? البطء.. الحياة تستحق أن تعاش على مهل: في أولى رواياته باللغة الفرنسية، يحلل الكاتب التشيكي الفرنسي الراحل ميلان كونديرا الحياة من منظور رجل يرى في التأني جمال يفوق كل شيء. ينتقد كونديرا من خلال حكاية زوجين معاصرين وقصة حب عتيقة السرعة التي باتت تأخذ من كل شيء معناه.
الحبكة: تبدأ الرواية بمشهد يجمع زوجين في سيارة عالقة بالزحام في طريقهما إلى سهرة مميزة بفندق فخم وعتيق. يتأمل الزوج (وهو الراوي) تعجل السائقين من حوله الذين لا يطيقون صبرا حتى ولو لبضع دقائق. ويأخذ من هذا الموقف الصغير منطلقا للحديث عن سرعة كل شيء، وكيف أنها تمحو معها متعة ما يقوم به الإنسان في حياته. يتنقل كونديرا في السرد بين حكاية الزوجين المعاصرين، وحكاية الفارس النبيل الذي يقضي ليلة عابرة شاعرية مع مدام دي تي، وذلك في فرنسا القرن الثامن عشر.
نقد السرعة اللعينة: في حكاية تمتد لا تتجاوز 120 صفحة، يربط كونديرا مفهوم البطء بالذاكرة. الإنسان الذي لا يتعجل ما يفعله أكثر قدرة على الاحتفاظ بذكرياته، بينما تمثل السرعة الوجه الآخر للنسيان. ومع أن الرواية كتبت منتصف التسعينات، إلا أنها معبرة عن العصر الحالي أكثر من أي وقت مضى. ففي زمن السوشيال ميديا والدووم سكرولينج والمحتوى السريع الزائل الذي لا ينتهي، تتعالى الأصوات لتقدير الحياة الهادئة البسيطة البطيئة أكثر فأكثر. ترى الأجيال الشابة أن السرعة التي أصبحت جزء من الحياة، هي العدو الأول للصحة النفسية، والذي ينبغي أن نتصدى له بمزيد من البطء والتأني.
من إحدى المقاربات التي قدمها كونديرا في هذه الرواية، كان استخدامه لمفاهيم الجري وركوب السيارة كمنطلق لفهم تأثير السرعة والحداثة والتكنولوجيا علينا. يرى الكاتب أن ممارسة الجري هي فعل بطء رغم ما قد يبدو عليه، إذ تأخذ الإنسان خارج حدود الوقت وتزيده ارتباطا بجسده وعقله. ذلك قبل أن يأتي اختراع العجلة والسيارة التي حرمت الإنسان من هذه الممارسة، وزادت من نفاد صبره ورغبته في الوصول إلى وجهته بسرعة أكبر ليس إلا. لذا ليس من الغريب أن تنتشر ثقافة المشاركة في سباقات الجري (الماراثونات) بين الأجيال الأصغر ويزداد إقبالهم عليها حتى هنا في مصر، في محاولة لإيقاف سرعة الزمن الجنونية والتواصل مع العقل والجسد.
تأملات فلسفية مشتتة: تتسم الرواية بالمزج بين التأملات الفلسفية الأقرب إلى ملاحظات مشتتة هنا وهناك، وما بين السرد القصصي الذي ربما لا يكون الأفضل من بين ما قرأناه لكونديرا. ورغم ذلك، نجح طلعت الشايب في تقديم ترجمة مخصصة لدار هنداوي على أعلى مستوى، ساعدت في توصيل أفكار الكاتب دون تعقيد وبلغة متقنة.
وفي النهاية تبقى هذه الرواية، رغم ما قد يشوبها من عيوب وتعقيد، قراءة مهمة ومرتبطة بواقع أجيال لا تزال تعاني من الشتات والإرهاق وهي تحاول اقتباس الوقت قبل أن يهرب من بين أيديهم.
أين تقرأونها: يمكن شراء النسخة المترجمة إلى العربية من عصير الكتب، أو تحميل النسخة المجانية المتاحة رقميا عبر مؤسسة هنداوي.