أصبحت الإمارات سريعا مقرا لبعض من أكبر شركات ومنصات تداول العملات المشفرة في العالم، ومنها بينانس في سوق أبوظبي العالمي، وكريبتو دوت كوم و”أو كيه إكس” وبايبت في دبي. ولم يأتِ ذلك من فراغ؛ إذ أشار الخبراء في حوارهم معنا إلى أن البيئة التنظيمية الواضحة بالإمارات التي لا تفرض قيودا مفرطة، والمناخ الداعم للأعمال، والأنظمة الضريبية المواتية، بالإضافة إلى نمط الحياة والبيئة الآمنة والمريحة للمسؤولين التنفيذيين المنتقلين إلى الدولة، كل هذه عوامل شكلت قوة دافعة للقطاع في السنوات القليلة الماضية.
وفي أوائل العام الماضي، صرح براندون غرين رئيس شركة “بي تي سي” بأن الإمارات قد تصبح “وول ستريت العملات المشفرة”، إذ أدى توافد كبرى شركات القطاع وإقرار اللوائح والمبادرات الداعمة له إلى ترسيخ مكانة الدولة كمركز عالمي.
كما حصلت الإمارات على الدرجة الكاملة في النسخة الأخيرة من مؤشر هينلي لتبني العملات المشفرة بفضل بيئتها الضريبية المواتية، إذ لا تفرض أي رسوم على التداول أو التحصيص أو التعدين، كما تدمج مجموعة من الشركات الإماراتية مدفوعات العملات المشفرة في خدماتها. وإلى جانب هذا، صنفت شركتا بايبت و”دي إل” الإمارات في المرتبة الخامسة عالميا من حيث تبني المؤسسات للعملات المشفرة، بعد سنغافورة والولايات المتحدة وليتوانيا وسويسرا، وذلك في التصنيف العالمي لعام 2025. ومن ناحية أخرى، قدرت شركة “تريبل إيه” نسبة استخدام العملات المشفرة في الإمارات بنحو 31%.
وتمثل الدولة أيضا “جسرا فعليا” لتدفق التمويلات المرمزة بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، وفقا لتقرير بايبت و”دي إل”، ما يشير إلى اتساقها الجغرافي والتنظيمي مع مناطق زمنية وممرات مالية مختلفة.
كل هذا أسفر عن تدفقات ملموسة؛ إذ يوضح تقرير التوزيع الجغرافي للعملات المشفرة لعام 2025 (بي دي إف) الصادر عن مؤسسة تشيناليسيس كيف تشكل البنية التنظيمية متعددة الجهات في الإمارات نشاط القطاع على أرض الواقع. وتتزايد في الوقت الحالي التحويلات من المؤسسات إلى الدولة، كما تزيد المعاملات الأصغر التي يجريها التجار والأفراد بمعدل كبير أيضا؛ إذ ارتفعت التحويلات الصغيرة للأفراد (أقل من 1000 دولار) بنسبة 88.1%، بينما زادت التحويلات الكبيرة للأفراد بنسبة 83.6%، وتحويلات المستثمرين المؤهلين والمؤسسات بنسبة 79.5%، مما يشير إلى أن العملات المشفرة أصبحت أداة عملية لكل من الأفراد في تعاملاتهم اليومية وللكيانات الكبرى كذلك.
المرونة التنظيمية والتنوع البنيوي هما الأساس
ما تجده في الإمارات “هو مدى تقبل الجهات التنظيمية”، حسبما قالت كارولينا ريوس (لينكد إن)، الرئيسة التنفيذية ومؤسسة شركة ساجا للاستشارات القانونية، في حديثها مع نشرة إنتربرايز الإمارات الصباحية. ترى ريوس أن التحول الحالي لا يقتصر على معدلات الضرائب الجاذبة فحسب، بل يتعلق أيضا بسهولة التواصل والانفتاح، مضيفة أن الجهات التنظيمية “لديها درجة عالية من المبادرة في التواصل مع المشاركين في السوق”. إذ تتفاعل بنشاط مع القطاع، ويظهر تأثير هذا الحوار جليا في الملاحظات التي تنشرها سلطة دبي لتنظيم الأصول الافتراضية (فارا) وسوق أبوظبي العالمي حول اللوائح النهائية.
ويقارن خبير في المجال هذا الوضع بالنهج الأكثر صرامة في الأسواق الكبرى الأخرى للعملات المشفرة، إذ صرح لنا غوراف دوبي، رئيس مجلس إدارة مجموعة تريد دوغ والرئيس التنفيذي لشركة “تي دي فاي”: “توضح لك سنغافورة دائما ما تقدمه وما يمكنك أن تجده هناك.. لكن الهيئات التنظيمية في الإمارات تتعامل بود شديد”، مشيرا إلى أن الجهات التنظيمية في الدولة تتفاعل بدأب، وتحافظ على حضورها البارز في القطاع، وتتواصل بوضوح، وتعامل الشركات الوافدة بترحاب.
ويساعد التنوع أيضا في هذا السياق؛ فهناك إطار تنظيمي منفصل لكل من سلطة دبي لتنظيم الأصول الافتراضية وسوق أبوظبي العالمي ومركز دبي المالي العالمي، وهذه التعددية التي تتسم بها الأطر التنظيمية في الإمارات عامل تميز مهم آخر، وفقا لريوس، التي أضافت أن شركات العملات المشفرة ليست مضطرة إلى اتباع جهة تنظيمية واحدة، وهذه التعددية يمكن اعتبارها ميزة مقارنة بالنماذج الأكثر مركزية مثل سنغافورة، موضحة أن الشركات تعمل على مستوى العالم منذ اليوم الأول، لذا فإن القواعد التنظيمية ليست محلية فحسب، بل غالبا ما تكون لها تداعيات على العمليات في جميع أنحاء العالم.
ووجود عدة جهات اختصاص، لكل منها قواعدها ومعاييرها للترخيص وأسلوبها الخاص في إنفاذ القوانين، يتيح للمؤسسين مواءمة استراتيجيتهم التنظيمية مع نماذج أعمالهم ومستويات المخاطرة لديهم، بدلا من إجبار كل الشركات على العمل ضمن إطار واحد.
كما أن التغييرات السريعة في اللوائح تعد سببا آخر لاختيار المؤسسين للإمارات، وتتجلى هذه الحيوية على سبيل المثال في المراجعات الأخيرة للوائح سلطة دبي للخدمات المالية، والتي حدثت أطر حوكمة الرموز المشفرة استجابة لتطورات السوق، وفقا لدوبي.
هل للأطر المتعددة أي عيوب؟
لا تعتقد ريوس أن الأطر التنظيمية المتعددة في الإمارات هي علامة على أن القطاع يعاني من حالة تفكك ضارة. وقالت إن “الترجيح بين الأطر التنظيمية أمر طبيعي ومعتاد في القطاع”، وأنه يمكن للجهات التنظيمية والشركات الاستفادة من ذلك الوضع. وأضافت أنه في قطاع عالمي مثل العملات المشفرة، تنجذب الشركات عادة نحو الجهات التنظيمية التي تفهم مجالها ويمكنها التكيف بسرعة.
وفي حين أن الوضع الحالي فعال حتى الآن فإنه لا يخلو من التحديات، بحسب دوبي، الذي أضاف أن هناك حاجة إلى نظام موحد وأكثر انسيابية للضرائب والامتثال في الإمارات، داعيا إلى وجود “نقطة دخول واحدة ونقطة خروج واحدة”، وهي لغة تلقى صدى لدى المؤسسين المعتادين على اللوائح التنظيمية الموحدة.
ومن جهة أخرى، تحذر ريوس من الإفراط في المركزية، قائلة إن “فرض الامتثال الكامل [عبر التراخيص].. على النماذج الجديدة يقيد فعليا التنفيذ وإمكانيات النمو”، مشددة على دور البرامج التجريبية والبيئات الاختبارية والمشاورات العلنية في تصميم السياسات.
كما أن هذه الجهات التنظيمية المختلفة تنسق فيما بينها؛ فعلى سبيل المثال، اتفقت هيئة الأوراق المالية والسلع وسلطة دبي لتنظيم الأصول الافتراضية مؤخرا على الاعتراف المتبادل بتراخيص الأصول الافتراضية الصادرة ضمن إطاريهما التنظيميين، مما يعني أن الشركات المرخصة من سلطة دبي يمكنها بسهولة أكبر تقديم خدماتها في إمارات أخرى غيرها. لا يلغي هذا الحاجة إلى التنسيق وإجراء المراجعات التنظيمية، لكن إطار التسجيل المشترك، والتبادل الفوري البيانات، والتنسيق في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب بين الجهات التنظيمية المختلفة، وبروتوكولات الرقابة المشتركة، كل هذه عوامل تساعد في تبسيط العملية.
وهذه الخطوة كانت محاولة لإلغاء الحاجة إلى عمليات موافقة “منفصلة وربما متضاربة”، ولتقليل المخاطر التشغيلية التي تواجهها شركات العملات المشفرة المتطلعة إلى العمل على مستوى الدولة.
الميزة الإضافية: نمط حياة مناسب وليس مجرد خيار لوجستي
يعد الدعم المتوفر من البنية التحتية وملاءمة الظروف المعيشية من الميزات المهمة أيضا. فعمليات الموافقة على التأشيرات وتصاريح الإقامة تتسم بالسرعة والموثوقية، مما يسمح للمؤسسين باستقدام فرق عمل كبيرة دون عوائق بيروقراطية، حسبما ذكر دوبي. وأشار إلى أن البنية التحتية في دبي تسهل على الموظفين والمسؤولين التنفيذيين العيش بالقرب من أماكن عملهم، مما يمنح الشركات ميزة حقيقية وملموسة مقارنة بالمقرات الخارجية، التي نادرا ما تزورها فرق العمل أو تواجه صعوبة في الوصول إليها.
ويمكن للشركات الاختيار بين التأسيس في البر الرئيسي أو في المناطق الحرة المالية، مما يسهل على المؤسسين وفرق العمل العيش والعمل بالقرب من عملياتهم. وعلى عكس بعض المناطق الأخرى بالخارج التي يتمثل دورها بالأساس في توفير مقر للأغراض القانونية والتنظيمية، فإن الشركات هنا يمكنها تأسيس مقرات في البر الرئيسي والمناطق الحرة في الوقت ذاته، مما يتيح لها التواجد فعليا مع الالتزام بالمتطلبات المحلية.