مثلت الهجمات التي استهدفت منطقة الخليج خلال الحرب الدائرة تطورا غير مسبوق من نواح عدة، إذ طالت دولا اعتُبرت لسنوات "ملاذات آمنة" للثروات، ولقطاعات مثل التمويل والتكنولوجيا، وللشركات والأفراد على حد السواء.
تمكنت الإمارات حتى الآن من إدارة الأزمة بفعالية من خلال التأكيد على استمرارية الأعمال، وضمان وجود بدائل للحفاظ على توفر السلع واستمرار التجارة، إلى جانب نجاحها في اعتراض العديد من الصواريخ والطائرات المسيرة التي استهدفتها. ومع ذلك، أصبحت مسألة أمن البيانات مصدر قلق كبير بعد أن باتت مراكز البيانات تعامل كأهداف عسكرية مشروعة.
ماذا حدث؟ في وقت سابق من هذا الشهر، تسببت هجمات بطائرات مسيرة في "أضرار بنيوية" وانقطاع للتيار الكهربائي في مراكز بيانات أمازون ويب سيرفيسز في دبي والبحرين. أثارت هذه الهجمات غير المسبوقة تساؤلات حول كيفية تعامل المنطقة مع المخاطر الهائلة التي تواجه الآن بنيتها التحتية الحيوية لمراكز البيانات، وذلك بعد أن أمضت سنوات في بناء سمعتها كمركز مستقر لقطاع التكنولوجيا. إذ أسفرت الهجمات عن تعطيل خدمات عشرات البنوك والشركات الإقليمية، منها بنك أبوظبي الأول وبنك أبوظبي التجاري، بل وطالت موقعنا الإلكتروني.
يأتي ذلك في وقت تعكف فيه الإمارات على تطوير بنيتها التحتية التكنولوجية بالتعاون مع بعض من أكبر شركات العالم، من خلال مشاريع ضخمة مثل مجمع مراكز بيانات ستارغيت البالغة قدرته 5 غيغاوات، والذي يجري تطويره حاليا في أبوظبي. كما تعهدت مايكروسوفت مؤخرا بإنفاق ما يصل إلى 7.9 مليار دولار حتى عام 2029 على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية في الإمارات. ويضاف هذا إلى المشاريع المرتقبة لشركات محلية مثل خزنة، التي تخطط لمشروعات ستوفر ما يصل إلى 1 غيغاوات إضافية من القدرات اللازمة لتقنيات الذكاء الاصطناعي في الإمارات والسعودية وإيطاليا.
لكن لم يتضح بعد كم ستتأثر سمعة الإمارات كمركز لقطاع البيانات بالحرب الراهنة، وبالمخاطر التي كشفت عنها الحرب في البنية التحتية لمراكز البيانات. وفي حوار مع نشرتنا، قال الخبير الأمني والمؤلف البارز بروس شناير إن المسألة "تعتمد على المدة التي ستستغرقها الحرب". شناير زميل أيضا في مركز بيركمان كلاين بجامعة هارفارد، ويدير البنية التحتية الأمنية لشركة إنرابت، وتعتبره مجلة الإيكونوميست خبيرا في مجال الأمن.
أوضح شناير أن "هناك حالة متفاقمة من عدم اليقين". وفي رأيه فإن الأمر سيعتمد "على مدى تجنبك للمخاطر، والمخاطر تتزايد في الوقت الحالي بسبب وجود الكثير من العوامل المجهولة". لذا فإن حالة عدم اليقين بحد ذاتها هي المشكلة، فهي حسبما يقول "مكلفة وخطيرة. والشركات لا تفضلها".
والتأثير طويل المدى على سمعة الإمارات "قد يكون كبيرا، وليس إيجابيا"، وفقا لجيف كوبر، المتخصص في البنية التحتية السحابية والأمن. وأشار كوبر إلى تشجيع أمازون ويب سيرفيسز للشركات التي تستخدم خوادمها على نقل أحمال بياناتها خارج الشرق الأوسط بالكامل، ووصف بيئة التشغيل في المنطقة عموما بأنها غير متوقعة.
وأضاف كوبر أن الشركات متعددة الجنسيات "قد تنسحب من المنطقة بهدوء على المدى الطويل"، مشيرا إلى أنها قد تتجه نحو أوروبا.
ولا تقتصر المشكلة على السمعة فحسب؛ فمراكز البيانات تتطلب رؤوس أموال كبيرة، وبالتالي فإن إصلاح الأضرار المادية التي لحقت بمرافق أمازون ويب سيرفيسز جراء الهجمات سيكون مكلفا، بحسب كوبر. إذ تحتاج مراكز البيانات مليارات الدولارات لبنائها، ناهيك عن التكاليف الاقتصادية الهائلة المرتبطة بانقطاع الخدمات الرقمية للشركات، والتي تكبدها ملايين الدولارات من الإيرادات.
ومع ذلك، فإن العوامل التي جعلت الإمارات وجهة جذابة لا تزال موجودة، كالموقع الجغرافي وتوفر الطاقة والاتصالات، لكن علاوة المخاطر ارتفعت، وفقا لكوبر.
إذن ما الذي يمكن فعله في هذه المرحلة فيما يتعلق بالبيانات؟
كما أشرنا سابقا، يتعين على صناع السياسات والشركات التفكير في الاعتماد على مراكز الحوسبة الطرفية وتجنب المجمعات شديدة المركزية للبنية التحتية للحوسبة. ويؤيد كوبر هذا الرأي، مضيفا أن هناك حل آخر يتمثل في الاعتماد على مراكز بيانات احتياطية في المناطق الجغرافية الأقل خطورة، ورغم أن هذا الحل لا يحمي المرافق الحالية فإنه "يغير حسابات قرارات الاستثمار المستقبلية جذريا".
السلبيات: أوضح كوبر أنه بناء على احتياجات الأعمال، وعلى أحجام البيانات أو أوقات التشغيل التي يمكن للشركات تحمل خسارتها، فإن "النفقات الهندسية والتشغيلية المطلوبة لاستمرارية المزامنة بين نظامين نشطين تضيف تكلفة كبيرة، علاوة على تكاليف الأجهزة والاستضافة وحدها".
وأضاف أن الحل الأكثر فعالية من حيث التكلفة هو الاعتماد على نظام نشط وآخر خامل، بدلا من وجود نظامين نشطين كما وصفنا بالأعلى، بهذا سيوجد نظام أساسي وآخر احتياطي يمكن إيقافه تماما لتقليل التكاليف وتشغيله عند الحاجة، لكن في هذا الوضع من المتوقع انقطاع الخدمات لفترة.
أما مراكز الحوسبة الطرفية فتتيح للشركات تشغيل قدرات الحوسبة الأساسية في مناطق أقل خطورة مثل الاتحاد الأوروبي، وتقديم تجربة سريعة ومتجاوبة للمستخدمين في الخليج من خلال التخزين المؤقت وبعض عمليات المعالجة المحلية البسيطة. ويوفر ذلك الحل خيارا عمليا آخر للشركات في الإمارات، لأنه "إذا تعطل الموقع الطرفي، سيمكن إعادة توجيه حركة البيانات إلى المنطقة الأساسية دون أن يتأثر المستخدم النهائي إلا بدرجة طفيفة"، وفقا لكوبر.
وفيما يتعلق بالبيانات الحكومية، أصبحت الحاجة إلى سفارات البيانات أقوى من أي وقت مضى. وأوضح كوبر أن هذا "ليس مجرد خيار جيد، بل خيار استشرافي" يمكن أن يساعد في حماية الحكومات من التعرض "لشلل رقمي" إذا هوجمت بنيتها التحتية المادية المحلية.
ولإستونيا تجربة في هذا الصدد، ففي عام 2017، جهزت إستونيا نسخة احتياطية من سجلاتها الضريبية وحدودها البرية في لوكسمبورغ، لحماية نفسها من مخاطر الحروب والهجمات السيبرانية والكوارث الطبيعية، وذلك بناء على مفهوم السفارات الرقمية.
قد يُفهم أن هذه السفارات مثل السفارات العادية، باستثناء أنها تقدم خدماتها عبر الإنترنت. لكنها ليست كذلك. فالسفارات الرقمية أو سفارات البيانات تتيح للدول تخزين نسخ احتياطية من بياناتها السيادية في مرافق شديدة الحراسة بالخارج، مع الاحتفاظ بسيادتها حصرا على تلك البيانات. ويضمن ذلك استمرار قدرة الدولة على إدارة مهامها الرقمية، مثل تلك التي تتعلق بسجلاتها الضريبية وأنظمة محاكمها وخزانتها، حتى لو تعرضت أراضيها أو بنيتها التحتية المحلية للخطر.
وتدرس الإمارات هذا المفهوم منذ فترة، وأجرت مناقشات مع الهند في يناير بشأن اتفاق محتمل لتطبيق فكرة السفارات الرقمية.
لكن التحدي الرئيسي لتلك الفكرة يكمن في المدة الطويلة لتنفيذها، وفقا لكوبر. فهي تعتمد على إبرام اتفاقيات ثنائية، وتلك الاتفاقيات تستغرق وقتا لمناقشتها والتصديق عليها. كما أن الإطار التنظيمي للفكرة لم يكتمل بعد في الإمارات، وهناك العديد من التبعات التنظيمية المرتبطة بها.
وإحدى النقاط الرئيسية في هذا الصدد هو إمكانية الوصول إلى البيانات. فلكي يتيح مركز بيانات لجهة أجنبية الوصول إلى بيانات مخزنة فيه، لابد من وجود أمر نهائي ملزم صادر عن محكمة أو سلطة مختصة تابعة لدولة تلك الجهة الأجنبية، حسبما صرح لنا أندرو فوسيت، الشريك في مكتب التميمي ومشاركوه للمحاماة. وستخضع تلك الطلبات للمراجعة من قبل المحاكم أو ما يناظرها في البلد المستضيف لمركز البيانات، نظرا لأنها تتولى دور حماية البيانات. ويمكن أيضا تشفير البيانات، مما يتيح مرونة أكبر فيما يتعلق بإمكانية الوصول إليها، وفقا لكوبر. وكل هذه التفاصيل يتعين حسمها في الاتفاقيات الثنائية الملزمة، ما يستغرق وقتا طويلا.
ورغم أن هذه السفارات ستخزن على الأرجح نسخا من البيانات الحكومية، لكن يمكنها أيضا حماية العمليات التجارية الخاصة. فإذا توفرت نسخة احتياطية من بيانات المصرف المركزي الإماراتي في سفارة بيانات خارج البلاد، سيظل النظام المصرفي "قائما" حتى لو تعرضت الخوادم المحلية للهجوم. وهذا ضروري، لأن أي بنك خاص يمكنه أن يسعى لضمان وجود نسخة احتياطية من بياناته وفقا لأعلى المعايير، لكنه لن يستطيع تحويل ولو درهم واحد إذا تعطل نظام المقاصة المركزي.
تعافي البنية التحتية المادية هو المشكلة الأكبر.. وحمايتها كذلك
يرى شناير إن " حماية البيانات سهلة... فهناك طرق لذلك"، لكن حماية البنية التحتية المادية في أوقات الحرب هي مسألة مختلفة تماما، ولا يمكن للشركات تحمل مسؤوليتها بمفردها.
وأضاف أن الصناعات "لطالما كانت هدفا مشروعا في أوقات الحرب"، لكن "حمايتها تقع على عاتق الحكومات، فالشركات لا يمكنها خوض الحروب، ولا تستطيع تحمل عبء تحصين بنيتها التحتية ضد الحروب".
كما يرى كوبر أن تلقي الدعم من حكومات المنطقة ليس أمرا مستبعدا، خاصة "بالنظر إلى مدى أهمية البنية التحتية الرقمية لاستراتيجيات التنويع الاقتصادي الخاصة بها". وأوضح أن هذا الدعم "قد يأتي في صورة تأمين مدعوم من الحكومة، أو ضمانات للاستثمارات، أو اتفاقيات رسمية لتقاسم المخاطر". وأكد كوبر أن المبدأ هنا هو المهم، إذ ستحتاج شركات الحوسبة السحابية الكبرى إلى ضمانات من الحكومات لمواصلة الاستثمار في منطقة تنطوي على هذا النوع من المخاطر.
وأهم مسألة فيما هو قادم تتمثل في اعتبار مراكز البيانات بنية تحتية حيوية كما هو حالها الآن، وفقا لكوبر. فمراكز البيانات "تُبنى حاليا لتتحمل ضربات الطائرات المسيرة". وتشمل الخيارات تحصين هياكلها عبر إنشاءها تحت الأرض، وحمايتها بهياكل خارجية مقواة مقاومة للانفجارات، وشبكات علوية، وأنظمة كابلات مشدودة، وهذه الخيارات جميعا موصى بها في توجيهات وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) لمكافحة الطائرات المسيرة الصادرة في يناير. وأشار كوبر إلى أن هذه الخيارات قابلة للتنفيذ، لكنها مكلفة.
الخيار الثاني هو توفير وسائل دفاعية لمراكز البيانات، مثل قدرات التشويش الإلكتروني، وأنظمة الكشف عن الطائرات المسيرة واعتراضها، والتدابير الحركية المضادة، أي تلك الوسائل التي تتوفر عادة في المنشآت العسكرية. لكن يستدرك كوبر بأن ذلك الخيار سيثير أسئلة حرجة: "من سيصرح باستخدام تلك الدفاعات؟ ومن سيشغلها؟ وتحت أي إطار قانوني ستشغل شركة خاصة أنظمة أسلحة دفاعية في بلد أجنبي؟".
والتأمين جزء آخر من المشكلة؛ فأوضح لنا تشارلي هاتشيرسون، المحلل المساعد في غلوبال داتا، أن "أحد القيود الرئيسية هو أن العديد من وثائق التأمين التجاري، بما في ذلك وثائق التأمين السيبراني، تستثني الهجمات الحربية أو الأعمال العدائية المناظرة". وهذا يفاقم حالة عدم اليقين في رأيه، بينما أشار كوبر إلى أن الحكومة قد تحتاج إلى التدخل بطريقة أو بأخرى. (اقرأ فقرة الأسواق العالمية في نشرتنا اليوم، والتي تتناول بالتفصيل العجز العالمي في تأمين مشاريع مراكز البيانات العملاقة التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات).