إذا واجهت صعوبات خلال اليومين الماضيين في تصفح مواقعك الإلكترونية المفضلة، أو إتمام طلبات الشراء عبر الإنترنت، أو الوصول إلى حساباتك المصرفية، فالمرجح أن السبب يعود إلى الحرب الإقليمية الدائرة. إذ تعرض اثنان من مراكز البيانات الإقليمية الكبرى لانقطاع في الخدمات، ويبدو أن تعطل أحدهما جاء نتيجة سقوط شظايا جراء اعتراض طائرة مسيرة أو صاروخ.
وأكد بنك أبوظبي التجاري أمس أن خدماته المصرفية عبر الهاتف المحمول ومركز الاتصال صارت غير متاحة بسبب "اضطرابات إقليمية في خدمات تكنولوجيا المعلومات"، دون أن يحدد طبيعة هذه الاضطرابات. وكنا من بين المتضررين أيضا؛ فموقع إنتربرايز الإلكتروني واحد من الخدمات العديدة التي تستضيفها خوادم أمازون ويب سيرفيسز في الإمارات، وقد تعطل لساعات بعد اندلاع الحريق، لكننا تمكنا من إيجاد حل بديل بالأمس.
ما أهمية هذا الأمر؟ تعد أعطال مراكز البيانات في الإمارات والبحرين بمثابة جرس إنذار حقيقي للاقتصاد الرقمي للمنطقة، إذ كشفت أن تمركز هذه المراكز يشكل نقطة ضعف استراتيجية في البنية التحتية الحيوية تجاهلتها الأعمال بالمنطقة. كما تهز هذه الضربات صورة الخليج كمركز آمن للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مما يفرض إعادة تقييم شاملة للمخاطر الأمنية المادية في ظل استثمارات بمليارات الدولارات في مراكز البيانات في كل من الإمارات والسعودية.
ماذا حدث؟
اندلع حريق في أحد مراكز البيانات التابعة لشركة "أمازون ويب سيرفيسز" (AWS) في دبي صباح الأحد بعد أن اصطدمت به أجسام غير محددة، مما دفع إدارة الإطفاء المحلية إلى فصل التيار الكهربائي عن المنشأة بالكامل، بما في ذلك المولدات الاحتياطية. وتزامن هذا الحادث مع استهداف صواريخ باليستية إيرانية مواقع في عدد من دول الخليج، بما فيها الإمارات والبحرين.
هل الأمر بهذه البساطة؟ في الواقع، صُممت خدمات "AWS" بحيث تستمر في العمل حتى لو تعطل أحد مراكز البيانات، لكن العطل امتد إلى مجموعة ثانية من مراكز البيانات، مما أدى إلى عجز مزدوج تخطى أنظمة الحماية الاحتياطية المعتادة.
وفي الوقت ذاته، أدى انقطاع محدود للتيار الكهربائي في البحرين إلى توقف منطقة واحدة عن العمل، مما أدى بدوره إلى تعطل خوادم أخرى.
متى قد تعود الأمور إلى طبيعتها؟ وفقا لأحدث إفادة صدرت يوم الاثنين، من المتوقع أن تستغرق عملية إعادة التشغيل الكامل للمنطقتين المتضررتين يوما إضافيا على الأقل، إذ تخضع أنظمة التبريد والطاقة للإصلاحات حاليا.
وبناء على التحديث الأخير الصادر يوم الاثنين، فمن المتوقع أن يستغرق إصلاح مجمعي مراكز البيانات المتضررين يوما واحدا على الأقل، كما تخضع معدات التبريد والطاقة للإصلاحات.
من تضرر أيضا من تلك الأعطال؟
دائما ما تسلط أمازون ويب سيرفيسز والشركات والبنوك الضوء على بنيتها التحتية عند إبرام العقود، وتغرق صناديق البريد الإلكتروني للوكالات بالبيانات الصحفية (ولا يقتصر الأمر عليها، بل ينطبق أيضا على شركات أخرى مثل مايكروسوفت). لكن هذه الجهات تلتزم الصمت إزاء تفاصيل التجهيزات التقنية، مرجعة ذلك إلى مخاوف تتعلق بأمن البنية التحتية.
ومع ذلك، فمن المعروف أن الذراع السحابية لشركة أمازون تمثل الشريك المفضل للعديد من البنوك، والمؤسسات المالية، والمنصات الرقمية، والهيئات الحكومية المحلية، وشركات الخدمات اللوجستية في جميع أنحاء المنطقة، إذ تعتمد جهات كثيرة بدرجة كبيرة على خدماتها الرئيسية. وقد أدى انقطاع الخدمة في دبي والبحرين إلى إبلاغ العديد من العملاء عن توقف خدماتهم الرئيسية بالكامل، في حين أشار آخرون إلى تراجع ملحوظ في جودة الخدمة.
دلالات الأزمة
تشير تلك الأزمة إلى مسألة تتعلق بالتطور الحالي الذي نشهده، ففي الصراعات الإقليمية صارت مراكز البيانات والبنية التحتية للطاقة الداعمة لها تُستهدف على غرار منشآت النفط والغاز. إذ إن تعطيل هذه المراكز طريقة سريعة للتسبب في اضطرابات بالخدمات الحكومية وخدمات الشركات والمؤسسات المالية، مما يرفع من تكلفة الصراع؛ وهو أمر تبدو طهران حريصة عليه.
الرؤية باتت أوضح: في تصريح لإنتربرايز قال طارق طهبوب، الرئيس التقني لشركة إنجيجسوفت، إن الشركات من المفترض أنها باتت تدرك جيدا أهمية تشغيل تطبيقاتها وخدماتها عبر مناطق متعددة لتجنب تأثرها في المستقبل. وخير دليل على ذلك أن الشركات والجهات الحكومية التي تعتمد على خدمات احتياطية لأمازون ويب سيرفيسز في مناطق متعددة لم تتأثر بالأعطال الأخيرة.
لكن يتسم قطاع مراكز البيانات حاليا بدرجة كبيرة من المركزية، حسبما قال حسام سالم، الرئيس التنفيذي لشركة رمال السعودية لتصميم أشباه الموصلات، في تصريحات لنشرة إنتربرايز، مضيفا أن عددا قليلا من الشركات تسيطر على معظم قدرات مراكز البيانات القائمة.
وتسهم اللوائح التنظيمية إلى جانب الضغوط غير المعلنة المتعلقة بالسيادة على البيانات في استمرار هذا الوضع. فلدى حكومات المنطقة أسباب عديدة تدفعها للحرص على إبقاء البيانات الخاصة ببلدانها وسكانها وشركاتها داخل حدودها الوطنية. وفي منطقتنا، لا تتمثل القضية الأبرز اليوم في "خصوصية البيانات" كما هو الحال في الدول الغربية، بل تتركز حول مكان تخزين هذه البيانات والجهات التي تملك صلاحية الوصول إليها.
فكرة المجمعات لها مزايا.. وعيوب أيضا: نظرا للمتطلبات الاقتصادية لتطوير البنى التحتية واسعة النطاق للذكاء الاصطناعي، تتجه الدول نحو إنشاء مجمعات تتلقى إمدادات ضخمة من الطاقة وتتركز فيها قدرات التبريد والاتصال عبر الألياف الضوئية، وذلك لزيادة الكفاءة إلى أقصى حد ممكن، حسبما أوضح جيسي ماركس، الرئيس التنفيذي لشركة رحلة للأبحاث والاستشارات، في مذكرة بحثية. ورغم أن هذا الخيار أكثر جدوى من الناحية الاقتصادية، فإن ضربة واحدة يمكن أن تسقط منظومة كاملة على هذا النحو، كما يتجلى في انقطاع خدمات أمازون ويب سيرفيسز، مما يثير تساؤلات حول مجمعات الذكاء الاصطناعي العديدة التي يجري إنشاؤها حاليا، وكيف سيعمل مطوروها على تأمين بناها التحتية وتلافي عيوب التصميمات.
لن يستمر هذا الوضع طويلا: يرى سالم أن هذه المركزية ستتغير في المستقبل القريب مع تشغيل المزيد من مراكز البيانات في جميع أنحاء المنطقة. كما أشار ماركس إلى أن دول الخليج قد تلجأ أيضا إلى إضافة أطر في عقودها الحالية مع الشركات الكبرى المزودة للخدمات واسعة النطاق، لتتيح نقل الأنظمة الحيوية إلى منشآت آمنة في الدول الحليفة في غضون دقائق من حدوث أي انقطاع.
السياق
بات وضع المخاطر الأمنية التي تهدد البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في الاعتبار ضرورة قصوى اليوم إذا أرادت السعودية والإمارات تحقيق طموحاتهما في التحول إلى مركزين عالميين للحوسبة. ومن المتوقع أن يقفز حجم سوق مراكز البيانات في دول الخليج إلى 9.5 مليار دولار بحلول 2030، مدعوما بتدفقات الاستثمارات السيادية إلى البنية التحتية الفائقة النطاق للذكاء الاصطناعي، وتقود هذا التوجه شركة "هيوماين" التابعة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي، وشركة "جي 42" الإماراتية. وكان مقررا أن تدخل مراكز بيانات "هيوماين" — التي لا تزال قيد الإنشاء — الخدمة هذا العام.
وكان الاستقرار الإقليمي كلمة السر في جذب استثمارات الذكاء الاصطناعي إلى المنطقة — لكن هذا الواقع تغير الآن، على الأقل في الوقت الراهن. ويقول ماركس لإنتربرايز: "التحدي الأكبر الآن يكمن في ضمان أن البنية التحتية الرقمية التي يشيّدونها تحظى بنفس مستوى الحماية الاستراتيجية التي لطالما وفروها لأصولهم في قطاع الطاقة".