تباطأت خطط التوظيف في الإمارات تباطؤا حادا قبيل الربع الثالث من العام الحالي، إذ اتجه أصحاب الأعمال إلى توخي الحذر بدرجة ملحوظة في ظل التحديات الجيوسياسية الراهنة، رغم البداية القوية مطلع العام، وفقا لاستطلاع آفاق التوظيف للربع الثالث الصادر عن مجموعة مانباور (بي دي إف). وأظهر الاستطلاع أن صافي نسبة أصحاب الأعمال الذين يخططون للتوظيف بلغ 17%، مسجلا تراجعا بمقدار 43 نقطة على أساس ربع سنوي، و31 نقطة على أساس سنوي، إذ توقع 25% من أصحاب الأعمال تقليص العمالة لديهم، مقابل 42% يسعون لزيادة أعداد موظفيهم.
العوامل الجيوسياسية هي السبب البديهي: صرحت مجموعة مانباور لنشرة إنتربرايز الإمارات بأن "49% من أصحاب الأعمال الذين يتوقعون خفض العمالة أشاروا إلى أن التحديات الجيوسياسية أثرت سلبا على قرارات التوظيف لديهم"، مقارنة بنسبة 37% أرجعوا توجههم إلى الضغوط الاقتصادية. كما تراجعت مستويات الثقة في نمو الأعمال تراجعا حادا، إذ انخفضت نسبة الشركات التي تخطط للتوظيف مدفوعة بنمو أعمالها إلى 36%، مقارنة بنسبة 54% في الربع الثاني.
لا يقتصر الأمر على تباطؤ وتيرة التوظيف فحسب، إذ تشهد القطاعات الأكثر تأثرا بالظروف الحالية تخفيضات في الأجور وتمنح الموظفين إجازات غير مدفوعة، وفقا للمتحدث باسم مجموعة مانباور. وهذه القطاعات كما هو متوقع هي التجارة والخدمات اللوجستية، التي سجلت التراجع السنوي الأكثر حدة لتنخفض توجهات التوظيف فيها بنسبة 71% وتصل إلى نسبة صافية سلبية، يليها قطاع الضيافة الذي "تأثر بشدة مقارنة بحاله في نفس الوقت من العام الماضي"، وأضاف المتحدث أن "مغادرة السياح والمغتربين ضربت هذا القطاع مبكرا وبقوة"، وإن كانت نسبته الصافية ما زالت إيجابية وتبلغ 21%.
السياق: اندلعت الحرب في وقت ذروة للقطاع، وذلك في الشهرين الأخيرين قبل ركود الصيف، وهي الفترة التي تشهد عادة زيادة في حركة السياحة بفضل جدول الفعاليات المزدحم والطقس الجيد.
كما سجلت قطاعات البناء والعقارات والمرافق والخدمات المهنية أيضا تراجعا في توجهات التوظيف، لكن نسبها الصافية ظلت إيجابية بدعم من استمرار تسليم المشاريع العملاقة، حسبما أوضح المتحدث.
الشركات الصغيرة هي الأكثر تضررا: أبدت الشركات الكبرى أعلى مستويات الثقة بين الجهات التي تتطلع إلى التوظيف، إذ بلغت صافي نسبة الشركات التي تخطط للتوظيف بينها 35%، مقابل 29% في حالة الشركات التي يقل عدد موظفيها عن 10 أفراد. وفي المقابل، سجلت الشركات التي تضم ما بين 10 إلى 49 موظفا نسبة بلغت -7%. وأضافت مجموعة مانباور أن هذه المؤشرات تدل على أن الشركات الصغيرة تجد صعوبة أكبر في تحمل آثار الظروف الغامضة الحالية مقارنة بالشركات الكبرى.
وعلى الجانب الآخر من المشهد، جاء قطاع تكنولوجيا المعلومات في الصدارة كأكثر القطاعات رغبة في التوظيف، مسجلا نسبة صافية بلغت 31%، وهو "ما قد يكون المؤشر الأكثر دلالة على كيفية إعادة توجيه أصحاب العمل في الإمارات لاستثماراتهم وأولويات جذب الكوادر لديهم تحت وطأة الضغوط"، بحسب المتحدث. وأوضح أن "المؤسسات التي تواصل التوظيف هي بشكل عام تلك التي ترتكز قيمتها المضافة على الجوانب الرقمية أو المعرفية أو المرتبطة بالبنية التحتية، والتي مصادر إيراداتها إما محصنة ضد اضطرابات سلاسل التوريد أو تستفيد فعليا من تسارع الاعتماد على التقنيات الرقمية"، في حين أن "المؤسسات التي تشهد تراجعا في خطط التوظيف هي تلك التي تعتمد عملياتها على التنقل أو تردد العملاء أو التجارة عبر الحدود، وهي تحديدا الأنشطة الأكثر تضررا بشكل مباشر من الصراع وتداعياته". أما قطاعا التمويل والتأمين فاستقرت توجهات التوظيف فيهما على أساس سنوي.
وهذا الاتجاه رغم تفاقمه مؤخرا ليس بجديد كليا؛ فقد "كان أصحاب العمل في الإمارات يوجهون استثماراتهم تدريجيا نحو الوظائف متعددة المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والبيانات والخدمات المالية والرعاية الصحية"، وفقا لتعليقات الخبراء، الذين أوضحوا أن "الصدمة الجيوسياسية أسهمت في تسريع وتيرة إعادة توجيه الاستثمارات بدلا من عكس مسارها".
السياق
في بداية الحرب الإقليمية، كانت خطط التوظيف مستقرة نسبيا نظرا لأن أصحاب الأعمال اعتبروا الاضطرابات محدودة ومؤقتة، حسبما علق لنا عدد من المحللين. وسجل مؤشر كوبير فيتش للتوظيف في الخليج الصادر في أبريل انكماشا بنسبة 12% في مارس، وهو الشهر الذي شهد ذروة النشاط العسكري، قبل أن يرتد المؤشر صعودا بنسبة 13% في أبريل مع بدء سريان وقف إطلاق النار واستئناف المشاريع وخطط التوظيف. ومع ذلك، أوضح الخبراء أن الوضع خلال الفترة المتبقية من العام سيعتمد بشكل كبير على مدة استمرار الحرب، وأن شهية المخاطرة ستتأثر في حالة استمرار الصراع.
ويتجه مسؤولو التوظيف بشكل متزايد نحو السوق المحلية بدلا من الاعتماد على جذب الكوادر من الخارج، وذلك ضمن عملية إعادة تشكل أوسع لأسواق العمل في دول مجلس التعاون الخليجي. كما تتسم أنماط التوظيف بتباين ملحوظ فيما بين القطاعات المختلفة، إذ كان قطاعا السياحة والضيافة الأكثر تضررا، في حين واصل قطاع العقارات تسجيل نمو قوي.