💬 ليست القيادة موهبة فطرية يولد بها الجميع، بل هي مهارة تقويها الممارسة ويدعمها الوقت وتصقلها التجربة والخطأ. وفي هذه السلسلة القصيرة من نشرة إنتربرايز المسائية، نسأل أبرز اللاعبين في الصناعة عما يجعل من القائد العادي نموذجا عظيما. ويتحدث إلينا في عدد اليوم شيخ عمر سيلا، المدير القطري لمنطقة القرن الأفريقي لدى مؤسسة التمويل الدولية .
إنتربرايز: حدثنا عن روتينك اليومي؟
شيخ عمر سيلا: أحرص على الاستيقاظ في السابعة صباحا، بغض النظر عن موعد نومي. أبدأ يومي بالجري لمدة 30 دقيقة على جهاز الركض بينما استمع إلى آخر الأخبار، ثم أتناول وجبة الإفطار. لا أطالع هاتفي إلا بعد الانتهاء من روتيني الصباحي بالكامل، فأنا منضبط للغاية في هذا الشأن. يساعدني هذا النمط على الاستعداد الذهني لتلقي الأخبار والتعامل معها أيا كانت. أتبع هذا النظام منذ سبع سنوات، وقد ساعدني كثيرا في الحفاظ على طاقتي طوال اليوم.
قبل بدء مهام يومي، أراجع جدول أعمالي للاطلاع على الارتباطات المقبلة. من العادات التي أحرص عليها تخصيص ساعة على الأقل لنفسي ضمن الجدول أقضيها في تأمل النيل من شرفة المكتب، والتفكير في أمور مختلفة ومتابعة الأخبار. وبما أنني أدير أعمال المؤسسة في نحو عشر دول انطلاقا من مصر، أخطط لتحركاتي وجدولي الزمني لفترة لا تقل عن ثلاثة أشهر مقبلة بشكل مستمر. لذلك، إذا سألتني: "يا شيخ، ماذا ستفعل في فبراير أو مارس أو أبريل؟"، سأكون قادرا على الإجابة.
عادة ما يكون يومي حافلا بالمكالمات الداخلية والخارجية والاجتماعات، نظرا لجدول أعمالي المكثف للغاية. لذلك، أسعى دائما إلى الموازنة بين التواصل الداخلي واللقاءات الخارجية مع العملاء والجهات الحكومية، والوقت الذي أقضيه مع الزملاء لمناقشة مختلف القضايا.
إنتربرايز: هل هناك درس محدد في القيادة كنت تتمنى لو تعلمته في وقت مبكر من مسيرتك المهنية؟
سيلا: هناك قناعة أساسية أؤمن بها، وهي ألا تعطي انطباعا بأنك قادر على إدارة أي موقف بمفردك دون الدعم الكافي. كثيرا ما نسمع عبارات مثل: "نثق في خبرتك وقدرتك على تجاوز هذا الموقف"، وهنا قد يوقع بالقائد في فخ محاولة حل المشكلة بمفرده. الاستمرار في هذا النهج يضعك تحت ضغوط هائلة، ولا أرى أنه من الحكمة أن تتحمل كل شيء وحدك لمجرد أن الآخرين يرونك الشخص المناسب صاحب الخبرة.
إنتربرايز: كيف توازن بين التعاطف واتخاذ قرارات حاسمة؟
سيلا: أعتقد أن تبني التعاطف كنهج قائم على الانفتاح والاستماع والملاحظة يساعد كثيرا في اتخاذ القرار الصائب، إذ لا يمكن الاعتماد على البيانات كمحرك وحيد دائما، فالجانب الإنساني يشكل جزءا من الصورة الكلية.
إنتربرايز: ما هو نمط القيادة الأمثل في تقديرك، وما هو النهج الذي تتبعه شخصيا؟
سيلا: القيادة بالنسبة لي هي القدرة على اتخاذ القرار في التوقيت المناسب، شريطة أن يكون مبنيا على دراية شاملة بالقطاع وفريق العمل والسياق العام، إذ تعتبر منهجا متكاملا يتطلب من القائد الانفتاح على كافة المعطيات لضمان اتخاذ القرار الصائب.
نلتزم في مجموعة البنك الدولي بمراعاة قيم جوهرية، أعتقد أن كل منا مسؤول عن صونها. في تعاملي مع الزملاء، أؤمن بضرورة ترسيخ الثقة في التعامل منذ اللحظة الأولى. كما يجب أن تتسم أي مناقشة بالشفافية المطلوبة، لذلك يجب عليك دائما التعبير عن وجهة نظرك بوضوح لضمان الفهم الصحيح.
إنتربرايز: هل سبق وأن اتخذت قرارا لم يحقق النتائج المرجوة؟ وماذا تعلمت من ذلك؟
سيلا: الدرس الذي تعلمته هو الانضباط. ففي حال رأيت أن المشروع مجد، يجب علي التأكد من إمكانية تنفيذه بالدعم المناسب. أحاول دائما اتخاذ هذا القرار في مرحلة مبكرة، لتجنب استدراج العميل ومنحه آمالا كاذبة بتحقيق نتائج معينة، ثم العودة بعد ستة أشهر للاعتذار عن عدم تنفيذ المشروع. يساهم هذا النهج في الحد من المخاطر المحتملة بشكل كبير، لذا عندما أوافق على أي مشروع، أؤكد لزملائي أن التراجع يظل خيارا مطروحا ومقبولا، فالأهم دائما هو التحلي بالشفافية والصدق التام مع العميل، وهي خبرة وحكمة نكتسبها بمرور الوقت.
إنتربرايز: ما هي منهجيتك الخاصة للتعامل مع القرارات المصيرية في ظل نقص المعلومات؟
سيلا: أعتمد أولا بشكل كبير على الخبرات المتراكمة من عملي داخل المؤسسة وفي القطاع ككل. وعند غياب المعلومات الكاملة، من المهم تحديد الأشخاص القادرين على تقديم المشورة والدعم في جوانب محددة، فوجود خلفية كافية حتى وإن لم تكن مثالية يساعد على المضي قدما. ثانيا، يجب أن تتحلى بالشجاعة لتغيير المسار إذا تبين أن الأمور لا تسير في الاتجاه الصحيح، بدلا من التمسك بالقرار لمجرد اتخاذه.
إنتربرايز: كيف تتعامل مع الخلافات داخل فريقك؟
سيلا: الأمر يعتمد بالدرجة الأولى على منهجية اتخاذ القرار. في ما يخص النزاعات، هناك خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها، وتشمل المساس بالقيم المؤسسية مثل غياب العدالة أو التصرفات غير اللائقة أو تجاوز حدود الاحترام، تلك أمور لا أقبل المساومة فيها، والجميع يعرف موقفي منها بوضوح.
كما يعتمد الأمر على سهولة التواصل، فإذا حظيت بثقة فريقك، سيلجأون إليك طلبا للمشورة، لأنهم يعلمون أنك متاح دائما للنقاش في إطار من السرية. حينها، لا أقدم وجهة نظري بصفتي مدير وإنما إنسان. لهذا السبب، أحرص على مقابلة كل موظف جديد بغض النظر عن مستواه الوظيفي. ذلك يساعدني في التعرف عليه بشكل أفضل وشرح قيمنا الجوهرية ومفاتيح النجاح داخل المؤسسة، كما يساعده في فهم أساليب التطور داخل المؤسسة. يدعم ذلك الموظفين ويمكنهم من إيصال أصواتهم بشكل حقيقي.
إنتربرايز: ما النصيحة التي تقدمها لقادة المستقبل؟
القيادة ليست مسؤولية فردية، فأنا اليوم في موقع قيادي، ولكن لدي مدير مباشر، وهو بدوره مسؤول أمام جهة أخرى. لكل منا دور يؤديه في تحديد مسار العمل، ولا أعتقد أن القيادة تعني انعزال المدير ليتخذ القرارات كافة بمفرده. فرغم أنك صاحب القرار، إلا أنك تعمل ضمن منظومة متكاملة. ولذا، لا بد من ترسيخ مبدأ الشمولية في القيادة. لا أقول إن بلوغ الإجماع التام شرط أساسي دائما، فهذا النهج غير عملي، إذ يمكنك الاستماع إلى جميع الآراء، ولكن في مرحلة ما يجب عليك تحمل مسؤولية اتخاذ القرار. ومع ذلك، تبقى الشمولية أمرا في غاية الأهمية، فهي السبيل للوصول إلى أفضل القرارات.