وَقع التحركات الصامتة: لم يُصدر الاتحاد المصري للتمويل الاستهلاكي والشركات الأعضاء فيه أي رد علني على الهجوم الإعلامي والبرلماني المتصاعد بسبب التوسع المتسارع في الإقراض الاستهلاكي، وخدمات تسهيل الشراء الفوري بالدفع الآجل والتمويل القائم على التقسيط.
شرارة الجدل والخلفية التنظيمية: اندلع الجدل بعد أن حذر هشام عز العرب، الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي، من أن العملاء المستبعدين من التمويل المصرفي يتوجهون إلى جهات الإقراض غير المصرفية للاقتراض بتكاليف اقتراض مرتفعة رغم ضعف قدرتهم على السداد، ما يثير المخاوف بشأن النمو المتسارع لقطاع التمويل غير المصرفي وما اعتبره مطلعون في القطاع تساهلا في الرقابة على الإقراض الاستهلاكي. وقال إن "حدوث شرارة صغيرة في قطاع التمويل غير المصرفي يمكن أن يهز الاقتصاد بأكمله".
ولم تأتِ هذه التصريحات بمعزل عن الواقع؛ بل أعقبت إجراءات حاسمة أصدرها البنك المركزي المصري في أبريل لتشديد آليات تمويل البنوك التجارية للمؤسسات المالية غير المصرفية. ثم انضم البرلمان إلى المعركة، إذ قدم عدد من النواب طلبات إحاطة رسمية تطالب بجلسات استماع عاجلة بشأن نمو نشاط شركات التمويل الاستهلاكي "دون رقابة". وخلال عطلة نهاية الأسبوع، بادرت الهيئة العامة للرقابة المالية لوضع المخالفين في قطاع الأنشطة المالية غير المصرفية تحت مجهر الرقابة العلنية، من خلال إنشاء سجل للأفراد والشركات المخالفة للوائح لأنشطة المالية غير المصرفية.
منافسة أم مخاطر على المنظومة؟
بينما يحذر النقاد من احتمال حدوث "فقاعة ائتمانية"، هناك سؤال أشمل: هل مخاوف القطاع المصرفي مدفوعة حقا بمخاطر تهدد المنظومة، أم بالمنافسة المحتدمة على قطاع الخدمات المصرفية للأفراد، لا سيما وأنه مربح للغاية؟
الأرقام لا تدعم فرضية المنافسة. ففي تصريحات لنشرة إنتربرايز الصباحية، أكد هاني جنينة رئيس قطاع البحوث في شركة الأهلي فاروس أن "أكبر شركة للتمويل الاستهلاكي في السوق — والتي تسيطر على نحو ربع القطاع — حققت أرباحا بلغت نحو 760 مليون جنيه العام الماضي. وفي المقابل، سجل البنك التجاري الدولي أرباحا قاربت 82 مليار جنيه خلال الفترة نفسها. وأضاف: "شركات التمويل الاستهلاكي تتنافس بقوة فيما بينها ومع شركات التكنولوجيا المالية، لكن مقارنة هذه الشركات بالبنوك الكبرى تشبه مقارنة سفينة شحن بدراجة نارية من حيث الحجم".
بلغ إجمالي محفظة التمويل الاستهلاكي غير المصرفي في مصر نحو 96 مليار جنيه بنهاية عام 2025، مسجلا قفزة بأكثر من خمسة أمثال منذ عام 2021، في حين بلغت محفظة البطاقات الائتمانية لدى البنك التجاري الدولي وحده نحو 18 مليار جنيه، مقارنة بنحو 28 مليار جنيه لإجمالي محافظ البطاقات الائتمانية لدى جميع البنوك العاملة في السوق، حسبما أوضح لنا المحلل المالي أحمد عز الدين. ووفقا لبيانات البنك المركزي المصري، فقد بلغ إجمالي عدد بطاقات الائتمان الصادرة عن جميع البنوك المصرية 6.3 مليون بطاقة بنهاية عام 2024.
اختلاف الشرائح المستهدفة: أضاف عز الدين أن "قطاع التمويل غير المصرفي يخدم قاعدة عملاء مختلفة تماما لم تكن البنوك تخدمها أصلا"، مشيرا إلى أن العلاقة بين القطاعين تتسم بالتكامل وليس المنافسة. ويُفسر ذلك قائلا: "تخدم البنوك العملاء الذين يمتلكون [ضمانات] أقوى وملاءة مالية أعلى، في حين تلبي شركات التمويل غير المصرفي احتياجات شريحة أوسع وأقل دخلا لم تكن تحظى إلا بفرص ضئيلة أو معدومة للاستفادة من قنوات التمويل الرسمية".
الأخذ في الحسبان القواعد الحاكمة للقطاع
تشير البيانات الرسمية إلى أنه رغم سرعة توسع نشاط مؤسسات التمويل الائتماني غير المصرفي، فإنها تعمل تحت رقابة تنظيمية صارمة. إذ يضم القطاع نحو 48 شركة مرخصة، 10 منها مملوكة مباشرة لبنوك تجارية. وهناك شركات أخرى مدرجة في البورصة المصرية (مثل فاليو) أو شركات تابعة لمجموعات قابضة مدرجة، ما يضعها تحت التزامات الحوكمة المؤسسية والشفافية التي تضاهي إفصاحات البنوك. كما تُمنع المؤسسات المالية غير المصرفية من الحصول على تسهيلات ائتمانية بنكية دون موافقة مسبقة من الهيئة العامة للرقابة المالية.
تفاصيل الائتمان: بلغ إجمالي التمويل الاستهلاكي الممنوح من المؤسسات المالية غير المصرفية 96.3 مليار جنيه في عام 2025، لخدمة أكثر من 10.8 مليون عميل. وفي المقابل، قفز إقراض البنوك التجارية للقطاع العائلي إلى 1.4 تريليون جنيه، ارتفاعا من 1.14 تريليون جنيه في عام 2024، وهي زيادة هيكلية في الطلب على الائتمان الاستهلاكي، نظرا إلى استعانة بعض الأسر بالقروض الشخصية وتمويل السلع المعمرة لتخفيف الضغوط التضخمية.
التعثر تحت السيطرة: لا تتجاوز نسبة القروض المتعثرة لدى جميع الشركات والجمعيات الخاضعة لإشراف الهيئة العامة للرقابة المالية 3%، وهي أقل من الحد المقبول عالميا والبالغ نحو 5%. كما أن جميع شركات التمويل الاستهلاكي تعمل ضمن منظومة الشركة المصرية للاستعلام الائتماني "آي سكور"، مما يعني أن المخاطر خاضعة لتتبع منهجي، حسبما أضاف عز الدين.
كذلك يرتفع سقف متطلبات الامتثال الرقابي باستمرار منذ عام 2020، مع تشديد بروتوكولات التحقق من بيانات العملاء، وفرض التسجيل الإلزامي في منصة "آي سكور"، وقواعد الإفصاح الهادفة إلى حماية المستهلك، والتي تتطلب توقيع العملاء بالموافقة على جميع الرسوم وتكاليف الفائدة. وبهذا باتت ممارسات الإقراض غير الخاضعة للتدقيق تتركز الآن في السوق غير الرسمية. كما تشترط هيئة الرقابة المالية الامتثال لمعايير اتفاقية بازل الثالثة عبر أربع ركائز: كفاية رأس المال والملاءة المالية، وإدارة المخاطر ووضع مخصصات كافية للتغطية، وحماية العملاء والشفافية، والإشراف المستمر والحوكمة.
لماذا تدخل البنك المركزي الآن؟
يرى جنينة أن خطوة البنك المركزي تهدف في الأساس إلى حماية الاقتصاد الكلي من خلال كبح التضخم وإدارة السيولة، وليست استجابة لتعثر ائتماني وشيك. إذ قال في تصريحاته لنا: "البنك المركزي يسعى في الأساس إلى التحكم في الإنفاق الاستهلاكي لأن هذا الإنفاق يضغط في النهاية على كل من ميزان المدفوعات والتضخم". وأوضح قائلا: "فأغلب التمويل الاستهلاكي يتركز في السلع المعمرة، وحتى المنتجات المصنعة محليا تحتوي على نسبة عالية من المكونات المستوردة. وكلما ازداد التمويل الاستهلاكي، زاد الطلب غير المباشر على الواردات، وبهذا يتفاقم الضغط على ميزان المدفوعات في وقت يحاول فيه البنك المركزي الحفاظ على استقرار سعر الصرف".
السيطرة على الطلب دون رفع أسعار الفائدة: وأضاف جنينة أن "البنك المركزي لديه أداتان للتحكم في الاستهلاك. الأولى هي رفع أسعار الفائدة، لكنها أداة تؤثر على الجميع؛ سواء الحكومة أو الشركات أو المستهلكين. وما يحدث الآن هو تشديد الرقابة التنظيمية على شركات التمويل الاستهلاكي... بهدف إبطاء نمو الائتمان والحد من الضغوط التضخمية دون اللجوء إلى رفع أسعار الفائدة".
ما الخطوة التالية؟ يتوقع جنينة أن يمتد هذا التضييق التنظيمي إلى القطاع المصرفي نفسه، مرجحا حدوث ذلك من خلال تشديد شروط إقراض الأفراد، وذلك نظرا إلى أن الضوابط التحوطية الكلية باتت هي الأداة المفضلة لإدارة التضخم وتخفيف الضغط على ميزان المدفوعات.