تفاؤل حذر؟ أي تفاؤل حذر؟ مر شهر تقريبا على حضورنا أول تجمع لنخبة من المصرفيين الاستثماريين ومديري الصناديق والمحافظ العالمية والمحللين وكبار المسؤولين التنفيذيين في دبي بعد إعلان ترامب بدء تطبيق التعرفات الجمركية في ما وصفه بـ "يوم التحرير" للاقتصاد الأمريكي. وفي تجمع آخر لنخبة مماثلة بعد شهر واحد فقط، رصدنا تغيرا ملحوظا في معنويات الحاضرين؛ فحالة "التفاؤل الحذر" التي كانت سائدة آنذاك في التجمع الأول تحولت إلى تفاؤل مطلق بشأن الآفاق الواعدة التي تنتظر اقتصاد دبي والإمارات، بل ودول الخليج بأسرها، وسط التقلبات الحالية في النظام العالمي.
في مؤتمر "ون أون ون" الذي نظمته "إي إف جي هيرميس" قبل شهر، كان المحللون والمصرفيون يوازنون بين المخاطر التي تواجه المنطقة والأساسات القوية التي وطدتها خلال السنوات القليلة الماضية. أما أمس، في قمة أسواق رأس المال في دبي، فكان الاقتصاديون والمحللون العالميون يعددون الأسباب تلو الأسباب التي ستجعل دبي تخرج رابحة من الحروب التجارية الجارية.
آراء محلية: قال شهاب قرقاش أحد كبار رجال الأعمال المحليين والرئيس التنفيذي لمجموعة قرقاش في إحدى الجلسات النقاشية إن "الاضطرابات تتيح فرصا للمنطقة... لأننا أصغر حجما ... ونقف على الحياد بينما يتقاتل بقية العالم".
الأساسات قوية.. والزخم أيضا: يمنح "انفتاح أبواب الإمارات أمام التجارة ورأس المال والأفراد" والتغييرات الهيكلية التي أجرتها خلال السنوات الخمس الماضية حصانة قوية ضد التأثر بالصدمات الخارجية، حسبما قال سايمون وليامز كبير الاقتصاديين في بنك "إتش إس بي سي" لمنطقة أوروبا الوسطى والشرقية والشرق الأوسط وإفريقيا في جلسة نقاشية أخرى، مضيفا أنه لن يكون لتراجع أسعار النفط والتغيرات التجارية تأثيرات سلبية غير مباشرة على اقتصاد دبي، وإنما "سيبرزان نقاط قوتها".
كذلك تبلي الإمارات بلاء حسنا بالحفاظ على علاقاتها بكل من الولايات المتحدة والصين، فهو يفيدها في تعزيز مكانتها كمركز تجاري. ويرى كل من وليامز والخبير الاقتصادي سيرغي غوريف عميد كلية لندن للأعمال أن الدولة ستواصل اتباع هذا النهج المتوازن.
كما يراها المستثمرون ملاذا آمنا في ظل التقلبات التي تعصف بالأصول الآمنة التقليدية كالدولار الأمريكي؛ إذ يعد سوق دبي المالي من أفضل الأسواق العالمية الكبرى أداءً منذ "يوم التحرير"، حسبما قال ألوك غوبتا المدير الإداري والرئيس المشارك لقسم أسواق رأس المال الدولية ببنك جي بي مورغان، في إحدى الجلسات النقاشية. وقد سجل المؤشر العام لسوق دبي المالي أعلى مكاسب شهرية في دول مجلس التعاون الخليجي بارتفاع قدره 4.1%، ليختتم الربع الأول مرتفعا بنسبة 2.9% منذ بداية العام حتى تاريخه، في حين سجل مؤشر سوق أبوظبي للأوراق المالية ارتفاعا بنسبة 1.8%.
حتى الطروحات العامة الأولية بدأ الإقبال عليها يعود مجددا بعد ربع أول هادئ لم يشهد أي طروحات جديدة في سوق دبي وطرحا واحدا فقط في سوق أبوظبي. إذ تعتزم دبي القابضة طرح حصة بنسبة 12.5% من أسهم وحدتها التابعة مساكن دبي ريت للاكتتاب العام في سوق دبي المالي خلال الشهر الجاري.
كما يرى المحللون أن الزخم القوي للطروحات العامة الأولية الذي شهده العام الماضي، والذي استضافت فيه دبي أكبر طرح عام أولي في مجال التكنولوجيا في العالم بفضل شركة طلبات، سيستمر هذا العام أيضا؛ إذ يتوقع إد سانكي الرئيس العالمي لقسم أسواق رأس المال في بنك "إتش إس بي سي" أن تشهد المنطقة عددا أكبر من الطروحات العامة الأولية مقارنة بالعام الماضي، رغم إرجاء معظم الطروحات العامة الأولية في العالم إلى النصف الثاني من العام. ويأتي هذا أيضا رغم التباطؤ الذي يشهده النشاط العالمي بالفعل منذ بداية العام، وانخفاض التوقعات بشأن أداء بعض الأسواق العالمية عن التوقعات السابقة.
مزيد من تدفقات رأس المال في الطريق: "لم يدرك المستثمرون العالميون بعد الحجم الحقيقي للفرص الواعدة في الإمارات، لكن ستشهد السنوات الخمس المقبلة تدفق المزيد من الاستثمارات إلى البلاد"، حسبما قال ألوك غوبتا مرجحا أن يستمر الزخم الذي شهده السوق منذ الشهر الماضي لفترة ليست بالقصيرة.
هل هذا يعني حصانة المنطقة ضد كافة الصدمات الخارجية؟ ليس بالضرورة. فأغلب المتحدثين في قمة الأمس يرون أن تقلبات أسعار النفط والدولار قد تشكل مخاطر على المنطقة، لكن الإجماع الغالب — مع الأخذ بالاعتبار أن المنطقة نفسها ليست كتلة متجانسة؛ أي أن بعض الدول تبدي مرونة أكثر من البعض الآخر — هو أن الأسس القوية وتنويع الموارد الاقتصادية بعيدا عن النفط، فضلا عن الحياد النسبي للمنطقة وسط التوترات الجيوسياسية والتجارية، سيسمح لها بالحفاظ على مكانتها المستحقة كمركز لجذب الثروات العالمية، حتى في مواجهة الظروف العالمية الصعبة، أو بفضل هذه الظروف.