شهدت أسواق الديون نشاطا مكثفا في المنطقة هذا العام، إذ لجأت الشركات والجهات السيادية إلى أسواق الدين مع توجه دول الخليج إلى التوسع وتنويع الاستثمارات — واحتياج عدة قطاعات سريعة النمو إلى رأس المال، مثل البنية التحتية والعقارات والبنوك.

كان 2024 عاما ممتازا لجهات الإصدار التي تتطلع إلى تنويع رأس مالها — شهدنا المزيد من إصدارات الصكوك، وإصدارات السندات من المستوى الأول، والمزيد من سندات الاستدامة في منطقتنا، إذ تجني البنوك ثمار عملها على وضع أطر تنظيمية لهذه الإصدارات.

من يقود نشاط الإصدارات في المنطقة مع دخولنا نهاية العام؟ وكيف تبدو هوامش الأسعار؟ في الجزء الثاني من حوارنا مع حسن عروج، رئيس مجموعة أسواق رأس المال المقترض بالمشرق، نناقش التوقعات المستقبلية لإصدارات الديون في المنطقة خلال الشهرين الأخيرين من العام ومطلع العام المقبل، وأشكال الديون الأكثر جاذبية لجهات الإصدار في المنطقة الآن، وغيرها الكثير. طالعوا الجزء الأول من الحوار للوقوف على تحليل عروج لأداء الأسواق العالمية هذا العام، وتأثير السياسات الأمريكية على الإصدارات في المنطقة.

إليكم مقتطفات محررة من الحوار:

إنتربرايز: شهدنا نشاطا هائلا في إصدارات الشركات والإصدارات السيادية هذا العام — هل تتوقع أن يستمر ذلك خلال الربع الأخير والعام المقبل؟

حسن عروج: مرة أخرى، الولايات المتحدة ستلعب دورا في ذلك. فالمسألة تتعلق بتأثير عائد سندات الخزانة على الإصدارات، لكنني أتوقع أن يستمر نشاط الإصدارات السيادية التي شهدناها هذا العام. وأرى أن السعودية ستظل محركا رئيسيا في منطقة الخليج، وأن جهات سيادية أخرى ستزيد نشاطها، خاصة الجهات التي ارتفعت تصنيفاتها مؤخرا مثل سلطنة عمان.

وليست الجهات السيادية فقط — نتوقع زيادة النشاط من جهات الإصدار في البلدان التي تحسنت تصنيفاتها الائتمانية، وربما حتى مصر.

والكثير من الشركات في المنطقة لديها مراكز مالية بالغة القوة، وما يصلنا من شركات عديدة هو أنهم يرون أسعار الفائدة مرتفعة الآن. ومعدلات القسائم لم تعد كما كانت في 2020 و2021. فالبنوك قد تكون مستعدة للإقراض بأسعار تنافسية، لكن الشركات تفضل الانتظار حتى تخفيض أسعار الفائدة. هل هذا قرار سليم؟ سنرى، لكن ما لاحظته هو أن الكثير من الشركات التي تتمتع بمراكز مالية قوية تفضل الانتظار وتتوقع خفض أسعار الفائدة العام المقبل.

مخاطر هذا النهج هو أن أسعار الفائدة قد تنخفض العام المقبل، لكن ليس بالقدر المتوقع. وبعض جهات الإصدار قررت الانتظار حاليا — لكن ينبغي لهم ألا ينتظروا فترة أطول من اللازم لأن لديهم خطط عليهم تنفيذها. سيستمر نشاط الإصدارات، لكن ربما يتعين على جهات الإصدار دفع أكثر مما خططوا له في البداية.

إنتربرايز: ماذا عن الإمارات؟

حسن عروج: سيستمر النشاط في الإمارات. يسهل أحيانا أن يطغى نشاط السعودية قليلا على الإمارات بسبب الحجم الهائل للإصدارات السعودية. لكن علينا ألا ننسى أن الإمارات من الدول الرئيسية المحركة للإصدارات الخليجية، ونتوقع أن يستمر ذلك.

نتوقع أيضا أن تظل الإمارات في طليعة الدول من حيث الأنواع الجديدة من الإصدارات، فمن جهة إصدارات الاستدامة — خاصة بعد COP28 العام الماضي — رأينا الكثير من الجهات في الإمارات تصدر سندات خضراء ومستدامة. ونرى أن هذا الاتجاه سينتشر. وقد استغرقت البنوك بعض الوقت في التجهيز لإصدار سندات الاستدامة، لكن هذه التجهيزات بدأت تؤتي ثمارها. وسنرى الكثير والكثير من الإصدارات في هذا المجال تأتي من الإمارات، خاصة من البنوك والمؤسسات المالية، وهي المحركات الرئيسية لهذه الإصدارات في البلاد، في مقابل السعودية حيث الجهات السيادية والهيئات المرتبطة بها هي المحرك الرئيسي للإصدارات المستدامة.

إنتربرايز: ماذا عن الصكوك؟ كانت الإمارات من أكبر مصدري الصكوك هذا العام، إلى جانب بقية دول المنطقة والأسواق الناشئة — هل تتوقع استمرار ذلك؟

حسن عروج: شهدنا إصدار صكوك بقيمة 38 مليار دولار هذا العام، وتجاوزنا بالفعل إجمالي قيمة الصكوك المصدرة العام الماضي عند 37 مليار دولار، لذا فإن أداء الصكوك قوي جدا هذا العام.

ولدينا جهات الإصدار المعتادة المتمرسة التي تجري عدة إصدارات في العام الواحد؛ وبعضها جهات سيادية في الإمارات. وتحب هذه الجهات استخدام الصكوك في تنويع إصداراتها. ونعرف أن الصكوك تعتبر عادةً خيارا أرخص من السندات التقليدية، لكن بالنسبة لجهات الإصدار المتمرسة، فهي تستخدمها في التنويع. فلا يمكنها أن تستمر في الاعتماد على السوق التقليدي فقط.

أما الجهات الأحدث التي لم تدخل السوق من قبل — فالمنتج المفضل لديها هو الصكوك. فإن كنت جهة جديدة في السوق، ستواجه بدرجة كبيرة ما نسميه بمخاطر التنفيذ. والصكوك — وما توفره من وصول إلى البنوك والمستثمرين الإسلاميين — تقلل مخاطر التنفيذ بدرجة كبيرة — خاصة لدى الجهات مرتفعة العائد. ولهذا السبب، أتوقع أن يستمر أداء الصكوك قويا.

إنتربرايز: وبالنسبة للمشرق، ما المناطق التي تتطلعون إلى إجراء إصدارات الديون فيها؟ أعرف أن البنك يكثف نشاطه خارج المنطقة مؤخرا. هل ستستمرون في هذا النهج؟

حسن عروج: كثفنا إصداراتنا خارج منطقة الخليج مؤخرا. أجرينا نحو 50 معاملة هذا العام، وهو عام قياسي لأسواق الدين هنا في المشرق. ونصف هذه المعاملات جاء من خارج منطقة الخليج. وهذه الاستراتيجية للعمل خارج منطقة الخليج دون التخلي عن وجودنا القوي فيها تؤتي ثمارها.

سعدنا برؤية الأسواق تنفتح أمام بعض جهات الإصدار من الأسواق الناشئة، خاصة في أفريقيا، على سبيل المثال، ولدينا آمال كبيرة في أن نشهد نشاطا أكبر بكثير خلال الأشهر الـ 12 المقبلة.

من المناطق المثيرة للاهتمام أيضا رابطة الدول المستقلة، وبالأخص أوزبكستان حيث لاحظنا فرصا مثيرة للحماس على مدار السنوات القليلة الماضية. ورأينا هذه الفرص المحتملة تتحقق هذا العام، وشاركنا في عدة إصدارات وأسهمنا بنشاط في فتح هذا السوق الجديد أمام المستثمرين الدوليين. ونتوقع استمرار هذا الزخم في 2025.

إنتربرايز: التوترات الجيوسياسية في المنطقة ستصبح من الموضوعات الكبرى على الأرجح خلال الشهرين المقبلين والعام المقبل. ما تقييمك للتأثير المحتمل لهذه التوترات على الأسواق خلال العام المقبل؟

حسن عروج: مقرنا هنا في الشرق الأوسط، والتوترات الجيوسياسية في المنطقة مستمرة منذ أعوام طوال. وأحيانا تشتغل في بؤر بعينها، ثم تهدأ مرة أخرى. شاهدنا هذه الدورات تحدث من قبل، وقد وصلنا إلى مرحلة تستطيع فيها الأسواق تجاهل الكثير من هذه التوترات. وصحيح أننا شهدنا تصعيدا هذا العام لم نره من قبل، لكن السوق حافظ على اتجاهه الإيجابي رغم هذا.

يمكن أن نلاحظ هذا في أسعار النفط. نتوقع عادة أن تشهد أسعار النفط ارتفاعا حادا عند اندلاع التوترات الجيوسياسية. لكن هذا لم يحدث منذ أكتوبر من العام الماضي.