف خطة الحكومة لإنعاش قطاع البحث والاستكشاف على ما إذا كانت شركات النفط العالمية مقتنعة بتحسن الجدوى الاقتصادية للمشروعات. ومع وصول إنتاج النفط حاليا إلى 560 ألف برميل يوميا مقارنة بمستهدف يقارب 626 ألف برميل يوميا بنهاية العام المالي المقبل، ووصول إنتاج الغاز إلى ما دون 4 مليارات قدم مكعبة يوميا، مع مساع لإضافة مليار قدم مكعبة يوميا بحلول نهاية العام، في إطار مستهدفات أكبر للوصول إلى 6.2 مليار قدم مكعبة يوميا بحلول عام 2027، فإن نجاح هذه الاستراتيجية يعتمد بشكل كبير على جذب استثمارات كافية لعكس مسار هذا التراجع.