Posted inالخبر الأبرز اليوم

حكومة أبوظبي تستحوذ على منافسات "تي 10" للكريكيت وتعتزم الوصول بها إلى العالمية

تدمج هذه الخطوة رياضة الكريكيت ضمن استراتيجية أبوظبي للاستثمار الرياضي، والتي تضم رياضات مثل الجولف وبطولة القتال النهائي وسباقات فورمولا 1

تسعى حكومة أبوظبي إلى إحكام قبضتها على واحدة من أسرع فئات الكريكيت نموا؛ ويتجاوز طموحها حدود الإمارات. إذ استحوذ مركز أبوظبي للكريكيت والألعاب الرياضية المدعوم من حكومة الإمارة على حصة الأغلبية والسيطرة التجارية الكاملة على دوري أبوظبي لمنافسات "تي 10"، ليحول البطولة التي بدأت كمشروع خاص إلى أصل رياضي تديره الدولة، وفقا لبيان رسمي.

وتأتي هذه الخطوة بدعم من مجلس أبوظبي الرياضي ومجلس الإمارات للكريكيت، لتتضافر بذلك جهود الدعم المؤسسي وراء البطولة التي ظلت مملوكة للقطاع الخاص حتى وقت قريب منذ أن أسسها رائد الأعمال شاجي الملك في عام 2017.

يركز الترويج لهذه الخطوة على الحوكمة والشفافية المالية، وذلك لتوجيه رسالة محددة. فقد واجه الدوري تساؤلات حول الموثوقية المالية في مواسم سابقة. وذكر مات باوتشر، الرئيس التنفيذي للبطولة، بصراحة أن استعادة ثقة ملاك الفرق تعد ركيزة محورية لعملية إعادة الهيكلة، مشيرا إلى أن ضمان "استقرار الفرق على المدى البعيد" يعد إحدى الأولويات الرئيسية للبطولة، وذلك خلال مقابلة مع وكالة رويترز.

كما يبدو أن البطولة ستصبح عالمية، إذ تهدف الحكومة إلى إعادة تشكيل بطولة "تي 10" لتكون بطولة عالمية قائمة على نموذج الامتيازات التجارية. إذ ستُطرح ثمانية أماكن متاحة لانضمام فرق جديدة في السوق من خلال طرح دعوة رسمية لتقديم العطاءات، مع السعي لجذب مجموعات ملكية دولية، حسبما صرح باوتشر للوكالة الإخبارية.

وهناك مبرر اقتصادي بالفعل؛ فقد حققت نسخة عام 2025 قيمة إعلامية بلغت 512 مليون دولار، وفقا لمنصة "جي إس آي كيو" المستقلة لتحليل البيانات. وبالنسبة إلى أن البطولة تعتمد نظام الأشواط العشر الذي يشهد إكمال المباراة في حوالي 90 دقيقة، فإن هذا يعد رقما مغريا للرعاة وجهات البث التي تسعى لاستقطاب الجماهير الأصغر سنا التي يصعب جذب انتباهها.

لماذا الكريكيت؟

تحظى رياضة الكريكيت بشعبية كبيرة في الإمارات. ويشكل الهنود والباكستانيون معا نحو 50% من إجمالي سكان الإمارات. أي أن الإمارات لديها جمهور جاهز لمتابعة بطولة "تي 10" وقاعدة جماهيرية مضمونة لا يمكن بناؤها في معظم الدوريات الرياضية الناشئة إلا بعد سنوات، ما يجعل الإمارات واحدة من الأسواق القليلة خارج جنوب آسيا التي تحظى فيها رياضة الكريكيت بثقل تجاري بين شريحة كبيرة.

ويبدو أن "مجتمعات المغتربين من جنوب آسيا في جميع أنحاء العالم تقود الطلب على رياضة الكريكيت بفئاتها المختلفة"، حسبما ذكر سايمون تشادويك، أستاذ الرياضة المختص بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وشرق وجنوب آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء وأوروبا، في تصريحات لنشرة إنتربرايز الصباحية. وقد اتضح ذلك بالدليل القاطع في عام 2024 عندما أقيمت كأس العالم "تي 20" في الولايات المتحدة، مدفوعة إلى حد كبير بتأثير المغتربين الهنود العاملين في قطاع التكنولوجيا.

كما أن إدراج الكريكيت ضمن الرياضات الأولمبية بداية من دورة لوس أنجلوس 2028 يعزز المبررات الداعمة لهذا الاستثمار. ويرى تشادويك أن ذلك قد يمثل نقطة تحول فارقة، نظرا إلى أن "بعض الدول مثل الولايات المتحدة والصين تسعى دائما إلى حصد ميداليات ذهبية في كل رياضة مدرجة ضمن الألعاب الأولمبية". لذا فالرياضة التي تجذب اليوم شريحة محددة من الجمهور العالمي، قد تحظى في غضون بضع سنوات باهتمام من اثنين من أكبر اقتصادات العالم.

ويوضح أن هذه "ربما تكون هذه خطوة من أبوظبي للاستثمار في رياضة تكتسب شعبية عالمية متزايدة، ويمكن تقديمها للمشاهدة بأشكال مختلفة يسهل متابعتها عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي"، في إشارة إلى نظام مباريات "تي 10" الذي يستغرق وقتا أقصر مقارنة بأنظمة الكريكيت التقليدية مثل المباريات الاختبارية التي قد تستمر حتى 5 أيام.

كل هذا بالإضافة إلى حجم السوق المستهدف. فقد أصبحت الهند حاليا الدولة الأكثر سكانا في العالم، وتشير معظم التوقعات إلى أنها تمضي في طريقها لتصبح ضمن أكبر اقتصادين في العالم بحلول عام 2050 إلى جانب الصين. وعن ذلك يقول تشادويك: "هناك 1.6 مليار شخص في الجوار مهووسون بالكريكيت"، أي أنها سوق متاحة لانتشار متابعة هذه الفئة من الرياضة بسهولة.

كما تستفيد الإمارات من دور محوري ظلت ترسخه بهدوء على مدى العقد الماضي: وهو أن تكون أرضا محايدة لإقامة مباريات الكريكيت بين الهند وباكستان، في ظل صعوبة تنظيم المباريات الثنائية على أراضيهما بسبب التوترات السياسية بينهما. وقال تشادويك: "يبدو أن دبي والإمارات أصبحتا موطنا افتراضيا لإقامة مباريات الكريكيت الباكستانية والهندية". وهذا، إلى جانب نقل المجلس الدولي للكريكيت مقره الرئيسي من لندن إلى دبي، يمنح الإمارات ثقلا مؤسسيا فيما يخص هذه الرياضة.

الاستحواذ يناسب استراتيجية أبوظبي الراسخة

أنشأت أبوظبي بنيتها التحتية الرياضية بطريقة منهجية، بدءا من فورمولا 1 إلى بطولة القتال النهائي وصولا إلى الجولف، واستفادت من الرياضة لتحقيق إيرادات سياحية ضمن استراتيجيتها الرامية إلى التنويع الاقتصادي. وبالاستحواذ على بطولة "تي 10" لتصبح تحت إدارة الحكومة، تنضم الكريكيت إلى تلك المنظومة رسميا، وهذا إلى جانب الثقل المؤسسي (وفوائد امتلاك شبكة محلية قوية وطلب قوي على أرض الواقع)، ما يتيح للدولة السعي إلى إبرام عدد من عقود البث الدولية، وجذب أصحاب الامتيازات البارزين، وتوسيع نطاق انتشار هذه الفئة من الكريكيت إلى خارج الإمارات.

ويشير تشادويك إلى منطق تنافسي أكثر تحديدا في هذا السياق. إذ يرى أن دول الخليج تتعمد استهداف الرياضات التي "تحظى بشعبية عالمية لكنها ما زالت أصولا غير ناضجة تجاريا"، نظرا إلى سهولة الاستثمار فيها وقوة فرص النمو المستقبلي مقارنة بالأصول الرياضية الناضجة مثل كرة القدم الأوروبية.

كما تحظى أبوظبي بميزة هيكلية يفتقر إليها منافسوها؛ إذ تتبنى نموذجا راسخا للامتيازات التجارية أثبت نجاحه على نطاق عالمي. فمجموعة سيتي لكرة القدم، المملوكة أغلبيتها للشيخ منصور من أبوظبي، تدير شبكة من أندية كرة القدم عبر قارات متعددة تحت مظلة تجارية واحدة. وعن هذا يقول تشادويك: "يمكن تخيل تكرار هذا النموذج وامتلاك امتيازات للكريكيت في جميع أنحاء العالم".

وعادة ما تعتمد استراتيجية أبوظبي على إقامة تحالفات عالمية لاستثماراتها الرياضية. إذ يوضح تشادويك قائلا: "لا نشهد دولا خليجية تضخ استثمارات كبرى بمفردها في أصول رياضية محفوفة بالمخاطر، وإنما تنشئ تحالفات عالمية من المستثمرين من أماكن أخرى في العالم"، مشيرا إلى أن ملكية أبوظبي لنادي مانشستر سيتي تأتي بالاشتراك مع شركة سيلفر ليك المتخصصة في الاستثمار المباشر ومقرها وادي السيليكون، وشركة تشاينا ميديا كابيتال. ومن المرجح أن يشكل نموذج الاستثمار المشترك ذاته كيفية هيكلة اتفاقيات امتياز بطولة "تي 10".

تساؤلات حول المصداقية

رغم جاذبية فئة مباريات "تي 10" للجماهير المهتمة بالوسائل الرقمية، فإن فئتا "تي 10" و"تي 20" لم تحظيا بعد بمكانة بارزة في أذهان العديد من مشجعي الكريكيت. ويقول تشادويك إن دعم الدولة لا يحل تلقائيا فجوة المصداقية المحيطة بمنافسات "تي 10".

تكمن إحدى المشكلات فيما يسميه "التشتت من كثرة الفئات": إذ قال: "هناك الكثير من بطولات الكريكيت لدرجة أن الناس ليس لديهم وقت كاف لمشاهدتها. وبدلا من وجود سوق ضخم واحد للكريكيت، تجد نفسك أمام سلسلة من الأسواق المتخصصة التي ربما لا تحقق العوائد التجارية التي توقعها الكثيرون". وبالنسبة لفئة "تي 10" التي ما زالت تحاول إثبات حضورها جنبا إلى جنب مع الكريكيت التقليدي والدوري الهندي الممتاز، فإن هذا التشتت بين الجمهور العالمي يشكل خطرا حقيقيا.

وهذا إلى جانب التحديات التي تصعب انتشار هذه الرياضة؛ فعلى عكس كرة القدم التي تتطلب ممارستها كرة فقط، تستلزم ممارسة الكريكيت معدات وبنية تحتية، ما يحد من نمو قاعدتها الشعبية في الأسواق الناشئة. ويقول تشادويك: "بالنسبة للكثيرين في أنحاء العالم، فهذه رياضة جديدة، وقواعدها صعبة الفهم".

ماذا نترقب في الفترة القادمة

يرى تشادويك أن جذب أصحاب الامتيازات الدوليين لا يتعلق بالجهة المالكة، سواء أكانت الدولة أو القطاع الخاص، بقدر بما يتعلق بمدى قدرة الهيكل الجديد على إثبات الجدارة بالثقة والكفاءة بمرور الوقت. ويقول: "كلا نظامي الحوكمة – سواء كان التمويل حكوميا أو خاصا – له مزايا وعيوب". لذا فالأهم هو الاتساق والتماسك والاستقرار، مضيفا أن "الجدارة بالثقة والكفاءة هما ما سيمنحان الأفراد والمؤسسات الثقة في البطولة التي تديرها". ويرى أن هذا هو ما سيحدد ما إذا كان الرعاة العالميون ومستثمرو الامتيازات سيلتزمون بدعم البطولة، وليس الجهة التي تملك حصة الأغلبية.

ما سنتابعه: إلى جانب ما ستؤول إليه المفاوضات بشأن اتفاقيات الامتياز الدولية، وطبيعة الكيانات الحكومية في أبوظبي التي قد تشارك في ذلك، بما فيها مجموعة سيتي لكرة القدم، التي يطرح تشادويك تساؤلا بشأن مشاركتها، سنتابع نسخة العام الحالي من بطولة "تي 10". ومع إقامة فعاليتها في الفترة من 7 إلى 20 نوفمبر في استاد زايد للكريكيت، سيكون هذا أول موسم كامل في ظل الإدارة الجديدة، وسينظر إليه داخليا على أنه بداية عهد جديد لمنافسات "تي 10" وليس استمرارا للوضع الراهن.