? "ذات" تقرأ التحولات السياسية والاجتماعية في مصر المعاصرة: صدرت رواية " ذات " للكاتب المصري الراحل صنع الله إبراهيم عام 1992 في نحو 350 صفحة، وهي عمل أدبي يتناول قصة مجتمع وليس مجرد حياة شخصية واحدة. أثارت الرواية فور ظهورها موجات من الاحتفاء والانتقاد على حد سواء، من تقدير لجرأتها الفنية وإشادة بقدرة الكاتب على تحويل السرد اليومي إلى مرايا اجتماعية حادة، إلى انتقاد لأسلوبها الوثائقي ونبرتها الساخرة القاسية.

**لينكات إنتربرايز فقط تظهر على الإيميل، اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها مصحوبة بكل الروابط**

الحبكة: ذات امرأة مصرية من الطبقة المتوسطة الدنيا، نعيش معها مراحل حياتها على امتداد عقود منذ مولدها في خمسينات القرن العشرين وحتى نهاياته في التسعينات، من الدراسة إلى الزواج بموظف البنك عبد المجيد والإنجاب وممارسة الأمومة، ومواجهة كل الأسئلة التي تحاصرها عن ذاتها وموقعها في مصر خلال زمن التحولات السياسية والاقتصادية الكبرى. الرواية لا تتبع خطا زمنيا صريحا، بل تدهش القارئ بتقطيعات زمنية ولقطات حياتية تبدو شخصية، لكنها تحمل مدارات أوسع.

سرد مبتكر: أحد استحداثات صنع الله في هذا العمل هو دمج القصاصات الصحفية وعناوين الأخبار الحقيقية كأطراف راوية متوازية مع فصول حياة ذات. هذا الاختيار لا يزين النص فحسب، بل يجعله مرآة لزمنه ومساحة نقرأ فيها حياة امرأة على خلفية من سياقات بلدها، في تجاور بين الحميمي والعام يخلق صدى سخرية سوداء ومنظورا نقديا لا يقتصر على شخصية واحدة.

بين المرارة والدعابة المرة: لغة إبراهيم منضبطة ومقتضبة دون مبالغات وصفية، بل دقيقة تقطع الحبل بين القارئ والحنين الزائف. النبرة الساخرة — وأحيانا المريرة — تمنح الرواية زخما سياسيا وأخلاقيا ينتقد الاستهلاكية ويحلل التحولات الاجتماعية، دون أن يصبح موعظة موجهة.

"ذات" عمل ناضج، رواية عن المرأة لكنها قادرة على عدم السقوط في فخ التحول إلى بيان نسوي تقليدي، وعن الوطن دون أن تحتمي وراء سلاطة اللسان ولا الوعظ. جمال هذه الرواية في ضبط النبرة وابتكار بنية سردية تسمح للنص بأن يكون مرايا متعددة، ما يجعلها قراءة لا تنسى لمن يريد مصر الحكاية لا مصر الأخبار فحسب.

بنت اسمها ذات: تحولت الرواية إلى مسلسل تلفزيوني عرض في رمضان 2013 بعنوان " بنت اسمها ذات "، من إخراج كاملة أبو ذكري وخيري بشارة. التحويل من صفحات الكتاب إلى شاشة التلفزيون لم يغير جوهر النقد الاجتماعي، بل أعاد تشكيل الإيقاع ليتناسب مع الوسيط الجديد، فقدم واحدا من أهم الأعمال الدرامية التي تؤرخ لمصر حتى ثورة يناير 2011، فيما بقي النص الأصلي مرجعا غنيا للقراءة.

المبدع والصدى في صنع الله إبراهيم: لم يكن إبراهيم — الذي فارق عالمنا أمس عن عمر ناهز 88 عاما — مجرد راو، بل ملاحق للتاريخ كمثل ملاحقة السياسة زوايا البيوت. تُحسب له إمكانياته المبهرة وجرأته على المزج بين السرد والتوثيق، لذا فإن رحيله وضع كلمة النهاية لمسيرة أثرت الأدب العربي وفتحت أبوابا للتجريب السردي والسياسة داخل النص.

أين تقرأونه: النسخة الورقية متوفرة لدى منصة نيل وفرات، والإلكترونية على مؤسسةهنداوي وأبجد، كما يمكن الاستماع إلى الكتاب الصوتي عبر ستوريتل، أما الترجمة الإنجليزية فموجودة على أمازون.