Posted inبعد الخامسة

الذكاء الاصطناعي في عالم الرعاية الصحية: هل يتفوق المساعد الرقمي على الأطباء؟

🩺 طبيبك الاصطناعي في انتظارك: رغم الثورة الهائلة التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في معظم المجالات، تظل الاستعانة به في قطاع الرعاية الصحية الخطوة الأكثر حساسية والأوسع تأثيرا على الإطلاق. إذا وجدت نفسك يوما تسأل أحد برامج الذكاء الاصطناعي بإلحاح عن طفح جلدي غريب أو عرض معين تعاني منه، فأنت لست وحدك، إذ يتجه عدد متزايد من الأشخاص إلى أدوات الذكاء الاصطناعي الموجهة للمستهلكين لتشخيص حالاتهم بأنفسهم قبل التفكير في حجز موعد مع الطبيب.

كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية؟

يعيد الذكاء الاصطناعي اليوم تشكيل آليات ممارسة الطب، إذ يغير طريقة تفاعل المرضى مع شؤونهم الصحية، ويطور كيفية اتخاذ القرارات التشخيصية لدى الكوادر الطبية. وبينما تلوح في الأفق تطورات واعدة قد تساعد فعليا في تحسين النتائج الصحية لكثيرين، لا تزال هناك تساؤلات مطروحة بشأن دقة أدوات الذكاء الاصطناعي وخصوصية البيانات، وتأثير الاعتماد المتزايد على هذه الأدوات على المرضى والأطباء.

هل شعرت من قبل أن طبيبك لا يصغي إليك جيدا؟ بدأت المؤسسات الطبية والجامعات حول العالم في استخدام ما يعرف بالمدونينالآليين، وهي أدوات مصممة للاستماع إلى المحادثات بين المريض والطبيب وصياغة الملاحظات السريرية وتوثيقها تلقائيا. يرى الأطباء أن إسناد هذا النوع من الأعمال الإدارية الروتينية إلى الذكاء الاصطناعي يمنحهم مساحة أكبر للتواصل البصري المباشر مع المرضى والتركيز عليهم، بدلا من الانشغال بالكتابة على لوحة المفاتيح، فضلا عن ضمان تدوين الملاحظات الطبية بدقة أعلى.

قد يتجاوز نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي في قطاع الرعاية الصحية المهام الإدارية البسيطة، ويعتبر التطور الأكثر ثورة في هذا المجال توظيفه في عمليات التشخيص الاستدلالي، إذ كشفت دراسة حديثة تفاوتا ملحوظا في مستويات دقة التشخيص، حيث سجل الأطباء الذين عملوا دون الاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي أدنى مستويات من ناحية الأداء، وفي المقابل، حقق الأطباء الذين يدمجون الذكاء الاصطناعي كمساعد رقمي أداء أفضل بكثير، في حين كانت المفاجأة الأكبر في تفوق أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تعمل بشكل مستقل تماما، محققة أعلى معدلات الدقة.

رغم هذا التفوق الواضح في تشخيص الأمراض، لا يزال الذكاء الاصطناعي متأخرا عن الأطباء في مجال الاستدلال السريري، خاصة عند التعامل مع معلومات ومعطيات محدودة، بينما تتمثل نقطة التحول الحقيقية في لجوء المرضى إلى أدوات الذكاء الاصطناعي لتبسيط السجلات الطبية المعقدة ونتائج التحاليل المخبرية وتوصيف الأعراض وتحويلها إلى لغة واضحة ومفهومة، بحسب دراسة أجراها المستشفى التعليمي التابع لكلية الطب بجامعة هارفارد.

يمثل هذا الواقع الجديد معضلة معقدة لبعض الأطباء، خاصة عند لجوء المرضى إلى اتخاذ قرارات صحية استنادا فقط إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، فيما قد يساعد هذا التوجه في تمكين الأفراد من دخول العيادات الطبية وهم يمتلكون حدا أدنى من المعرفة بوضعهم الصحي. وتطرح هذه الطفرة تساؤلا جوهريا يثير الجدل داخل الأوساط الطبية: بالنسبة للمرضى في الدول التي تعاني أنظمتها الصحية من ضغط هائل وقوائم انتظار تمتد لأشهر، أو لأولئك الذين لا يملكون القدرة على تحمل تكاليف الرعاية، هل تصبح الاستعانة بروبوت لتلقي المشورة الطبية أفضل من عدم تلقي أي مشورة على الإطلاق؟

الخطوة التالية؟

تركز المرحلة المقبلة لدمج الذكاء الاصطناعي في قطاع الرعاية الصحية على تطوير تقنيات مصممة لتحليل المؤشرات الحيويةالصوتية أثناء الاستشارات الطبية عن بعد، إذ يمكن لهذه الأنظمة التقاط أدق التغيرات في نبرة الصوت والإيقاع والأنماط الصوتية التي لا تلتقطها الأذن البشرية، واستخدامها في الكشف المبكر عن اضطرابات التدهور العصبي مثل مرض باركنسون أو الأزمات النفسية المزمنة مثل الاكتئاب السريري، وذلك قبل وقت طويل من ظهور أي أعراض جسدية واضحة.

ولكن.. هل يصب الذكاء الاصطناعي في مصلحة منظوماتنا الصحية حقا؟ قد يرى البعض أن دمج هذه التقنيات قد يقلل من الاحتراقالوظيفي لدى الأطباء والمساعدة في الكشف المبكر عن الأمراض، إلى جانب تبسيط المصطلحات الطبية المعقدة للمرضى. ورغم هذه المزايا، يظل عامل الثقة أمرا في غاية الحساسية، لأن الذكاء الاصطناعي قد يقع في فخ الهلوسة أو إساءة تفسير التفاصيل الدقيقة، ما قد يؤدي إلى طمأنة خاطئة تؤخر العلاج الضروري أو إثارة ذعر غير مبرر تجاه أعراض بسيطة وحميدة.

ولأن عواقب الخطأ هنا قد تعني الحياة أو الموت، فمن المستبعد أن يعمل الذكاء الاصطناعي الطبي بشكل مستقل، إنما السيناريو الأكثر واقعية للمستقبل هو أن يتحول إلى أداة أساسية مدمجة في الممارسات الطبية التي تجمع بين الإشراف البشري وسرعة الذكاء الاصطناعي التوليدي في تفنيد البيانات وتحليلها.