Posted inبعد الخامسة

معركة الحفاظ على الوجه الحضاري لأحياء القاهرة ضد زحف المقاهي

🌳 كفانا كافيهات: بعد عمل دؤوب استمر عاما كاملا، نجحت جمعية تنمية الزمالك في حشد البيانات والبنود القانونية وتوظيفها لتحقيق انتصار تنظيمي ومجتمعي تتجاوز تداعياته حدود الحي، إذ جاء القرار الذي أصدرته محافظة القاهرة يوم 28 أبريل — والقاضي بوقف إصدار تراخيص جديدة للمطاعم والمقاهي في أحياء الزمالك والمعادي ومصر الجديدة وجاردن سيتي — تتويجا لجهود مجتمعية حثيثة لاستعادة الوجه الحضاري لشوارع الزمالك.

كان الدافع الرئيسي وراء هذا التحرك هو التوسع التجاري المفرط الذي شهده حي الزمالك، حسبما قالت فريدة مكار العضوة المؤسسة بمجلس إدارة الجمعية وقائدة هذه المبادرة لإنتربرايز، فخلال الفترة التي شهدت إنشاء ممشى أهل مصر الممتد بطول 1.8 كيلومتر على ضفاف النيل، وامتداد الخط الثالث لمترو أنفاق القاهرة، شهد الحي تحولات جذرية غيرت ملامحه.

على مدار السنوات الخمس الماضية، وبوتيرة أسرع خلال العامين الأخيرين تحديدا، اجتاحت موجة من المطاعم والمقاهي الجديدة الشوارع الجانبية السكنية، ما جلب معه حزمة من المشكلات شملت التجمعات العشوائية وتراكم النفايات والضوضاء والاختناقات المرورية المزمنة.

بمساعدة نخبة من المتطوعين في مجال التخطيط العمراني وشركة المستشارون المتحدون للاستشارات الهندسية، أجرت الجمعية حصرا شاملا لجميع مطاعم ومقاهي الحي. كشفت الأرقام أن النطاق الشمالي للزمالك وحده من شارع 26 يوليو صعودا يضم 209 من المقاهي والمطاعم. يتجاوز هذا العدد ما تضمه منطقة وسط البلد، بما يجعل الزمالك المنطقة الأكثر كثافة من ناحية الأنشطة التجارية لكل ساكن ولكل متر مربع مقارنة بأي من الأحياء الراقية الأخرى في العاصمة، بحسب مكار التي أضافت: "لقد وصلنا إلى وضع يستقبل فيه حي الزمالك زوارا يعادل عددهم نحو عشرة أضعاف سكانه".

"عندما عرضنا خريطتنا على مسؤولي المحافظة، ذهلوا وصدموا، لقد جبنا الشوارع ووثقنا موقع كل مقهى بشكل منهجي مع تسجيل العناوين وتواريخ الافتتاح والمخالفات، وجمعنا كل ذلك في قاعدة بيانات شاملة. كان هذا ثمرة عمل استمر لعام كامل، وكانت النتائج قوية ويصعب تجاهلها".

بالقانون

حل الأزمة بين السطور: عكف فريق قانوني تابع للجمعية على دراسة قانون المحال العامة لعام 2019، ليستندوا في النهاية إلى المادة رقم 8، التي تمنح الجهات المختصة صلاحية حظر أنشطة تجارية بعينها في نطاقات جغرافية محددة. "أصبحت هذه المادة بمثابة مرجعنا الأساسي"، بحسب مكار.

الخطوات التالية؟ أبرمت الجمعية اجتماعين الأول مع وزيرة التنمية المحلية منال عوض، والثاني مع محافظ القاهرة الدكتور إبراهيم صابر، بحضور النائبة البرلمانية سحر عطية. مسلحة بعرض تقديمي وخريطة تفصيلية وحجج قانونية مدعومة بالمادة 8، استعرضت الجمعية مقارنة لكثافة الأنشطة التجارية بين مختلف أحياء القاهرة، ووفقا لمكار، أقر المحافظ بأن المناطق المتضررة تصنف كأحياء تراثية. وفي خطوة حاسمة، نجحت الجمعية في التفاوض لتوسيع نطاق القرار ليشمل أربعة أحياء بدلا من الزمالك وحدها.

في هيليوبوليس: رغم أن جمعية تنمية الزمالك هي الجهة التي قادت المبادرة وحملة الضغط التي أسفرت عن حظر التراخيص، إلا أن مؤسسة تراث هليوبوليس — وهي مجموعة أهلية تأسست عام 2011 نجحت سابقا في الضغط لترميم قصر البارون ووقف مشروع إنشاء كوبري أعلى كنيسة البازيليك — كانت تضغط في الاتجاه ذاته لسنوات.

في مصر الجديدة، تختلف الأمور بعض الشيء، بحسب ما قال العضو المؤسس في المبادرة شكري أسمر. "نحن لسنا ضد المقاهي في حد ذاتها، فمصر الجديدة لطالما كانت وجهة ترفيهية، ويسعدنا أن تظل كذلك، لكن اعتراضنا ينصب على غياب التنظيم. كما نعاني من أزمة تفاقم الباعة الجائلين والمقاهي التي تتعدى على الأرصفة. يجب أن تكون هناك مناطق مخصصة للمطاعم والتسوق، وأخرى سكنية هادئة يمنع فيها أي نشاط تجاري".

ماذا بعد؟

يرحب أسمر بالقرار التنظيمي، لكنه يشير في الوقت ذاته إلى أنه لا يعالج المشكلة القائمة حاليا، فيما ترى مكار أن القانون يوفر بالفعل الأدوات اللازمة لحل الأزمة، فالتراخيص تتطلب التجديد وعقود الإيجار تنتهي كما أن المادة 24 من القانون ذاته تتيح إغلاق أي منشأة تسبب "إزعاجا جسيما" للسكان، حتى وإن كانت مرخصة، كما أن الاستخدام غير المصرح به للأرصفة يعد سببا كافيا للإغلاق.

"ندرك تماما أن إقرار القانون شيء وتطبيقه شيء آخر، ولكن على الأقل أصبح القانون في صفنا الآن، ورغم أن التنفيذ سيمثل تحديا، فإن مجتمعنا يقظ، وسيكون دورنا هو المراقبة"، وفقا لمكار. في السياق ذاته، وبدعم من مساهمات السكان وشركات مثل إي إف جي هيرميس وعزة فهمي، تشرع جمعية تنمية الزمالك في زراعة الأشجار لتعويض المساحات الخضراء التي أزيلت لصالح إنشاء غرف تهوية مترو الأنفاق، إلى جانب إعادة تصميم ممرات عبور المشاة في شارع 26 يوليو.

أما في هليوبوليس، يطور أسمر استراتيجية لترميم واجهات المباني وإعادة تخطيط الشوارع، وقد بدأت المبادرة عملها في المنطقة الواقعة بين ميدان الكوربة وشارع الأهرام، وتعمل حاليا على طرح مسابقة لإعادة التخطيط العمراني الشامل لميدان البازيليك وشارع الأهرام تستهدف المعماريين ومخططي المدن، بالتنسيق مع محافظة القاهرة والجهاز القومي للتنسيق الحضاري وشركة مصر الجديدة للإسكان والتعمير. ومن المقرر أن توفر شركة مصر الجديدة وشركات القطاع الخاص العاملة بالحي التمويل اللازم للتنفيذ.

توحيد الجهود: تعتزم الجمعيات الأهلية في أحياء الزمالك ومصر الجديدة والمعادي تنسيق جهودها المشتركة مستقبلا، وقد عقدت الجمعيات الثلاث، بالتعاون مع مجموعة تركز على حفظ التراث من مدينة بورسعيد، أول اجتماع مشترك لها قبل أيام قليلة من صدور القرار. تعمل هذه الجهات حاليا على إحياء شبكة تراث مصر، وهو التحالف التي تأسس عام 2014 بهدف الضغط لوضع الأحياء التراثية في جميع أنحاء مصر تحت إطار تنظيمي شامل، بدلا من الاكتفاء بقرارات حماية استثنائية فردية.

أما بالنسبة لقطاع المطاعم والمقاهي، فإن الأثر المباشر للقرار يتمثل في تجميد المعروض من التراخيص، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع قيمة التراخيص القائمة. وبالنسبة للأحياء التراثية في القاهرة، فإن التحدي الحقيقي يكمن في مدى صمود القرار أمام الضغوط التجارية التي استدعت إصداره في المقام الأول. "أعتقد أن الدرس المستفاد هو أنه في غياب التنظيم السليم، سيعاني الجميع في النهاية، وأن هناك دائما سبلا للتعاون من أجل الوصول إلى نتائج أفضل"، بحسب مكار.