🍴 تجارب قصيرة وتأثير ممتد: شهدت ظاهرة المطاعم المؤقتة وتجارب الطهي الفريدة رواجا عالميا ملحوظا، إذ حققت نموا بنسبة105% في الولايات المتحدة خلال عام واحد عقب الجائحة. وفي مصر، اجتذبت هذه الظاهرة رواد القطاع وحققت نموا كبيرا أيضا. وحتى مع استقرار الأحوال بعد الجائحة، استمرت صناعة المطاعم المؤقتة في الازدهار. في القاهرة الكبرى، اجتذبت مفاهيم تناول الطعام المؤقتة ومطاعم “البوب أب” اهتمام عشاق الطعام ورواد صناعته في آن واحد.
مثال من أم الدنيا: اعتادت مزرعة نيتشروركس المتخصصة في الزراعة المستدامة، على استضافة حفلات عشاء مؤقتة بالتعاون مع أشهر الطهاة في مصر والعالم، مثل مصطفى سيف من مطعم خوفو، والشيف العالمي الحائز على جوائز عرفان مالك، ورائد الأعمال في مجال الطهي وسام مسعود.
قد يتساءل البعض، لم قد يهتم هؤلاء الرواد بحضور حفل عشاء مؤقت؟ الإجابة بسيطة وإنسانية بامتياز: الشغف. “كنت أرغب حقا في مساحة للإبداع”، حسبما قال مسعود لإنتربرايز، مستعيدا ذكريات التجارب الشبيهة مع أيمن سمير من مطعم عالحطب ومصطفى الرفاعي من مطعم زووبا الشهير. “فكرتي لهم كانت بسيطة: دعونا نجعلها تجربة ترضي إبداعنا، وإذا غطت تكاليف الموظفين والمكونات، خير وبركة”، بحسب مسعود، الذي تمثل المطاعم المؤقتة بالنسبة له وسيلة لتجربة أطباق جديدة مبتكرة بحرية، وفي الوقت ذاته توفر مساحة للتواصل والاحتكاك المباشر برواد المطعم.
.. لكن، الشغف تجاه فكرة لا يعني تجاهل عامل الربح فيها. إن لم تحقق المطاعم المؤقتة ربحا في وقت معين، فلابد أن هناك خطب ما، حسبما يؤكد مسعود. تجربة تقديم الطعام لعدد محدد من الضيوف خلال فترة زمنية محددة هي تجربة يمكن التنبؤ بها بشكل كبير، إذ تصبح إمدادات الطعام والحضور والتكاليف الثابتة متغيرات يسهل التحكم فيها. في نهاية الأمر، يظل هذا النوع من المطاعم استثمارا لصاحبه، وبمجرد أن يتقن صاحب المطعم أساسيات العمل ويضع توقعات واقعية، يمكنه تغطية التكاليف أو حتى تحقيق ربح من أول مرة، وفقا لما قالته أمنية عادل، مؤسسة سلسلة المطاعم المؤقتة كالتشر أون أ بليت.
أسبوع القاهرة للطعام ونقطة التحول: في 2023، أطلقت مجموعة فليفور ريبابلك أسبوع القاهرة للطعام، بهدف تسليط الضوء على مشهد الطعام المحلي من خلال التعاون مع طهاة عالميين مرموقين. وكانت النتيجة حفلات عشاء مؤقتة في مختلف أنحاء القاهرة، وفي أماكن لها اسمها أوقفت أعمالها خصيصا للمشاركة في الحدث. كان الأمر يتعلق بتسليط الضوء على ما تزخر به الثقافة المصرية من جمال ومدى شغف طهاتها بفن الطهي، حسبما قالت المؤسسة المشاركة لأسبوع القاهرة للطعام هدى الشريف لإنتربرايز.
نجاح تلو الآخر: شهدت نسخة 2024 نجاحا أكبر حتى من سابقتها، إذ انتشرت حفلات العشاء عبر العاصمة لتشمل مواقع مثيرة مثل المتحف المصري الكبير. شهدت كذلك إطلاق سوق وين وي إيت، والذي شكل حلقة وصل جمعت أبرز المنتجين والمبتكرين في عالم الطهي. وفي 2025، أعلنت فليفور ريبابلك عن مقهى ذا كورنر شوب في ممر كوداك بوسط البلد، والذي فتح أبوابه لمدة شهر مقدما أطباقا مميزة من إعداد طهاة مختلفين، إلى جانب قائم طعام تضم أطباقا كلاسيكية مصرية وأجواء مرحبة وديكورات ترتاح لها الأعين.
التغيير سنة الحياة، ولكنه مكلف: تستفيد المطاعم التقليدية من ثبات عملياتها، فالمطبخ يبقى كما هو وكذلك سير العمل والمعدات. أما المطاعم المؤقتة، فنادرا ما تشغل المكان نفسه مرتين، ما يتطلب التكيف مع المساحات واللوائح المختلفة في كل مرة.
رغم ذلك، قد يصبح التغيير ميزة لا عيبا، بحسب ما قالته عادل. صممت المطاعم المؤقتة لتقديم تجربة مختلفة وحصرية تعلق ذكراها في ذهن الضيف فلا ينساها. ولأن التغيير يمنح المطاعم التقليدية ميزة تنافسية، تتبنى مؤسسة مطعم جراسياس الشهير بيريهان صالح هذا المفهوم، فلا تكرر قائمة طعامها أبدا، بل تعد أطباقا فريدة كل فترة بمكونات تستوردها خلال رحلاتها إلى الخارج.
المكان ثم المكان: يمثل مشروع ذا إيرلي بيرد كلوب تجربة مختلفة بتحديات مغايرة. شارك أكرم لطفي من أسبوع القاهرة للطعام وريمخميس مديرة المحتوى في فليفور ريبابلك في تأسيس هذا المشروع معا، ويقوم المفهوم على استضافة إفطار مميز في مكان مختلف بمنيو مختلف أيام السبت من كل أسبوع، وهو ما يجعل اختيار الموقع أمرا بالغ الأهمية. “بعض الأماكن مجهزة بشكل رائع، وقد تكون الأسهل للطهي فيها، لكنها تفتقر إلى الأجواء المناسبة التي نبحث عنها”، حسبما يرى الاثنان. يمنح لطفي وخميس الأولوية لجمال الموقع وأجوائه العامة على حساب سهولة التشغيل، حتى لا يتنازلا عن هوية النادي الحصرية كوجهة إفطار مبتكرة في أجواء هادئة واجتماعية.
ماذا يجني رواد المطعم من كل ذلك؟ الإجابة بسيطة: التجربة الفريدة. “الجميع يبحث عن موضوع للحديث وعن تجربة فريدة لمشاركتها مع الآخرين”، حسبما ترى عادل. كما أن شعور الخوف من تفويت الأمور (الفومو) يلعب دورا رئيسيا أيضا كدافع للمشاركة في هذه التجارب، وفقا لمسعود. لكن عامل الجذب الأهم والأعمق يكمن في التفرد حقا، حسبما أضاف.
هل تعد المطاعم المؤقتة تجارب تمهيدية لمشاريع مطاعم دائمة؟ حسنا، نكره أن نخيب آمال محبي المقهى اللطيف الذي ظهر مؤقتا في وسط البلد الربيع الماضي ولكن الدلائل تشير إلى عكس ذلك. تدير صالح مطعم جراسياس بالتزامن مع استمرارها في سلسلة مطاعمها المؤقتة، وقد أسس مسعود محفظة مشاريع متنوعة ولكنه لا يزال ملتزما بتجارب تناول الطعام المؤقت. أما عادل، فتهدف عبر مشروعها إلى تعزيز التواصل الإنساني لا تأسيس مطعم مستقر مستقبلا. في الوقت ذاته، يحافظ خميس ولطفي على مسيرة مهنية ناجحة في عالم الطهي إلى جانب إيرلي بيرد كلوب.
تعد المطاعم المؤقتة مشاريع مستقلة بحد ذاتها، وليست مجرد خطوات تمهيدية نحو تحقيق طموحات تجارية راسخة. فهي في جوهرها تلبي رغبة إنسانية جميلة تتجاوز الحسابات والأرقام: التوق إلى التواصل الإنساني والشغف بفنون الطهي، مجسدا في أمسية فريدة لا تنسى.