Posted inعلى الطريق

منظور جديد للتحديات

? يهرب بعض الأشخاص من التحديات بطبيعتهم، ولكن ثمة أشخا آخرين يسعون عمدا وراءها، بل ويتطوعون للعمل على المشروعات التي يتجنبها الجميع، ويواجهون المشكلات المعقدة بحماس لا يشوبه الخوف. لكن الدافع وراء هذا الإقبال ليس المال، بل شيء أعمق من ذلك ومتأصل في عقولنا، بحسب ذا أتلانتيك.

**اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها كاملة مصحوبة بكل الروابط**

في سباق كومرادز ماراثون الشاق في جنوب إفريقيا، يحدَّد للمشاركين مدة زمنية قصوى تبلغ 12 ساعة لإكمال السباق، فتصبح الثواني الأخيرة في هذه المدة حدا فاصلا في المراحل الأخيرة للسباق لا تعني فقط خسارة الميدالية، بل محو اسم المتسابق تماما من سجل المشاركين في هذا السباق الذي يمتد لمسافة 88 كم. ومع ذلك، يشارك نحو 20 ألف عداء سنويا، ويفشل أربعة آلاف منهم في إنهائه. يجسد هذا المثال ما يسميه عالم النفس مايكل إنزليخت بـ" مفارقة الجهد "، التي يقصد بها الميل غير المنطقي إلى تقدير خوض التجارب بسبب ما يكمن فيها من صعوبات هائلة، وليس بالرغم من هذه الصعوبات.

اقتصاديات الجهد: طالما صنفت النماذج الاقتصادية التقليدية الجهد المفرط عنصرا سلبيا واضحا. فمنذ أن افترض آدم سميث عام 1776 أن "المشقة والمتاعب" تقلل من القيمة التي نستمدها من النتيجة، وصولا إلى قانون تقليل الجهد، الذي صاغه كلارك هل بعد قرن تقريبا، والذي ارتأى أن بذل الحد الأدنى من الجهد مبدأ بيولوجيا عالميا، ظل الرأي السائد أن البشر — بل وحتى الحيوانات — سيفضلون دائما الطريق الأقل جهدا، ما دامت أن النتيجة النهائية متساوية.

لكن سلوكنا الفعلي يحكي قصة مختلفة: في ظاهرة موثقة تعرف بـ " تأثير إيكيا "، لوحظ أن الأشخاص يقدرون الأثاث المتطابق بدرجة أكبر عندما يتكبدون عناء تجميعه بأنفسهم. لكن هذا النمط لا يقتصر على الأثاث السويدي فحسب، فنحن نتسلق الجبال برغم توفر التلفريك، ونكافح لحل ألغاز ألعاب الفيديو رغم أن الإجابات متاحة بمجرد بحث سريع على جوجل، ونخوض سباقات الماراثون رغم أنه يمكننا ببساطة… ألا نفعل.

ما السبب؟ يشير بحث مايكل إنزليخت إلى عدة آليات نفسية متشابكة، أولها الفجوة التجريبية بين مشقة الجهد ومتعة الإنجاز. فكلما ازدادت صعوبة المهمة، زاد الشعور بالفخر عند إتمامها. وهناك نظرية أخرى تفترض أننا ندرب أنفسنا على الاستمتاع بالعمل الشاق من خلال توقع النشوة التي نشعر بها بعد الإنجاز.

يجب أن يأخذ القادة في المؤسسات هذه الفكرة في الحسبان، إذ إن "مفارقة الجهد" قد تبدو فكرة غير واردة للوهلة الأولى، لكنها تحمل منظورا جديدا حول كيفية إدارة فرق العمل. فلا ينبغي تجنب التحديات، بل يمكن توظيفها لتصبح عوامل تحفيزية بدلا من النظر إليها على أنها مجرد عوائق. ففي كثير من الأحيان، تكمن القيمة الحقيقية في تجاوز الصعوبة في حد ذاتها، وليس في تفاديها. بالإضافة إلى أن الطريقة التي تقدم بها المهام الصعبة تحدث فارقا كبير، فبدلا من الاعتذار عن وجود هذه التحديات، يمكن إبراز دورها في تطوير مهارات الفريق وتعزيز شعوره بالإنجاز. وعندما يعاد تأطير المشقة على أنها جزء أساسي من النمو وليست مؤشرا على الفشل، يصبح الإنجاز أكثر إرضاء، ويكتسب الأفراد حافزا حقيقيا لمواصلة التقدم.