🎬 بين القاهرة وباريس، ينسج المخرج المصري الفرنسي نمير عبد المسيح لغة سينمائية خاصة تتجاوز حدود التوثيق، لتعيد تفكيك ومساءلة مفاهيم الهجرة والاغتراب، وروايات العائلة السائدة. حظيت أعماله بإشادات دولية واسعة، وحصد فيلمه الأخير الحياة بعد سهام جوائز هامة مثل جائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان مالمو للسينما العربية 2026، وجائزة أفضل فيلم وثائقي ونجمة الجونة الفضية للفيلم الوثائقي من مهرجان الجونة في دورته الأخيرة.
حاورت إنتربرايز عبد المسيح، الذي تحدث عن سحر الكاميرا، التي تتحول بين يديه إلى أداة للتوثيق ومقاومة خيانات الذاكرة والاختباء من الواقع وآلامه. ناقشنا في حوارنا معه مفهوم سينما العائلة عبر فيلمه الأخير — الذي استغرق إعداده عشر سنوات — الحياة بعد سهام، إلى جانب تحديات صناعة الوثائقيات في مصر، فضلا عن رؤيته لمستقبل الذاكرة البصرية ومخاوفه من قدرة الذكاء الاصطناعي على تزييف الذاكرة التاريخية. إليكم مقتطفات محررة من حوارنا معه:
إنتربرايز: في البداية، كيف يفضل نمير عبد المسيح التعريف عن نفسه؟
نمير عبد المسيح: في الواقع، لا أحبذ فكرة تعريف النفس أو وضع ذاتي في إطار محدد. إذا سألتني من أنت سأكتفي بالقول إنني نمير، وقد أضيف صفة مخرج حسب سياق الموقف، لكنني أميل إلى البعد عن التعريفات الجامدة.
إنتربرايز: في أعمالك، لاحظنا ثيمة تتعلق بالرغبة الواضحة في التوثيق، لكنها محاطة بالشك وتضارب الروايات. متى تتحول لحظة الشك تلك إلى مشروع سينمائي؟
عبد المسيح: الأمر يتعلق أكثر بالعلاقة بين الواقع وما نعتقده نحن عنه، أي كيف نتعامل مع الحقيقة عندما تتعدد نسخها. نشأتي بين الثقافتين المصرية والفرنسية خلقت بداخلي تناقضا مستمرا، هو المحرك الأول لأفلامي.
سؤالي الدائم في أفلام هو: كيف لا نرى الشيء نفسه رغم أننا نعيش في المكان ذاته؟ لماذا يقر البعض برؤية حدث ما بينما ينفيه آخرون وهم في بقعة واحدة؟ هل هناك حقيقة مطلقة أم أن الحقيقة هي مجرد الطريقة التي ننظر بها للعالم عبر رؤيتنا الخاصة؟ أحاول الإجابة على هذه الأسئلة في أفلامي. وفي النهاية، أصل إلى قناعة بأن الحقيقة الوحيدة هي وجود حكايات متناقضة، وعلينا بناء ذواتنا من خلالها دون محاولة إثبات صحة رواية على حساب أخرى.
إنتربرايز: تحدثت سابقا عن استخدام الكاميرا كأداة للحماية، هل تشعر أنها تمنحك مساحة لطرح أسئلة قد تعجز عن طرحها في حياتك الخاصة؟
عبد المسيح: بالتأكيد، الكاميرا هي وسيلتي الأساسية للمواجهة، هكذا بدأت علاقتي بها، إذ دائما ما يكون المخرج بداخلي أكثر شجاعة، وعندما تشتد المواجهات في حياتي الشخصية، استدعيه ليتولى زمام الأمور ويقوم بما أعجز عن فعله كشخص عادي، ما أسعى إليه في أفلامي هو إيجاد توازن بين هذين العالمين.
إنتربرايز: كيف تتعامل عائلتك مع فكرة وجود فنان بينهم قد يخرج كاميراه ويبدأ التصوير في أي لحظة؟
عبد المسيح: في البداية، كان الأمر غريبا عليهم، خاصة والدي الذي لم يستوعب في البداية جدوى ما أفعله، هو بطبعه شخص متحفظ جدا ولا يحب الحديث عن نفسه أو الظهور أمام الناس، وما كنت أفعله يتناقض تماما مع طبيعته. لكن مع التكرار بدأ يتفهم دوافعي وأصبح الأمر جزءا من حياتنا العائلية، حتى صار يألف وجود المصور بيننا في المنزل.
إنتربرايز: ومع هذا الاعتياد، ألا تخشى أن يبدأوا في التمثيل أو تقمص دور معين أمام الكاميرا؟
عبد المسيح: بالعكس، الاعتياد خلق تلقائية أكبر. لو انزعج أحدهم من الكاميرا سيظهر ذلك بوضوح، وهذه هي العفوية التي أبحث عنها. لا أحب التمثيل، يغير وجود الكاميرا ديناميكية المكان بلا شك، إلا أن هذا التغيير في حد ذاته هو الحقيقة. التظاهر بأن الكاميرا غير موجودة هو التمثيل بعينه، أما التفاعل معها بصراحة هو ما يكشف عن طباعهم الحقيقية أمامها.
إنتربرايز: في "الحياة بعد سهام" صورت جنازة والدتك، وهي لحظة خاصة ومؤلمة.. أين يبدأ الفيلم وأين تنتهي الأزمة الإنسانية في تلك اللحظة؟
عبد المسيح: في تلك اللحظة لم يحضر الابن أبدا، كنت مخرجا فحسب. تعاملت مع الجنازة بعين المخرج لأنني لم أكن قادرا على مواجهتها كابن، كان الألم أكبر من احتمالي، وكانت الكاميرا وسيلتي للهروب منه. بعد سنوات طويلة، استطعت أخيرا أن أختبر تلك المشاعر التي عجزت عن مواجهتها حينها، وعندما عدت إلى تلك المشاهد لاحقا، تعاطفت مع نفسي. أدركت أنني لجأت إلى التصوير لأن الحزن كان يفوق قدرتي على التحمل، ورأيت في اللقطات انعكاسا مباشرا لذلك.
إنتربرايز: وثقت في الفيلم لحظات رفض فيها أبناؤك التصوير، فمتى تنتهي حدود دورك كمخرج ومتى تبدأ كأب؟
عبد المسيح: الحقيقة أن هذا السؤال لا يزال يراودني ولم أجد له إجابة قاطعة بعد، هل أملك الحق في تصويرهم ومشاركة هذه اللقطات في فيلم؟ لقد فضلت طرح هذا التساؤل داخل الفيلم نفسه ليواجهه الجمهور، فالمسألة تتجاوز شخصي لتطال كل أب وأم يوثقون حياة أطفالهم رغم اعتراض الصغار أحيانا. بالنسبة لأبنائي، اختلفت ردود أفعالهم، فابنتي مثلا رأت الفيلم في البداية بعين المراهقة المهتمة بمظهرها، ثم بدأت تدرك أبعادا أعمق مع الوقت، حتى شعرت بالفخر حين رأت صورها في مترو باريس، وأنا واثق أنها حين تشاهده بعد سنوات، سيترك فيها أثرا مختلفا.
إنتربرايز: كيف تشعر عندما تعرض الأفلام التي تحمل تفاصيل حياتك وعائلتك أمام المشاهدين في قاعات السينما؟
عبد المسيح : في أول عرض للفيلم، شعرت برغبة عارمة في الاختفاء. سألت نفسي لماذا فعلت هذا؟ هل أنا مجنون. لكن أشعر أنه بمجرد أن ينتهي المونتاج، ينفصل الفيلم عني ويعيش حياته الخاصة ويصبح ملك للجمهور، ولم يعد مسؤوليتي الشخصية. هي لحظة انفصال مؤلمة لكنها ضرورية.
إنتربرايز: ما يميز الأعمال الوثائقية العائلية عن التجارية هو العفوية، فهل ترى أن تلك الأعمال لا تزال قادرة على الحفاظ على جوهرها العفوي؟ وهل واجهتك لحظات شك خلال التجربة؟
عبد المسيح: في السينما، نحتاج للطريقتين، الأفلام التي تولد بفكرة مكتملة، وتلك التي تتشكل ملامحها بالبحث خلال الرحلة ذاتها. لعل أبرز لحظة اختبرت فيها هذا المسار كانت أثناء المونتاج، حين عرضنا نسخة أولية على ثلاثة متفرجين ولم يفهموا شيئا، فشعرنا باليأس وبأن سنوات العمل ضاعت. لكن منتجة الفيلم شاهدت النسخة لاحقا وأكدت لنا بحماس قوة العمل، ولولا هذا الإيمان بالشغل الجماعي ووجود رؤية خارجية واثقة، لربما تراجعنا عن كل ما أنجزناه في لحظة شك.
إنتربرايز: كيف يواجه المخرج المستقل معضلة التمويل، خاصة حين يقدم سينما لا تتقيد بالمعايير التجارية التقليدية؟
عبد المسيح: يظل التمويل هو العقبة الأكبر، فمن الصعب إقناع أي جهة بتمويل رحلة تجريبية تبدأ من دون خريطة طريق أو سيناريو مسبق، إذ تتشكل ملامح الفيلم النهائية عند خط النهاية. في هذه الحالة، لا يكون لديك منتج ملموس يمكن تسويقه، لذلك أتعاون في الأغلب مع شركاء يؤمنون برؤيتي أو يثقون في مساري السينمائي.
كما أنني لا أعيش من الفن بشكل مباشر، لذلك أعمل في مجالات أخرى حتى أتمكن من تمويل مشاريعي. هناك من يستطيع أن يقدم أعمالا تجارية جيدة بجودة ومستوى فني عال، لكن هذه ليست طريقتي. ما أحاول قوله هو ألا يضطر المبدع للتنازل عن رؤيته تحت ضغط التمويل.
إنتربرايز: تواجه الأفلام العربية أحيانا انتقادات بالسقوط في فخ محاولات استرضاء المهرجانات العالمية، كيف تحمي أفلامك من هذه الضغوط؟
عبد المسيح: لا أشغل بالي بهذا الأمر مطلقا، هدفي الوحيد هو صناعة فيلم حقيقي، دون محاولة إبراز عناصر معينة أو تجنب أخرى لإرضاء أي جهة، ولا أفكر في كيفية الوصول للمهرجانات أثناء العمل. أعتقد أن الفخ الحقيقي هو فخ ذهني يقع فيه صانع الأفلام حين يفقد صلته بواقعه، والحماية الوحيدة منه هي الإخلاص لرؤيته الذاتية دون تكلف.
إنتربرايز: نلاحظ أحيانا نجاح أفلام بشكل كبير لمجرد أنها تواكب قضية رائجة، هل تعتقد أن أهمية القضية قد تطغى على الجودة الفنية؟
عبد المسيح: لا أرى علاقة حتمية بين النجاح والجودة الفنية، فقد يحقق فيلم ما نجاحا لأن الجمهور يحتاج إلى مناقشة موضوعه في توقيت معين، بغض النظر عن مستواه الفني. الجودة عنصر واحد فقط بين عناصر عدة تساهم في نجاح العمل، ولا يمكن اختزال النجاح فيها وحدها، ما لم يلتق الفيلم مع سياقه الزمني واللحظة التي يعرض فيها. في المقابل، قد تكون هناك أعمال قوية جدا فنيا لكنها لا تجد الصدى الكافي لأنها لم تتقاطع مع اهتمامات الجمهور في توقيتها.
إنتربرايز: كيف تنظر إلى مستقبل الأفلام الوثائقية والأرشيف والذاكرة البصرية في عصر الذكاء الاصطناعي؟
عبد المسيح: نحن نمر بمرحلة شديدة الخطورة، الذكاء الاصطناعي سيخلق أزمة ثقة في علاقتنا بالواقع، لدرجة أن الأجيال القادمة قد لا تتمكن من التمييز بين الأرشيف الحقيقي والصور المولدة رقميا. هذه التكنولوجيا قادرة على تزييف الذاكرة الإنسانية بأكملها، وحتى في سياق النزاعات والحروب، نرى اليوم فيديوهات مصطنعة بالكامل تتداول كحقائق.
لم تعد عقولنا مهيأة بشكل كاف لكشف هذا التلاعب أو التفريق بين ما هو حقيقي وما هو مصطنع. لذلك أرى أن دورنا كفنانين وصحفيين أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى، ومسؤوليتنا هي الحفاظ على صلتنا بالماضي وتوثيق ما حدث فعلا وحمايته من التزييف.