يبدو أن الحكومة تتبنى نهجا قائما على تحديد الأطراف المعنية لجذب حصة أكبر من الاستثمار الأجنبي المباشر للولايات المتحدة، الذي يقدر بنحو 7 تريليونات دولار. "لم يعد من الممكن مخاطبة جميع المستثمرين بنفس الرسالة أو طرح نفس الفرص على الجميع"، وفق ما قاله يحيى الواثق بالله، الوزير المفوض للشؤون الاقتصادية والتجارية بالعاصمة الأمريكية واشنطن، خلال جلسة عقدت على هامش بعثة طرق الأبواب التي تنظمها غرفة التجارة الأمريكية بالقاهرة.
ثمة أهمية كبرى لتبني نهج يتسم بمزيد من المرونة، ويركز على تقديم حلول مخصصة تتماشى مع أولويات كل سوق على حدة، وأيضا مع أجندة التنمية في مصر. وتستند استراتيجية وزير الاستثمار والتجارة الخارجية محمد فريد إلى فهم أعمق لاحتياجات الأسواق وتطوير عروض استثمارية ذات هياكل تلبي تطلعات المستثمرين من ناحية العوائد، وسهولة ممارسة الأعمال، والوضوح التشريعي؛ مما يعزز تنافسية مصر في جذب تدفقات رؤوس الأموال العالمية.
التدفقات التجارية تركز على الفرص والتحديات: تكلف وزارة الاستثمار المكاتب التجارية في الخارج بتحديد الفرص المتاحة في قطاعات محددة، بجانب دعم المصدرين ببيانات وتحليلات دقيقة حول الأسواق، بحسب الواثق بالله.
البوصلة نحو الولايات المتحدة
يهدف هذا النهج إلى تعزيز مكانة مصر على خارطة تدفقات الاستثمار القادمة من الولايات المتحدة. وأكد الواثق بالله أنها "علاقة لا يمكن لمصر تهميشها". وأضاف: "رأيت بنفسي كيف تحرك الوزراء بسرعة وتوزعوا على اجتماعات مكثفة في واشنطن على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين".
تحتل البلاد المرتبة 47 في قائمة أكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، في ظل نمو التجارة البينية بنسبة 39% العام الماضي. إذ بلغت الصادرات الأمريكية إلى مصر 9.5 مليار دولار في عام 2025، مقابل 2.9 مليار دولار من الصادرات المصرية إلى الولايات المتحدة، وهو تفاوت يعكس قيودا هيكلية. وفي الوقت ذاته، تعد الولايات المتحدة من بين أبرز الشركاء التجاريين لمصر، إذ جاءت في المرتبة الثالثة كأكبر شريك تجاري غير نفطي للبلاد العام الماضي، وفقا لبيانات غرفة التجارة الأمريكية بالقاهرة.
كذلك تقدر الاستثمارات الأمريكية في مصر بنحو 25 مليار دولار، ومعظمها يتركز في قطاع البترول. أما أبرز القطاعات التي تثير اهتمام المستثمرين الأمريكيين حاليا، فتشمل الزراعة والصناعات الغذائية، والخدمات المالية، والموانئ والخدمات اللوجستية، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والطاقة المتجددة، والأدوية.
لكن الغرامات والاشتراطات الصارمة تدفع المصدرين المصريين نحو الأسواق المجاورة في المنطقة العربية وأفريقيا وأوروبا. "الغرامات قد تصل إلى 5 آلاف دولار يوميا على التأخير في التوريد لكبرى الشركات مثل (وول مارت)..بالإضافة إلى أن بعض الشركات الأمريكية تطلب كميات تتجاوز القدرات الإنتاجية للمصدرين المصريين"، حسبما أوضح الواثق بالله.
آفاق التنويع
ترى مصر إمكانات كبيرة لتنويع الاستثمارات، لا سيما في قطاع الخدمات المالية وصناديق الاستثمار. وتعمل الحكومة على توسيع نطاق تدفقات رؤوس الأموال من الولايات المتحدة عبر صناديق متخصصة، حسبما أشار الواثق بالله.
عقدت المجموعة الوزارية اجتماعات مع عدة صناديق استثمارية، أبدى بعضها اهتماما بالشركات الناشئة المصرية. وعرض فريد أيضا فرصا استثمارية مرتبطة بالصناديق الفرعية التابعة لصندوق مصر السيادي.
لا يزال قطاع تكنولوجيا المعلومات وتعهيد الخدمات يجذب اهتمام الجانب الأمريكي؛ بفضل وفرة المهندسين والمبرمجين المهرة، وتكاليف العمالة التنافسية، والقوى العاملة الشابة التي تتمتع بمهارات لغوية قوية. وتجذب الصناعات الغذائية الأنظار هي الأخرى، مدفوعة بنمو السوق المحلية. قال الواثق بالله: "يراقب المستثمرون الأجانب دخول نحو مليوني مستهلك جديد إلى السوق سنويا".
يكتسب قطاع التعدين أيضا زخما لدى المستثمرين الأمريكيين، لا سيما في مجال المعادن الأرضية النادرة، حسبما أضاف. وتعمل الحكومة حاليا على إعداد إطار متكامل للحوافز، إلى جانب خطط لإطلاق خريطة وطنية شاملة للتعدين خلال الأشهر المقبلة، توفر تفاصيل حول مستويات الاحتياطيات وتكاليف الاستخراج.
خطط لإنشاء منطقة استثمارية مخصصة
رحب المستثمرون الأمريكيون من قبل بمقترح إنشاء منطقة استثمارية أمريكية مخصصة في مصر، بشرط توفر الحوافز والإعفاءات المناسبة. وطُرحت الفكرة خلال منتدى الأعمال المصري الأمريكي الأول المنعقد في العام الماضي، الذي يتوقع عقد دورة ثانية منه في وقت لاحق من هذا العام.