Posted inعلم نفس

متلازمة الغني السعيد والفقير التعيس: هل يضمن المال السعادة حقا؟

? المال يشتري السعادة حقا أم لا؟ قد يجادل البعض بأن السعادة شعور لا يولد بفعل المادة. ولكن لا شك أن المال يوفر الراحة والفرص التي تسهم في تحسين جودة الحياة. فعندما يتحرر المرء من القلق المالي ويتاح له فرصة خوض تجارب ممتعة ويشعر بأنه يملك زمام الوقت وحياته، فمن غير المنطقي – وربما العلمي أيضا – أن يكون تعيسا.

**اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها كاملة مصحوبة بكل الروابط**

هرم ماسلو للاحتياجات الإنسانية يقدم إطارا قيما لفهم ودراسة كيفية تأثير المال على رفاهنا وصحتنا النفسية والعاطفية. طور عالم النفس أبراهام ماسلو التسلسل الذي ينظم الاحتياجات البشرية على هيئة هرم من خمس طبقات، مشيرا إلى أن على الأفراد تلبية الاحتياجات الأساسية مثل الحصول على طعام وماء ومأوى ودفء ونوم، قبل التطلع إلى احتياجات أكبر وأعلى مثل الدافع وتحقيق الذات.

ذلك لا يعني أن هذا التسلسل صارم – بل يمكن للفرد أن يتبع أكثر من احتياج في وقت واحد، وقد يمنح الأولوية لاحتياجات أعلى حتى إن لم تلبى احتياجاته الأساسية بالكامل. هذا التصور الخاص بهرم ماسلو يتماشى مع ما يحدث في أرض الواقع، فالفرد الذي يواجه ضائقة مالية مثلا غالبا ما يجد السلوى والسعادة في العلاقات والتعبير الإبداعي والمساعي الهادفة بشكل عام.

التأثير المباشر للمال على الاحتياجات الأساسية: تشمل الاحتياجات المدرجة على هرم ماسلو الاحتياجات الفسيولوجية الأساسية والأمان — وهي الجوانب التي يضطلع فيها المال بدور واضح ومباشر. فالأمان المادي قادر على التأثير بالإيجاب على رفاهية المرء ورفع درجة سعادته من خلال تقليل التوتر المرتبط بتأمين هذه الاحتياجات الأساسية.

رأي العلم؟ أثبتت دراسة طويلة أجريت في زامبيا أن المال مرتبط فعلا بالسعادة، حيث قدمت الدراسة دعما مالي منتظما لمدة طويلة إلى مجموعة من النساء الأكثر احتياجا. وبعد 48 شهرا، أظهرت هؤلاء النساء تحسنا ملحوظا في الصحة النفسية والنمو الشخصي. كما كشف أيضا بحث أجري في الولايات المتحدة عن وجود علاقة وثيقة بين الصعوبات المالية والضغط النفسي لدى البالغين، ويزداد وضوح العلاقة بين الدخل والصحة النفسية في الدول الأكثر فقرا على وجه التحديد. ففي الدول التي يتراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي فيها عن 10 آلاف دولار، تنبيء الزيادات في الدخل القومي بتحسن كبير في مستويات الرضا عن الحياة، وفقا لتحليلات جالوب وورلد بول. ومع ذلك، يضعف هذا الارتباط بشكل ملحوظ في الدول الأكثر ثراء، ما يشير إلى تراجع عوائد النمو الاقتصادي على الفرد مباشرة بمجرد الوصول إلى مستوى معيشي معين.

مع الصعود في الهرم إلى الأعلى وتحديدا نحو الاحتياج إلى الحب والانتماء والتقدير، يصبح تأثير المال أكثر وأدق. الموارد المالية الوفيرة تسهل من التجارب الاجتماعية كالسفر والترفيه، وهي أنشطة يربطها بحث من جامعة سان فرانسيسكو بالسعادة المتزايدة. إلى جانب ذلك، أصبحت مفاهيم الثروة المتراكمة والمكانة الاجتماعية متشابكة إلى درجة كبيرة مع مفهوم تحقيق الذات، إذ تعزز من الشعور بتقدير الذات والتفاعلات الاجتماعية. ومع ذلك، يظل المال محفزا غير مباشر للسعادة، وليس مصدرها المباشر.

أسطورة السعي وراء السعادة: أحيانا قد يلحق السعي وراء كسب المال ضررا بالعلاقات الاجتماعية، فعندما يصبح الأفراد مهووسين بالنجاح المالي، غالبا ما يزداد بعدهم عن أحبابهم وانعزالهم عنهم. في هذه الحالة، يؤثر السعي وراء بناء الثروة على العلاقات الجادة المجدية للفرد، ما يؤثر سلبا على سعادته.

الثراء والوحدة: وجد بحث أجري في جامعة كولومبيا البريطانية أن القيم المادية والسعي المفرط وراء الثروة المالية يرتبطان بارتفاع مستويات الوحدة وتراجع الرضا عن الحياة. فيما تتبعت دراسة طويلة أخرى الحياة التي يعيشها 12000 فرد على مدار عقود، واكتشفت أن هؤلاء الذين منحوا الأولوية للنجاح المالي على العلاقات والمشاركة المجتمعية كانوا أقل رضا عن الحياة وعانوا أكثر من الضغط والضيق النفسي، حتى بعد تحقيق أهدافهم المالية.

تحقيق الذات لا يتعلق بالمال فحسب: في قمة هرم ماسلو، يتربع الاحتياج إلى تحقيق الذات — الذي يشمل الأخلاقيات الحسنة والإبداع والإمكانات وغيرها من الأمور التي لا يمكن للمال شراؤها مباشرة. وتشير الأبحاث إلى أن الأفراد الذين يعطون الأولوية للمعنى والهدف في حياتهم يحققون مستويات أعلى من السعادة المستدامة. هذه الظاهرة تفسر السبب وراء استمرار المليارديرات في العمل رغم نجاحهم المالي الهائل، ذلك لأنهم يسعون وراء الشعور بالإنجاز في حد ذاته.

ساهم مفهوم التدفق (Flow) الذي وضعه عالم النفس المجري الأمريكي ميهاي تشيكنتسميهاي – ومعناه انغماس المرء بالكامل في أنشطة هادفة تتحدى قدراته – في تقديم رؤية مهمة حول سبب عجز المال وحده على تلبية احتياجاتنا. إذ أثبتت الدراسات التي أجراها تشيكنتسميهاي على مدار عقود طويلة أن الأفراد — وبصرف النظر عن الثقافة ومستوى الدخل — يشعرون بأقصى درجات السعادة حينما يعيشون حالات التدفق التي يمكن الوصول إليها بغض النظر عن الوضع المالي. فالعمل الهادف والمساعي الإبداعية والتعلم العميق تمثل جميعها عوامل يمكن أن تحفز حالة التدفق التي وصفها عالم النفس الشهير، وهو ما يؤكد أن الطريق إلى تحقيق الذات والسعادة يبدأ من المشاركة الفعالة.

اعتياد المتع مقبرة السعادة: تشير نظرية تكيف المتعة (Hedonic Treadmill) إلى أنه بغض النظر عن المكاسب المالية التي يحققها المرء، فإنه يتكيف معها سريعا، وسرعان ما يرغب في المزيد، وهو ما يجعل السعادة شعورا مؤقتا. وبمجرد تلبية الاحتياجات الأساسية، تدخل السعادة في حالة ركود. خلصت دراسة أجريت عام 2010 إلى أن السعادة القائمة على جمع الثروة تبلغ ذروتها عندما يكون دخل المرء السنوي 70 ألف دولار آنذاك، ما يشير إلى أن زيادة الدخل لها تأثير بسيط. ولكن تفترض الأبحاث الأحدث أن معايير السعادة ترتفع وتصل ذروتها عندما يكون الحد الأقصى لدخل المرء سنويا 500 ألف دولار، وبما أنه رقم لا يزال عصيا على الأفراد تحقيقه، فقد ربطت هذه الأبحاث بين مستوى الدخل هذا وبين مستويات السعادة الأعلى، حسبما يرى الباحث ماثيو كيلينجسوورث.

المقارنة الاجتماعية هي العدو: أحد أبرز التحديات التي تواجه الفرد في طريق الرضا هو الوقوع في فخ المقارنات الاجتماعية — فالأفراد يميلون إلى تفضيل الثروة النسبية على الثروة المطلقة. فقد يعيش الفرد في منزل صغير، ولكنه لن يهتم إن كان محاطا بمنازل شبيهة له ولو بشكل نسبي، وفقا لرؤية يرى كارل ماركس الذي يؤكد أنه بمجرد وضع هذا المنزل بين مجموعة قصور، فيسشعر قاطنه على الفور بالسخط والاستياء كما لو أن المنزل يضيق عليه أكثر فأكثر.

دراسات الاقتصاد السلوكي الحديثة تدعم نظرية ماركس، إذ وجدت دراسة بارزة أجراها الاقتصادي ريتشارد إيسترلين — اشتهرت بمفارقة إيسترلين — أنه داخل المجتمعات، يميل الأثرياء إلى الشعور بمستويات أعلى من السعادة مقارنة بالفقراء. ومع ذلك، عند مقارنة المجتمعات بعضها ببعض، لا يزداد متوسط السعادة بازدياد ثراء المجتمع كله. هذه المفارقة تعكس أن الوضع النسبي داخل سياق معين وليس الثروة الفعلية هو ما يحرك الشعور بالرضا والسعادة. حتى أن التصوير العصبي أثبت أن مراكز المكافأة في الدماغ تستجيب استجابة أقوى للوضع النسبي الجيد مقارنة بالمكاسب المطلقة، ما يشير إلى أن ميلنا للمقارنة متأصل في بنيتنا العصبية.

العلاقة بين المال والسعادة تختلف باختلاف الثقافات، إذ يظهر بحث أجرته رابطة مسح القيم العالمي (WVS) أنه في المجتمعات ذات التوجه الجمعي مثل دول شرق آسيا، يكون الارتباط فيها بين مستويات الدخل والسعادة أضعف منه في المجتمعات الغربية التي تتسم بالفردانية. ففي اليابان مثلا يلاحظ أن الانسجام والانتماء الجماعي يسهم في تحقيق الرضا عن الحياة إسهاما أكبر من إسهام الثروة الفردية. كما تصنف الدول ذات شبكات الأمان الاجتماعي القوية مثل الدنمارك وفنلندا دائما ضمن الدول الأكثر سعادة رغم أنها لا تتمتع بالضرورة بأعلى معدلات دخل للأفراد، وهو ما يؤكد أن توزيع المجتمعات للموارد وتوفير الوصول إليها قد يكون أهم بكثير من حلم الثراء المطلق.

العلامات: