🏠 في ممر بسيط بقلب حي الدرب الأحمر يقع بيت يكن. قصر عتيق يعود إلى القرن السابع عشر، لا يزال صامدا في مواجهة قرون طويلة من التحولات السياسية وعقود من الإهمال. اليوم، يمثل القصر نموذجا ملهما على إعادة الإحياء المستدام، بعد إنقاذه على يد المعماري علاء الحبشي وزوجته المعمارية والفنانة علا سعيد، ودعم من المجتمع المحلي المحيط به.
نظرة على البيت
خلال زيارتنالبيت يكن في ظهيرة أحد أيام الأسبوع، أرشدنا سكان المنطقة إلى مدخل المبنى. دخلنا عبر أبوابه الخشبية الكبيرة لنجد أنفسنا في بهو واسع بسقف مرتفع، تزين جدرانه منشورات تعلن عن فعاليات مجتمعية قادمة. تتشكل الجدران والأرضيات من حجر جيري قديم قدم الزمن، بينما يرتكز السقف على دعامات خشبية تقليدية، وخلف هذه البوابة، يمتد قلب المبنى: فناء مفتوح واسع تتراص فيه طاولات مشتركة ومقاعد على أرضية من الحصى، تحيط بها الواجهة التاريخية للبيت.
يضم الطابق الأرضي مساحات لورش العمل المخصصة للحفاظ على الحرف التقليدية لمدينة القاهرة التاريخية من خلال التعليم التطبيقي، وخلف نوافذ المشربيات والأبواب الخشبية الكبيرة، تحتضن الغرف ورشا تدريبية شملت سابقا فنون نحت الحجر وتطعيم الخشب وخبز الكحك، إلى جانب الفنون الهندسية والتطريز التقليدي. كما تُنظم برامج موجهة للشباب والأطفال من منطقة الدرب الأحمر خلال فصل الصيف.
يمكن للزوار الاستمتاع بالهدوء الذي يميز فناء القصر، أو التجول في أروقة المكتبة التي تقع في الطابق الثاني وتضم نحو 20 ألف كتاب نادر، أما من يبحثون عن تجربة أطول قليلا، يوفر البيت أيضا 11 غرفة للإقامة يمكن حجزها عبر تطبيقي بوكينج وإ ير بي إن بي، ما يمنح الزائرين فرصة الإقامة داخل أثر حي، وعلى مقربة المعالم التاريخية بمنطقة سوق السلاح والتي تحتضنها القاهرة التاريخية المدرجة ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو.
تكمن الأهمية المعمارية لبيت يكن في طبقات تصميمه التي تمزج بين الطرازين المملوكي والعثماني، إذ تعكس تسلسلا زمنيا حيا لتاريخ مصر. شيد المبنى في الأصل على يد أغا فارسي ضمن الجيش العثماني خلال القرن السابع عشر، ولا يزال يحتفظ بسمات معمارية كلاسيكية مثل المجاز أو الدهليز والفناء المركزي، وهي عناصر صممت لتوفير الخصوصية والتحكم الطبيعي في درجات الحرارة.
عندما أهدى محمد علي باشا العقار لأبناء شقيقه من عائلة يكن، أضيفت لمسات من طراز الباروك العثماني على التصميمات الداخلية. هذا التراكم الطبقي الفريد جعل من المبنى مزيجا نادرا من الحركات المعمارية، إذ يلتقي الطابع التحصيني في العصور الوسطى مع التصميمات المتأثرة بالطراز الأوروبي في القرن التاسع عشر.
الأثر ما بين اليوم والأمس
شهد المبنى خلال منتصف القرن العشرين مرحلة تدهور حاد، ففي تسعينات القرن الماضي، استغل جزار محلي قاعات الاستقبال، وحول الفناء إلى حظيرة للمواشي والغرف المزخرفة إلى مخازن تبريد، ليتحول المعلم التاريخي إلى منشأة تجارية لمعالجة اللحوم، وهو ما يعكس بوضوح حجم المخاطر التي تواجه التراث غير المسجل في القاهرة التاريخية. كما تسبب زلزال عام 1992 في مزيد من التدهور الإنشائي، ما دفع الحكومة لاحقا إلى إصدار قرار رسمي بهدم المبنى، واعتباره خطرا داهما على السلامة العامة، وهو مصير لا يزال يهدد كثيرا الكنوز المعمارية غير المسجلة في القاهرة التاريخية.
في عام 2009، استحوذ الحبشي على العقار مباشرة من الجزار ليمنع بيعه لشركات التطوير العقاري، لتبدأ بعدها معركة استمرت نحو عشر سنوات لإثبات أن الترميم هو المسار الأمثل للحفاظ على هذا التراث. لإنقاذ المبنى، اضطر إلى خوض مسار إجرائي معقد لإلغاء قرار الإزالة، حتى نجح في النهاية في انتزاع الحق في ترميم هذا البيت الأثري ومنحه قبلة حياة جديدة.
لم يقتصر مشروع الترميم على الإصلاحات الشكلية، بل حول البيت من منزل خاص إلى مؤسسة مجتمعية فاعلة داخل الحي، إذ شملت أعمال التجديد إضافة ألواح طاقة شمسية على السطح، وإعادة تأهيل قنوات صرف صحي أثرية تحت الأرض بطول 120 مترا لدعم أنظمة السباكة الحديثة.
يقف بيت يكن اليوم مركزا ثقافيا مؤثرا، عامرا بورش العمل والفعاليات الثقافية والفنية، ما ساعد في خلق فرص عمل لأفراد المجتمع المحلي، ودعم الهوية الثقافية والحياة الاقتصادية في منطقة الدرب الأحمر.
** لقراءة القصة كاملة مصحوبة بكل الروابط، اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى **