هل بدأت أسواق الدين في المنطقة تتخلص من حالة الجمود؟ ربما نكون بصدد تجاوز مرحلة فوارق العوائد الفلكية التي شهدتها أسواق السندات في المنطقة بسبب علاوة مخاطر الحرب منذ اندلاع الصراع. ورغم أن تكاليف الاقتراض لم تتراجع كليا إلى مستويات ما قبل الحرب، فإن بعض المحللين صرحوا لنشرة إنتربرايز بأن السوق قد خرج من وضعية الانكماش الدفاعي لينتقل إلى موجة صعود حذرة مدفوعة بطلبات الشراء فقط.
تقلص فوارق العوائد: شهدت فوارق العوائد تراجعا ملحوظا. صحيح أنها "لم تعد بعد إلى مستويات ما قبل الحرب، لكنها اقتربت منها كثيرا فيما يخص السندات عالية العائد وتلك ذات التصنيف الائتماني الاستثماري"، حسبما ذكرت زينة رزق، الشريكة ومديرة المحافظ في أموال كابيتال، في تعليق لنشرة إنتربرايز الصباحية. ويمثل هذا تحولا جذريا عن الوضع في أوائل شهر أبريل، حينما صرحت رزق آنذاك بأن مخاوف السوق جعلت من شبه المستحيل جذب المستثمرين وتغطية الإصدارات دون تقديم "تنازلات مغرية".
واليوم، تبدلت المعنويات تماما، إذ "يبدو أن هناك شهية في السوق، وأن [السيولة] بدأت تتدفق مجددا"، حسبما أضافت رزق.
يأتي هذا في ظل بوادر تعافي الأسواق العالمية عموما، كما يتبين من فقرة الأسواق العالمية أدناه، إذ شهدت كذلك صعود الأسهم في مختلف الأسواق في ظل التفاؤل بإمكانية تمديد الهدنة أو الوصول إلى نهاية دائمة للحرب.
لكن المخاطر لم تتلاش تماما: فما زال هناك "هامش أمان ضد المخاطر الجيوسياسية" يتراوح بين 20 و30 نقطة أساس "بسبب هشاشة الوضع وعدم القدرة على التنبؤ بما سيطرأ على أسعار الفائدة العالمية"، حسبما صرحت لنا سارة الياسري، المحللة الاستراتيجية المالية لدى شركة "سي إف آي فاينانشال غلوبال"، والتي صدقت توقعاتها بأن فوارق العوائد ستتقلص سريعا في حال تهدئة التوترات. وأضافت أن "المحرك الرئيسي الآن ليس الظروف الجيوسياسية فقط، وإنما تأثيرات أسعار الفائدة أيضا". كذلك أشارت رزق إلى أنه من السابق لأوانه تقدير علاوة المخاطر بدقة.
حلقة مفرغة: تظل المعادلة معقدة؛ فارتفاع أسعار النفط بسبب تداعيات الحرب قد يؤدي إلى استمرار التضخم، ما سيضطر البنوك المركزية إلى تأجيل خفض الفائدة، أو اللجوء إلى الخيار الأسوأ برفعها، علما بأن الجهات المصدرة لأدوات الدين في المنطقة كانت تراهن على انخفاضها خلال العام الجاري.
دخول السوق من الباب الجانبي
يبدو أن "المصدرين لم يعودوا إلى السوق بجولاتهم الترويجية المعتادة"، لكن الجهات السيادية تتجه بقوة نحو الطروحات الخاصة، حسبما ذكرت رزق. فخلال الأيام العشرة الماضية فقط، شهد السوق طفرة في نشاط السندات ذات التصنيف الاستثماري في أبوظبي والكويت وقطر، والتي أشارت رزق إلى أنها كانت "لم تشهد تغيرا في منحنى العوائد، ما يعني أن الجهات المصدرة لم تضطر لدفع علاوة إضافية".
جمعت أبوظبي حتى الآن 4.5 مليار دولار من طروحات الديون الخاصة، بما يشمل الإصدار الأخير الذي طرحته بقيمة ملياري دولار هذا الأسبوع بكوبون بلغت قيمته 4.6%، وفقا لصحيفة فايننشال تايمز، علما بأن بنك غولدمان ساكس تولى ترتيب الإصدار.
في انتظار الاستقرار: يرى محمد إحسان، رئيس الخزينة والأسواق العالمية والاستثمار والمعاملات المصرفية الدولية في بنك نزوى، أن "الأسواق الأولية تحتاج إلى مزيد من الاستقرار [...] لذا لا أتوقع انتعاشا سريعا في الإصدارات"، مضيفا أن نشاط السوق الأولية "سيستغرق مزيدا من الوقت للعودة إلى طبيعته". واتفق كل من إحسان ورزق على أن اتضاح الرؤية واستدامة التهدئة هما المفتاح لعودة نشاط أسواق الدين الأولية بالكامل.
لعبة الانتظار
البعض يفضل التريث: بينما يمكن للجهات السيادية الكبرى وشركات الطاقة العملاقة طرق أسواق الدين الآن، فإن المشاريع الضخمة بالسعودية والمطورين العقاريين وشركات البنية التحتية الأكثر اعتمادا على المديونية ما زالت تفضل الانتظار والترقب، حسبما ترى الياسري. وسبق أن وصفت الياسري هذه القطاعات بأنها "الأكثر عرضة للتأثر" بتقلب هوامش التسعير نظرا إلى اعتمادها على الإصدارات المرحلية.
لكن الخبر السار أن هذه الجهات لديها احتياطيات كافية؛ فالعديد من هذه المؤسسات، بما يشمل شركات وبنوك ومطورين عقاريين، نجحت في تلبية احتياجاتها التمويلية للعام الجاري مسبقا من خلال طفرة إصدارات هائلة في الربع الأخير من العام الماضي وأوائل العام الجاري، وفقا لما صرح به إحسان سابقا. أي أن "هذه الجهات ليست تحت ضغط مُلح للحصول على التمويل فورا، وتفضل تأجيل الإصدارات بدلا من تحمل تكاليف مرتفعة، لذا فإن السوق بدأ ينفتح مجددا، لكنه انفتاح انتقائي وتدريجي"، بحسب الياسري.
الفخ الأخطر الآن هو غياب التمييز بين المصدرين
ترى الياسري أن نهج التسعير الحالي لا يفرق بين الميزانيات العمومية القوية و الميزانيات الضعيفة للجهات شبه السيادية. فالسوق يقوم حاليا على افتراض أن "الدعم الحكومي الضمني" يشمل الجميع، لكنها حذرت سابقا من أن هذا الافتراض قد تتضح عدم صحته إذا ظلت السيولة العالمية شحيحة.
ويبدو أننا سنشهد إعادة تسعير انتقائية وشيكة؛ لأن الهدنة "حتى وإن ساهمت في تخفيف الضغوط الفورية، فإنها لا تغير تأثيرات المخاطر الأساسية، وإنما تؤجلها فقط"، حسبما أضافت الياسري، واصفة الحالة التي تعيشها المنطقة حاليا بأنها شهر عسل ما بعد الحرب، أما أسواق الدين، فلم تستقر بعد على التسعير النهائي لتكلفة التمويل.