تتطلب مهمة تنظيم حفل افتتاح لحدث استثنائي بحجم المتحف المصري الكبير قدرا هائلا من الدقة والتخطيط لا يُستهان بهما. نظرا إلى أن المتحف في جوهره يمثل استعادة لسردية حضارة صمدت لآلاف السنين، ولا تزال تلقي بظلالها على حاضرنا. ومن المؤكد أن حدثا بهذه الضخامة من شأنه أن يواجه تحديات لوجستية وإبداعية هائلة، والأمر يتطلب إلى ترجمة الرؤية إلى واقع ملموس عبر تنسيق مكثف بين تخصصات متعددة — لكل منها متطلباته المعقدة.
وتحتاج عملية التخطيط جهودا دؤوبة من فرق عدة تعمل معا تحت ضغط هائل وجداول زمنية ضيقة، لا سيما أن موقع إقامة الحدث يمتد على محيط شاسع، داخل وخارج المتحف، وأمام مئات من كبار الضيوف — أضف إلى كل هذا أنه يُنقل على الهواء مباشرة عبر عشرات من الشبكات الدولية.
وفي الأيام التي سبقت الافتتاح الرسمي للمتحف المصري الكبير، كانت كل هذه الاعتبارات حاضرة في أذهان المتابعين في مصر. ثم حان الموعد المنتظر في يوم السبت 1 نوفمبر 2025، حينما أثبت نجاح الحفل أن التخطيط المحكم قادر على تحويل التحديات إلى إنجازات.
الدخول العظيم -
الموكب الافتتاحي: بملابس مستوحاة من الأزياء المصرية القديمة حملت توقيع مصمما الأزياء مي جلال وخالد عزام، احتشد مئات المصريين المشاركين في هضبة الجيزة. تقدم الموكب الفنانون أحمد مالك، وهدى المفتي، وأحمد غزي، وسلمى أبو ضيف، إلى جانب الرياضيين المصريين العالميين أحمد الجندي وفريال أشرف وفريدة عثمان، الذين ظهروا بالأزياء المصرية القديمة حاملين رمز "العنخ" — رمز مفتاح الحياة — على صدورهم، بينما بدأ عزف الأوركسترا المؤلفة من 120 عازفا، لتُضاء رسالة في السماء تحمل شعار الحفل: "مرحبا بكم في أرض السلام".
"أنظر اليوم حولي لأجدني أعيش في حضرة الحلم وقد أصبح حقيقة، ولا أخفي عليكم أنني كنت أعيش من أجل هذه اللحظة". تنتقل الشاشة بعد ذلك إلى وجه مألوف، يتذكره المصريون جيدا: وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني، ذلك الفنان التشكيلي الذي أبصر بمخيلته المتحف المصري الكبير منذ سنوات، فكان أول من نادى بإنشائه ليكون قبلة لمحبي التاريخ والآثار في العالم. ألقى حسني خطابا مؤثرا، أشار فيه إلى الجهود والرؤى والأحلام التي شكلت المتحف المصري الكبير وحولته إلى واقع ملموس بأيدي أبناء مصر اليوم.
قاد العرض الموسيقي المؤلف هشام نزيه ومايسترو دار الأوبرا المصرية ناير ناجي، وافتتحته الأوركسترا بعزف "Fanfares for the Jubilee by Rimsky-Korsakov"، وهي مقطوعة من القرن التاسع عشر ألفها ألكسندر جلازونوف وأناتولي ليدوف تكريما لأستاذهما مؤلف الموسيقى الروسي ريمسكي كورساكوف. ثم انتقلوا إلى مقطوعة بول دوكا "Fanfare pour précéder La Péri"، وهي عبارة عن مقدمة لباليه من فصل واحد، واستخدمت في الحفل لتدشين مراسم الافتتاح الكبرى.
ثم عزفت الأوركسترا "Fanfare for the Common Man" للمؤلف الأمريكي آرون كوبلاند، المستوحاة من خطاب نائب الرئيس الأمريكي هنري والاس عام 1942 الذي أعلن فيه أن القرن العشرين هو "قرن الإنسان العادي". جاءت هذه المقطوعات الروسية والفرنسية والأمريكية بوصفها مقدمة للمقطوعة الأخيرة المُحببة: "أنا المصري"، من تأليف سيد درويش وتوزيع ناير ناجي، وهي ترنيمة متجذرة في الوجدان المصري تعبر عن المجد والفخر والانتماء.
وفي أعقاب مراسم وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي وقرينته السيدة انتصار السيسي واستقباله قادة العالم، عزفت الأوركسترا مقطوعة موكب الكهنة من أوبرا موتسارت "الناي السحري"، التي تستحضر رمزي الإلهين إيزيس وأوزوريس، لتبدأ بعدها المراسم رسميا بشعار يتردد في أرجاء المتحف: "سلام من أرض السلام".
عرض عالمي شاهده العالم بأسره -
مع انطفاء الأنوار، صعدت السوبرانو المصرية ومغنية مسرح برودواي شيرين طارق إلى المسرح بصوت أوبرالي يعيد إلى الأذهان أصداء المعابد المصرية القديمة. وسرعان ما انضمت إليها فرق موسيقية وموكب من طوكيو وباريس وريو دي جانيرو ونيويورك، في أداء جماعي عالمي بعنوان The World Plays One Melody (العالم يعزف لحنا واحدا) يجسد وحدة الفنون والثقافات.
الرسالة كانت واضحة: "الفن هو اللغة التي توحد الإنسانية"، بهذه الكلمات عبرت النجمة المصرية شريهان عن جوهر الحدث، ومع استمرار شيرين طارق في أداء النوتة الأخيرة، بدأت شريهان في سرد التاريخ المصري، وفي الخلفية كان عرض ضوئي متطور يرسم نجوما وأهرامات عبر سماء الليل. وفي عودة طال انتظارها إلى المسرح، أطلت النجمة المصرية بصحبة راقصين يؤدون عرضا على أنغام مقطوعة أوركسترالية بديعة الجمال.
ثم ظهرت الممثلة الشابة ياسمينا العبد لتعلن: "أتيت من الغد، أحمل آلاف السنين خلفي… وأمامي مستقبل مضيء". وعبرت كلماتها عن رسالة الاحتفالية حول السلام، إذ قالت: "سلامنا اليوم هو حضارتنا غدا". تبع ذلك عرض بصري لأهم معالم مصر التاريخية في صحبة فرقة استعراضية بملابس تقليدية — من أهرامات الجيزة إلى معابد حتشبسوت وفيلة وأبو سمبل والأقصر، ثم مُزج هذا العرض بمجموعة من الأنغام المألوفة، التي تداخلت مع بعضها بأسلوب فني بديع.
وصاحب هذه الجوقة الموسيقية أغان قبطية وأناشيد صوفية، ثم انتقل المشهد بعدها إلى معالم التاريخ المصري الحديث — كنيسة مارجرجس، والقلعة، وشارع المعز، وقصر عابدين، وقصر الجزيرة، وفندق وندسور بالأقصر، وفندق كتراكت بأسوان، وصولا إلى أحدث معالم البلاد: العاصمة الإدارية الجديدة.
كلمة الرئيس والافتتاح الرسمي: ومع ختام العزف، ألقى الرئيس السيسي كلمته قائلا: “إن مصر أقدم دولة عرفها التاريخ، هنا خطت الحضارة أول حروفها، وشهدت الدنيا ميلاد الفن والفكر والكتابة والعقيدة". وأضاف: "نكتب اليوم فصلا جديدا من تاريخ الحاضر والمستقبل".
وبعدها أزاح الرئيس الستار الرمزي الأخير عن نموذج مصغر للمتحف الكبير، إيذانا بافتتاحه رسميا، لتضيء أنواره وسط عزف الأوركسترا وانطلاق الألعاب النارية في سماء الجيزة أمام جمهور عالمي.
وعقب هذا المشهد، أدت السوبرانو المصرية فاطمة سعيد مقطوعة جديدة من تأليف هشام نزيه بمشاركة الممثل الصغير آسر أحمد حمدي، تناولت تاريخ المسلات المصرية، من نحتها في العصور القديمة إلى نقلها لعواصم أوروبا.
ومع استمرار الموسيقى، أضيئت المسلات في القاهرة وباريس وروما ولندن في آن واحد، مما يرمز إلى ارتباطها بجذورها المصرية. ثم انضم التينور المصري رجاء الدين إلى سعيد في أداء يجسد سيرة الملك رمسيس الثاني، الذي وقّع أول معاهدة سلام في التاريخ، مع تكريم لزوجته نفرتاري التي نقش لها على جدران معبد أبو سمبل عبارة "هي التي من أجلها تشرق الشمس".
وأعقب هذا مشهد لغمْر المتحف بالمياه في محاكاة لأعماق البحر المتوسط، مع صوت سعيد بينما يسرد إنجازات الإسكندر الأكبر والمدينة الساحلية العظيمة التي أسسها في مصر. تحولت الجدران إلى اللون الأزرق، وانتشر فنانو العروض الجوية في أنحاء المكان، بينما كان آسر يصعد الدرج العظيم، متأملا التماثيل الفرعونية التي انتُشلت من أعماق البحر المتوسط، على أنغام العود والترانيم الكورالية.
ومع ختام هذا الجزأ، عاد سعيد للحديث عن "قوانين ماعت" — أول منظومة قوانين في التاريخ — وعن إنجازات المصريين العلمية والثقافية والفنية. تلتها عازفتا الكمان الشقيقتان أميرة ومريم أبو زهرة في أداء مباشر مع الأوركسترا.
تحية إلى النيل: تلت هذه المقطوعة، فقرة بعنوان "النيل أصل الحكاية"، ردد فيها صوت المذيع قسم قدماء المصريين المنصوص في قانون ماعت: "لن ألوث مياه النيل، لن أحجب مجراه. أعقبها أداء نوبي على العود للمغني أحمد إسماعيل، تلاه غناء الفنانة حنين الشاطر بالعربية، بينما يرقص الراقصون حاملين زهور اللوتس.
الرحلة الأخيرة: سلط الضوء بعدها على مراكب الشمس الخاصة بالملك خوفو، التي حملته في رحلته الأخيرة، لتظهر في عرض ضوئي يحاكي تحليقها فوق المتحف على أنغام الأوركسترا وصوت شيرين طارق.
الختام -
اختتم الحفل بتكريم حسين عبد الرسول، الصبي المصري الذي قاد بالصدفة إلى اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون في القرن العشرين، برواية صوتية للفنان كريم عبد العزيز تسرد أصل حكاية اكتشاف المقبرة، التي لم يعثر عليها هوارد كارتر في البداية، بل صبي كان يحمل الماء من الأقصر.
وكان هذا التكريم بمثابة مسك الختام لحفل افتتاح المتحف المصري الكبير. ثم ظهر قناع الملك توت الذهبي معلقا في سماء المتحف بينما يختتم الراقصون عروضهم، وتتعالى أصوات السوبرانو والتينور بلغات متعددة. أضاءت الألعاب النارية السماء مجددا، معلنة ختام أمسية تاريخية لا تنسى.