افتتاح المتحف المصري الكبير يمثل لحظة فارقة لفريق كامل من المرممين المصريين الذين أمضوا سنوات في ترميم بقايا الاكتشافات التي خلدت إرث واحدة من أقدم الحضارات في العالم. بعد آلاف السنين، وبعد الصمود والخلود، جاء الأحفاد ليزيحوا غبار الزمن ويعيدوا الحياة إلى القطع الأثرية التي تقف اليوم شامخة، تروي قصة ماض مجيد.

تحتضن مصر اليوم أكبر مركز ترميم في العالم، يمتد على مساحة 32 فدانا ويضم 18 معملا متطورا مزودا بأحدث التقنيات المصممة لإعادة القطع المكتشفة أو المنقولة إلى أفضل حالاتها الممكنة، وبعناية علمية دقيقة، حسبما صرح المدير التنفيذي لمشروع ترميم المتحف المصري الكبير الدكتور عيسى زيدان لإنتربرايز.

كل قطعة أثرية تخوض رحلة ما بعد الاكتشاف تحت إشراف خبراء، منذ لحظة خروجها من المقبرة التي وجدت فيها، وحتى وصولها إلى مركز الترميم، إذ تحدد فرق العمل إجراءات ومكونات وأساليب الترميم اللازمة لإعادتها إلى الحياة، بحسب زيدان.

“حملت بيدي أثمن كنز في العالم — قناع توت عنخ آمون الذهبي — وشاهدته وهو يستقر على عرشه الأبدي داخل المتحف المصري الكبير. إنها تجربة لا تتكرر مرتين في العمر”، بحسب زيدان الذي وصف رؤيته للمتحف وهو يفتح أبوابه رسميا أخيرا بأنها لحظة فخر لا توصف.

كيف تجري أعمال الترميم -

“الترميم يشبه إلى حد كبير الرعاية الطبية”، بحسب زيدان. فكل قطعة أثرية تدرس علميا أولا، ثم يقرر لها خطة علاج مخصصة قبل إرسالها إلى المعمل المختص، سواء كان مختصا بقطع الآثار الخشبية أو الحجارة أو البقايا البشرية أو التماثيل الضخمة.

أعاد مركز الترميم حتى الآن ترميم 57 ألف قطعة من أصل 100 ألف يحتضنها المتحف، وهي أكبر عملية ترميم تجرى في موقع واحد على الإطلاق، وفقا لزيدان. ويعد المركز هو الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط، وقد بني على عمق 10 أمتار تحت الأرض بمساحة 12.3 ألف متر مربع، بينما تمتد مخازن المتحف على مساحة إضافية تبلغ 3.4 آلاف متر مربع.

يعد ترميم مجموعة توت عنخ آمون من أبرز وأهم الإنجازات، باعتبارها المجموعة الأكبر في التاريخ إذ استغرقت عامين ونصف لإتمامها. ومن بين الإنجازات الأخرى سفينتا الشمس للملك خوفو، والتي تعرض إحداها بالفعل، بينما سيبدأ العمل على ترميم الثانية خلال أيام ما يتيح للزوار مشاهدة العملية عن قرب في تجربة فريدة من نوعها.

تصدير الخبرات الترميمية -

تسعى مصر إلى أن تصبح مركزا إقليميا لعلوم الترميم، إذ تخطط لتصدير خبراتها إلى العالم من خلال الأبحاث والتدريب والشراكات الأكاديمية، بحسب زيدان. وقد أجرى مركز ترميم المتحف المصري الكبير بالفعل برامج تدريبية في السعودية، شملت نحو 60 باحثا في مجالات الترميم والتوثيق وتقنيات العرض المتحفي، إلى جانب برامج مماثلة في سلطنة عمان.

يتولى 126 مهندس ترميم تنفيذ جميع أعمال الترميم داخل المتحف وفقا لأعلى المعايير العلمية، بعد تلقيهم تدريبا متخصصا في كلا من مصر واليابان والولايات المتحدة على أحدث تقنيات الترميم.

“لكل قطعة أثرية طبيعتها الخاصة"، حسبما قال زيدان، مضيفا أن بعضها يحتاج أياما لترميمه، بينما يتطلب البعض الآخر شهورا من العمل الدقيق والصبور، باستخدام أدوات تحافظ على أصالة القطعة وتعيد إليها الحياة.

يشدد زيدان أن جميع أعمال الترميم تجرى بأيادٍ مصرية بالكامل، مع مشاركة محدودة من شركات محلية في نقل القطع الأثرية بسبب المعدات المطلوبة وتحت إشراف كامل من فريق الترميم بالمتحف.

كل قطعة أثرية معروضة في المتحف المصري الكبير خضعت لعمليات ترميم دقيقة، بما في ذلك عدد من القاعات الفريدة مثل قاعة الدولة القديمة التي تضم أربعة كهوف معاد بناؤها تعرض آثارا تحت الماء وقطعا من دير المدينة، بحسب زيدان.