تُعد استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031 ركيزةً أساسيةً في صياغة المشهد الاقتصادي للدولة؛ تجسيدًا لرؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بأن “الريادة في المستقبل لمن يملكون الرؤية، والقدرة على التخطيط، والعزيمة على الإنجاز”. وانطلاقًا من هذا النهج، تتسارع وتيرة العمل اليوم لتبني حلول الذكاء الاصطناعي في آليات اتخاذ القرار وتعزيز كفاءة القطاعات الحيوية. وقد شهد عام 2024 نقطة تحول استراتيجية، حيث ضخت الدولة استثمارات بالمليارات في هذا القطاع، مؤكدة التزامها بترسيخ ريادتها العالمية.

وتأتي هذه الاستثمارات بشكل رئيسي من كبرى شركات التكنولوجيا العالمية، وفي مقدمتها شركة “مايكروسوفت” التي تعهدت بضخ 15.2 مليار دولار كاستثمار استراتيجي لتطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية في دولة الإمارات حتى عام 2029. بالإضافة إلى ذلك، قامت الدولة بتأسيس شركة MGX، وهي ذراع استثمارية سيادية متخصصة في مجال الذكاء الاصطناعي، تهدف إلى إدارة محفظة أصول عالمية تتجاوز قيمتها 100 مليار دولار. وفي إطار متصل، تمثل الشراكة الإماراتية الأمريكية في مجال الذكاء الاصطناعي خطوة محورية لتسريع وتيرة الابتكار وحماية البنية التحتية الرقمية. فتتجلى أهمية هذه الاتفاقية في تمكين شركة G42 من الوصول إلى أحدث تقنيات أشباه الموصلات عالميًا، مما يدعم كفاءة أنظمة الحوسبة فائقة السرعة ويؤهل الدولة لقيادة قطاع التكنولوجيا المتقدمة. علاوة على ذلك، أطلقت الإمارات مبادرة “الذكاء الاصطناعي من أجل التنمية” بقيمة مليار دولار، بهدف التوسع في خدمات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي في إفريقيا. وتؤكد هذه الجهود مجتمعةً سعي دولة الإمارات الحثيث لترسيخ مكانتها العالمية الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2031.

وعلى صعيد القطاع المالي، يمثل هذا التوجه الاستراتيجي دعوة صريحة لتسريع تبني حلول الذكاء الاصطناعي، بما يضمن صياغة مستقبل الخدمات المالية وتعزيز تنافسيتها على الخارطة العالمية.

بالإضافة إلى ذلك، تُعد هذه الرؤية المحرك الأساسي للتحول الرقمي الشامل الذي يشهده المشرق؛ حيث نمضي قُدمًا في مسيرة النمو بالاعتماد على الكفاءات العالمية لفريق العمل، مع الاستفادة من الحلول الرقمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي والمصممة لتبسيط العمليات التشغيلية، وتعزيز جودة المعلومات والرقابة، فضلاً عن الارتقاء بتجربة العملاء ودعم اتخاذ قرارات أكثر دقة وسرعة. وتكليلًا لهذه الجهود، حصدت منصاتنا المطوّرة جوائز مرموقة، ومن أبرزها منصة Eagle Eye المتخصصة في مكافحة الجرائم المالية والامتثال، ومنصة Cypher المدعومة بالذكاء الاصطناعي لتسوية المعاملات المالية.

وخلال المرحلة المقبلة، نتطلع إلى استبدال الأطر التقليدية لإدارة الأداء القائمة على البيانات بآليات تنبؤية واستباقية مدعومة بالذكاء الاصطناعي. ويتيح هذا النهج إعادة صياغة المنظومة المالية بالكامل، عبر آليات التنبؤ اللحظي وتحليل المخاطر المعقدة، الأمر الذي يعزز دقة التخطيط الاستراتيجي ويُسرّع وتيرة الإنجاز. والأهم من ذلك، أن هذه التقنيات ستسهم في تخفيف أعباء التسويات اليدوية، مما يمكن فريق العمل من التركيز على تقديم الاستشارات الاستراتيجية ذات القيمة المضافة.

ورغم الإمكانات التقنية الهائلة للذكاء الاصطناعي، إلا أنها لا تكتمل إلا بوجود عنصر بشري مبدع، فالرهان الحقيقي اليوم لا يقتصر على الحلول الرقمية فحسب، بل يمتد ليشمل جودة البيانات وتناغم الأنظمة وتمكين الكوادر. وإننا إذ نؤمن بأهمية الحوكمة واستراتيجية البيانات الموحدة كأطر مكملة، فأننا نؤمن يقينًا بأن العنصر البشري يظل هو المحرك الرئيسي في رحلة التغيير نحو المستقبل.

وفي إطار هذا التوجه، ينصبّ تركيزنا حاليًا على تمكين فريق العمل من اكتساب مهارات تحليل البيانات، وصياغة الرؤى الاستراتيجية، والإلمام الرقمي الشامل. ونهدف من ذلك إلى تحويل التحليلات المتقدمة إلى قرارات مالية رصينة، مع الالتزام المطلق بمعايير الحوكمة والنزاهة التي تُميز المؤسسات المالية الرائدة عالميًا.

واستشرافًا للمستقبل، يتمثل الاتجاه الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة في تطور الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة للتشغيل الآلي إلى وسيلة لتمكين الإنسان وتعزيز قدراته. إن الريادة في هذا التحول ستكون من نصيب المؤسسات التي تبادر بالاستثمار في كوادرها البشرية، وتعمل على إعادة صياغة الأدوار الوظيفية وترسيخ أطر الحوكمة، مؤكدةً أن العنصر البشري سيظل، حتى في ذروة التقدم التكنولوجي، هو الركيزة الأساسية والضمانة الحقيقية للنجاح المستدام.

نورمان تامباك، الرئيس المالي للمجموعة، المشرق