شهد العام الماضي أقل عدد من الطروحات العامة الأولية في الإمارات منذ فترة، لكن الحديث السائد في أوساط أسواق المال يدور حول النضج وإعادة تدوير رؤوس الأموال. وبينما تفوق سوق دبي المالي من حيث قيمة التداولات والمكاسب التي حققها، فإن سوق أبوظبي شهد عدة طروحات ثانوية كبرى، وفرت له دفعة كبيرة فيما يتعلق بالسيولة.

التحول من الاكتتابات الأولية إلى الطروحات الثانوية –

لم تعد الأسواق تشهد الكثير من الاكتتابات العامة التي تتضمن قفزات فورية في أسعار الأسهم، إذ شهدت البورصات الإماراتية ثلاثة طروحات عامة أولية فقط خلال العام الماضي، من نصيب صندوق مساكن دبي ريت، وأليك القابضة، وألفا داتا. بدلا من ذلك، أولت الشركات الكبرى الأولوية لزيادة السيولة وتعميق سوقها، بما في ذلك أدنوك ومبادلة وبنك أبوظبي الأول.

بالأرقام: جمعت الكيانات المرتبطة بالدولة 4.75 مليار دولار عبر طروحات ثانوية خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي، أي ما يقترب من ثلاثة أمثال العائدات المسجلة في عام 2024.

ويرجع هذا التحول إلى زيادة شهية المستثمرين الأجانب، حسبما نقلت بلومبرغ عن ماجد المسماري رئيس الخدمات المصرفية الاستثمارية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى مجموعة جيفريز المالية. كما أن العديد من الشركات التي نفذت طروحات ثانوية أضيفت لاحقا إلى مؤشر “إم إس سي آي”، بما في ذلك بريسايت وأدنوك للإمداد والخدمات، بعدما أصبحت مؤهلة نتيجة رفع نسبة أسهمها الحرة.

لكن هذا التحول نحو الطروحات الثانوية الضخمة لم يمر دون ثمن؛ فكما أشار أحمد كمال، مدير المحافظ في أزيموت، ابتلعت هذه الطروحات الضخمة جزءا كبيرا من السيولة ؛ إذ اضطر المستثمرون إلى بيع أسهم شركات أخرى لتوفير السيولة النقدية لهذه الطروحات، ما جعل السوق يمر بفترات قصيرة من ضغوط البيع.

سوق دبي المالي –

كان سوق دبي المالي ثالث أفضل الأسواق أداء في دول الخليج خلال العام الماضي، بعدما ارتفع مؤشره بنسبة 17%، مواصلا الارتفاع للعام الخامس على التوالي. وصحيح أن هذه النسبة أقل بكثير من مكاسبه التي بلغت 27% في عام 2024، لكنه تفوق بفارق كبير على سوق أبوظبي للأوراق المالية الذي ارتفع بنسبة 6% فقط، متعافيا من انخفاضه بنسبة 1.7% في العام السابق.

وأنهت خمسة من قطاعات السوق الثمانية العام الماضي على ارتفاع، بقيادة قطاع المواد الذي قفز بنسبة 29.9%، يليه قطاع خدمات الاتصالات (+29.5%) ثم الصناعة (+28.1%). بينما كان قطاع السلع الاستهلاكية الكمالية هو الأكثر تراجعا بنسبة 24%. وارتفعت القيمة السوقية لسوق دبي بنسبة 14.7% على أساس سنوي، مدفوعة في المقام الأول باكتتاب شركة أليك القابضة.

كما شهد نشاط التداول قوة ملحوظة؛ إذ ارتفعت أحجام التداول بنسبة 19.8% على أساس سنوي لتصل إلى 60.4 مليار سهم، بينما قفز إجمالي قيمة التداولات بنسبة 55.3%. وكان سهم إعمار العقارية هو الأكثر تداولا من حيث القيمة، إذ بلغت قيمة تداولاته 46.4 مليار درهم.

وعلى مستوى الأسهم، تصدرت شركة اكتتاب القابضة الكويتية قائمة الشركات الصاعدة في العام الماضي، بارتفاع سعر سهمها بنسبة 167.2%، تلتها شركة الاتحاد العقارية بنسبة 104.1%، بينما سجلت الوطنية الدولية القابضة أكبر انخفاض بنسبة 62.4%.

سوق أبوظبي للأوراق المالية –

حل سوق أبوظبي للأوراق المالية في المرتبة الخامسة كأفضل الأسواق أداء في الخليج خلال العام الماضي. وارتفعت قيمته السوقية بنسبة متواضعة بلغت 3.7% لتصل إلى 3 تريليونات درهم.

وأنهت خمسة من قطاعاته العشرة عام 2025 على ارتفاع، بقيادة قطاع العقارات (+15.4%)، يليه الاتصالات (+12.7%) ثم الخدمات المالية (+9.2%). وفي المقابل، تراجع قطاع السلع الاستهلاكية الأساسية بنسبة 43.0%، بينما انخفض قطاعا الرعاية الصحية والسلع الاستهلاكية الكمالية بنسبة 23% و18.4% على التوالي. كما تراجعت القطاعات ذات القيمة السوقية الكبيرة مثل قطاع المرافق بنسبة 3.4%، وهو ما أحدث تأثيرا طفيفا في الأداء العام.

وعلى مستوى الأسهم، تصدرت شركة صناعات أسمنت الفجيرة قائمة الشركات الصاعدة بقفزة بلغت 122.2%، بينما جاءت مجموعة مير في مقدمة الشركات الخاسرة بانخفاض قدره 46.2%. وظل سهم الشركة العالمية القابضة الأكثر تداولا من حيث القيمة بحوالي 42.7 مليار درهم.

رأينا –

يبدو أن دبي ناجحة في ترسيخ مكانتها كسوق للمتداولين؛ فبينما يتمتع سوق أبوظبي بالقيمة السوقية الأكبر (بواقع 3 تريليونيات درهم مقابل تريليون درهم لدبي)، يتسم سوق دبي بسرعة وتيرة التداول. فالقفزة البالغة 55% في قيمة التداولات تعني أن المستثمرين لا يكتفون بوضع أموالهم في الأسهم وتركها راكدة، وإنما يواصلون تداولها وتحريكها باستمرار.

كذلك تشير البيانات إلى أن السوق يأخذ في حسبانه استعداد الشركات لدورة ضخمة من النفقات الرأسمالية، لا سيما في ظل اكتتاب شركة أليك القابضة وطفرة قطاعي المواد والصناعة، كما أنه متأثر بحالة الانكماش المرتقبة في الاستهلاك (ويتضح ذلك في تراجع قطاع السلع الأساسية في أبوظبي بنسبة 43%).