مصر: 100 مليون نسمة وإمكانات هائلة للنمو

في مقال خاص لإنتربرايز، يرى تشارلز روبرتسون، كبير خبراء الاقتصاد العالمي لدى شركة "رينيسانس كابيتال" أن مصر ستجذب بدءا من 2019 المصانع صغيرة ومتوسطة الحجم و​​التي بنيت في التسعينات في وسط أوروبا ورومانيا. وإلى نص المقال:

سيصل عدد سكان مصر خلال عامين إلى 100 مليون نسمة، وسيكون مستوى التعليم وقتها أفضل من أي وقت مضى، ومستوى الأجور أكثر تنافسية، وستتوفر إمدادات الكهرباء أمامهم بما يمكنهم من تطوير الصناعة. هناك نظريتان تخبرنا أن مصر مهيأة لتطوير القطاع الصناعي في البلاد على نطاق واسع، وأنها ستصبح واحدة من المستفيدين عالميا على المدى الطويل من الانتعاش الاقتصادي في أوروبا. في عام 2010، تعدى معدل نسبة الإلمام بالقراءة والكتابة نسبة الـ 70% من عدد السكان، والتي نرى في رينيسانس كابيتال أنها شرط مسبق للتحول الصناعي. وبلغت تلك النسبة 76% في عام 2015.

وأصبحت مصر، وللمرة الأولى، قادرة على امتلاك قطاع صناعي يتجاوز مساهمته 20% من الناتج المحلي الإجمالي، وعلى عكس العديد من دول أفريقيا جنوب الصحراء، فإن مصر لديها بالفعل الكهرباء والبنية التحتية المطلوبة لدعم القطاع. ومع ارتفاع الأجور في وسط أوروبا بسبب الانتعاش الاقتصادي وتراجع قوة العمل، فإن الحد الأدنى للأجور في مصر يمثل في الوقت الحاضر ثُمن مستواه في تركيا، ورُبع مستواه في المغرب ونصف مستواه في تونس. الاقتصاد المصري هو الوحيد في محيط أوروبا الذي لديه قوة عمل سريعة النمو ومعدل عمالة أقل من 50% وسط البالغين. نرى أن مصر تستطيع زيادة القوة العاملة لديها بأكثر من 50% من خلال عدد الإناث المتعلمات بشكل متزايد (أكثر من 80% من الإناث في السن ما بين 11-17 عاما يذهبن الآن إلى المدرسة الثانوية)، ومن المتوقع أيضا أن يرتفع إجمالي القوى العاملة بنسبة 9% (أي 6 ملايين بالغ إضافيين) بين عامي 2015 و2020.

لم يحدث من قبل أن كانت مصر في وضع يمّكنها من الاستفادة من النمو في أوروبا. المفاجأة السارة لنا هي أن "رؤية 2030" وهي الخطة التي أطلقتها الحكومة للتنمية الاقتصادية في مصر، بها بعض الأهداف التي يمكن تحقيقها، فالنمو المستهدف بمعدل 8 إلى 10% لعام 2020 هو أمر معقول ويمكن تحقيقه في القرن العشرين، وذلك إذا ما صحت نظرياتنا حول معدل محو الأمية والتصنيع، وأيضا حول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مقابل دول شرق ووسط أوروبا الثلاث بولندا والتشيك والمجر.

وللاستفادة من هذه الفرصة، فعلى مصر تجنب ارتكاب الأخطاء. بلغ الدين الحكومي في مصر 103% من الناتج المحلي الإجمالي في يونيو 2017، ومن المتوقع أن يصل عجز الموازنة إلى 9.2% من الناتج المحلي الإجمالي في يونيو 2018، وهناك معدل تضخم أكبر من 10% ويتراوح العجز في الحساب الجاري بين 4 و5% من الناتج المحلي الإجمالي. ومع ذلك، فإن الوضع لا يزال إيجابيا للغاية. إذ انخفض التضخم بالفعل بأكثر من النصف منذ أن بلغ ذروته بعد تحرير سعر صرف الجنيه ووصل حينها إلى 33% ليهبط إلى 13% في مارس 2018. ويعد هذا المستوى أفضل بكثير مما سجلته الأرجنتين التي تعتبر السوق المفضلة بالأسواق المبتدئة.

نتفق مع توقعات صندوق النقد الدولي بأن ينخفض معدل التضخم ​​إلى ما بين 11 و12% في يونيو المقبل. ومن المتوقع أن تحقق الموازنة العامة فائضا أوليا جيدا في العام المالي 2019/2018 (ربما تحقق ذلك بالفعل في العام المالي الجاري)، بدعم من تسارع النمو الذي يقترب من 6%، وهو رقم نتفق عليه نحن وصندوق النقد الدولي والحكومة. ونرى أيضا أن سعر صرف العملة عند 17-18 جنيها للدولار أقل بنسبة 15% من القيمة العادلة طويلة الأجل عند (15 جنيها للدولار). ونعتقد أن هذا السعر لا يزال مغري لمستثمري المحافظ الأجنبية الذين يشترون السندات الحكومية لأجل خمس سنوات بالجنيه المصري بعائد يصل إلى 14% قبل احتساب الضريبة.

يتوقع صندوق النقد الدولي أن ينخفض ​​الدين العام في مصر إلى 72% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول يونيو 2022، ونتوقع أن يتم ترقية التصنيف الائتماني لمصر مرة واحدة على الأقل هذا العام (ونرى أنها تستحق رفع تصنيفها مرتين).

تلتزم مصر بشكل كبير ببرنامج الإصلاح الاقتصادي، والذي يمكن أن يحافظ على مستويات التضخم عند 11-12% في حال خفض دعم الوقود والكهرباء، خلال الفترة من يونيو 2018 وحتى يونيو 2020، وسيسمح هذا الإصلاح المالي بإعادة تخصيص الإنفاق الحكومي ليتوجه أكثر نحو البنية التحتية والاستثمار. ونعتقد أن الحفاظ على سعر صرف منخفض للعملة أو الحفاظ على قيمتها العادلة سوف يدعم التوجه التصنيعي.

نتوقع أن نرى زيادة في الاستثمار الصناعي في عام 2019 وما بعده. ويرتكز الاستثمار الأجنبي المباشر في الوقت الحالي بقطاع النفط والغاز، إذ من المتوقع أن تحقق مصر قريبا الاكتفاء الذاتي مرة ثانية في ذلك القطاع. وبعد استعادة الاستقرار الكلي، وعندما يكون الطلب في أوروبا قد أدى إلى تآكل القدرة الزائدة في جنوب أوروبا، فإننا نعتقد أن مصر ستبدأ في جذب المصانع صغيرة ومتوسطة الحجم و​​التي بنيت في التسعينيات في وسط أوروبا ورومانيا.

ولا يجب أن تحول المخاوف الأمنية دون تحقيق ذلك، خاصة وأنها تتعلق بالمنطقة بأكملها إلى حد كبير. ونرى أن الإبقاء على العملة عند مستويات منخفضة أو عند قيمتها العادلة، والالتزام بالخطط المالية الحالية، وتحسين بيئة الأعمال والتركيز على الاحتياجات طويلة الأجل لقطاعي التعليم والاستثمار ستكون بمثابة المتطلبات الرئيسية لكي تتمكن مصر من زيادة معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي من 5-6% إلى 6-8% خلال العقد المقبل.


العلامات: