استغلت دولة الإمارات والهند زيارة الرئيس محمد بن زايد إلى نيودلهي لإبرام حزمة كبيرة من الاتفاقيات، تشمل التعاون في مجالات الطاقة والدفاع والفضاء، وتجارة الغذاء والاستثمار والتكنولوجيا المتقدمة، ومبادرات تقوية الروابط بين شعبي البلدين، مع رفع سقف الطموحات في مجالي التجارة والتعاون الرقمي.
الطاقة: أدنوك تتعاقد على توريد إمدادات طويلة الأجل من الغاز الطبيعي المسال
تصدرت أدنوك المشهد، بإبرام اتفاقية طويلة الأجل لتوريد الغاز الطبيعي المسال بين شركة أدنوك للغاز وشركة هندوستان بتروليوم الهندية الحكومية، وفقا لبيان رسمي (بي دي إف)، لتتحول بذلك الاتفاقية المبدئية المبرمة بينهما سابقا إلى عقد ملزم.
الشروط: ستورد أدنوك للغاز 0.5 مليون طن سنويا من الغاز الطبيعي المسال إلى شركة هندوستان لمدة 10 سنوات بدءا من عام 2028، وذلك من منشأة التسييل التابعة لها في جزيرة داس. وتتراوح قيمة العقد بين 2.5 و3 مليارات دولار.
ما أهمية ذلك؟ تعزز هذه الاتفاقية مكانة الهند كأكبر مشتر للغاز الطبيعي المسال من شركة أدنوك للغاز، في ظل سعي الحكومة الهندية إلى أن يشكل الغاز 15% من مزيج الطاقة لديها بحلول عام 2030. فعلى مدار العامين الماضيين، وقعت أدنوك للغاز عقودا بقيمة إجمالية تجاوزت 20 مليار دولار لتوريد الغاز الطبيعي المسال إلى شركات هندية، بما يشمل هندوستان ومؤسسة النفط الهندية وشركة جايل، ما يؤكد الأهمية المتزايدة للهند في استراتيجية الشركة الخاصة بالقارة الآسيوية.
الصورة الأكبر: تتوقع أدنوك للغاز أن ترتفع قدرتها الإنتاجية بحلول عام 2029 إلى 15.6 مليون طن سنويا من الغاز الطبيعي المسال، علما بأن الشركة تعاقدت بالفعل على بيع 3.2 مليون طن سنويا منها لشركات هندية.
ولم يقتصر التعاون في مجال الطاقة على الهيدروكربونات؛ إذ اتفق الجانبان على تعزيز التعاون الثنائي في المجال النووي السلمي، بما في ذلك المفاعلات النووية الكبيرة والمفاعلات النمطية الصغيرة، حسبما ذكر بيان لوزارة الخارجية.
ويشمل نطاق الاتفاقيات المبرمة التعاون في أنظمة المفاعلات المتقدمة، وتشغيل محطات الطاقة النووية وصيانتها، وتعزيز السلامة النووية، ما يجعل الطاقة النووية ركيزة طويلة الأمد ضمن استراتيجية الطاقة المستقبلية إلى جانب الغاز الطبيعي المسال.
سفارات رقمية وسفارات للبيانات
سيتعاون الجانبان في إنشاء مجموعة للحوسبة الفائقة في الهند بالشراكة مع جهة إماراتية، بالإضافة إلى دراسة فرص ضخ استثمارات إماراتية في توسيع قدرات مراكز البيانات الهندية، وفقا لما صرح به وكيل وزارة الخارجية فيكرام ميسري خلال مؤتمر صحفي خاص (شاهد، 28:06 دقيقة).
كما أن فكرة إنشاء السفارات الرقمية مطروحة أيضا لتوفير "ملاذ آمن للبيانات ذات الأهمية الوطنية والقيمة الاستراتيجية"، حسبما ذكر وكيل الوزارة، مضيفا أن الطرفين لم يضعا إطارا تنظيميا للفكرة حتى الآن. وسيدرس الجانبان جدوى إنشاء سفارة رقمية أو سفارة بيانات بموجب ترتيبات سيادية معترف بها من الطرفين.
شراكة دفاعية
وبعيدا عن الطاقة، شهد الزعيمان تبادل خطاب نوايا بشأن إبرام شراكة دفاعية استراتيجية، تمهيدا لتوطيد التعاون في السياسة الدفاعية والصناعات الدفاعية والتنسيق الأمني، وفقا لوكالة وام. ويأتي هذا الخطاب استكمالا لتعزيز الروابط الثنائية في مجال الدفاع.
الفضاء: من التعاون النظري إلى البنية التحتية التجارية
برز مجال الفضاء ضمن مجالات النمو الواعدة. إذ وقعت وكالة الإمارات للفضاء ومركز "إن سبيس" الهندي خطاب نوايا لدعم تطوير قطاع الفضاء والتعاون التجاري في الأنشطة الفضائية.
على الأجندة: ذكر ميسري في المؤتمر الصحفي أن المبادرة قد تشمل إنشاء مجمعات لإطلاق الصواريخ والأقمار الصناعية ومنشآت لتصنيع الأقمار الصناعية وإرسال بعثات فضائية مشتركة ومراكز تدريب وأكاديمية للفضاء، ما يشير إلى نقلة نوعية من الاكتفاء بالحوار إلى تأسيس بنية تحتية مشتركة والتسويق التجاري.
الاستثمار: منطقة دوليرا الخاصة للاستثمار
وفي مجال الاستثمار، شهدت الزيارة توقيع خطاب نوايا بين وزارة الاستثمار الإماراتية وحكومة ولاية غوجارات الهندية للتعاون في إنشاء منطقة دوليرا الخاصة للاستثمار، وذلك ضمن مشروع لتطوير مدينة ذكية في غوجارات. ووفقا لميسري، يمكن أن تتضمن الحزمة المقترحة مطارا دوليا، وتدريبا للطيارين، ومرافق للصيانة والإصلاح والعمرة، وميناء جديدا، وبنية تحتية للسكك الحديدية والطاقة، وتجمعا عمرانيا ذكيا، مع تحديد مشاريع معينة في وقت لاحق.
كما تطرق الجانبان إلى مدينة غيفت سيتي في غوجارات: فعلى صعيد منفصل، اتفقت الإمارات والهند على تسهيل إجراءات إنشاء المكاتب وبدء العمليات التشغيلية للشركات الإماراتية في مدينة غوجارات الدولية للتمويل والتكنولوجيا بالهند (غيفت سيتي)، مع الإشارة إلى أن بنك أبوظبي الأول ومجموعة موانئ دبي العالمية (دي بي وورلد) سيكونان من أوائل الجهات الإماراتية التي ستبدأ عملها هناك، وفقا لمنشور جايسوال. كما أن أصدقاءنا في بنك المشرق يتطلعون للتوسع هناك، وذلك بعد حصول جهاز أبوظبي للاستثمار على موافقة تنظيمية لتأسيس شركة تابعة محلية وإنشاء صندوق بقيمة 4-5 مليارات دولار في غيفت سيتي في فبراير 2024.
كما دعا رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي صناديق الثروة السيادية الإماراتية إلى التفكير في المشاركة في صندوق البنية التحتية الثاني التابع للصندوق الوطني للاستثمار والبنية التحتية، والمقرر تأسيسه في وقت ما من هذا العام.
ويعد جهاز أبوظبي للاستثمار من كبار الداعمين للصندوق الوطني للاستثمار والبنية التحتية، بعدما استثمر نحو مليار دولار ليصبح مساهما ومستثمرا مؤسسيا في الصندوق عام 2017.
اتفاقيات أخرى بشأن تجارة الأغذية والتعاون الثقافي
وقع الجانبان مذكرة تفاهم بشأن سلامة الأغذية والمتطلبات الفنية لتعزيز الصادرات الزراعية والغذائية من الهند مع دعم أهداف الأمن الغذائي لدولة الإمارات.
افتتاح بيت الهند: اتفقت الإمارات والهند على إنشاء معرض باسم بيت الهند في أبوظبي، ليكون مساحة ثقافية دائمة تعرض الفنون والتراث والآثار الهندية، وفقا لجايسوال. كما التزم الجانبان بتشجيع برامج التبادل الشبابي، ما يضيف بعدا اجتماعيا وثقافيا إلى الشراكة المتوسعة بين البلدين.
الصورة الأكبر: 200 مليار دولار بحلول عام 2032
رفع سقف التبادل التجاري المستهدف: قال ميسري إن حجم التبادل التجاري بين البلدين تجاوز 100 مليار دولار منذ اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة المبرمة عام 2022، ويهدف الزعيمان الآن إلى مضاعفته ليبلغ 200 مليار دولار بحلول عام 2032.
خطة التنفيذ: تشمل الأجندة تسهيل صادرات الشركات الصغيرة والمتوسطة والبالغة الصغر إلى غرب آسيا وأفريقيا وأوراسيا، وتشجيع مبادرات مثل مشروع بهارات مارت، الذي يضم مستودعا للتخزين ومركزا تجاريا لخدمة لشركات الهندية الصغيرة والمتوسطة، والعمل على ربط منصات الدفع الوطنية، من خلال الاستفادة من الأنظمة الحالية التي تتيح تسوية المدفوعات بالعملات المحلية.
الخلاصة؟ البلدان يوسعان نطاق شراكتهما
استكمالا للخطط التي كشف عنها في أوائل العام الماضي لتوسيع اتفاقية التجارة بينهما البالغة مدتها 10 سنوات، تسعى الإمارات والهند الآن إلى دمج ثمانية قطاعات جديدة ضمن نطاق التعاون الثنائي، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، والخدمات المالية، والتكنولوجيات الرقمية، والخدمات اللوجستية، وهو ما أكده الجانبان مؤخرا.
خلفية
يأتي هذا نتاجا لتوطيد التعاون خلال الفترة الماضية. فكما ذكرنا سابقا، شهد العام الماضي توقيع حزمة من الاتفاقيات بين كيانات إماراتية وأخرى هندية، بما في ذلك التزام إماراتي باستثمار ما يصل إلى ملياري دولار في قطاع اللوجستيات الهندي. كما أبرم الجانبان عدة اتفاقيات تجارية واستثمارية في عام 2024، من بينها اتفاقية للعمل على إنشاء ممر تجاري متعدد الوسائط وتوطيد التعاون في مجالات الطاقة والتكنولوجيا.