تتسابق الشركات الإماراتية لتوظيف وكلاء الذكاء الاصطناعي، غير أن بياناتها قد لا تكون جاهزة لهذه الخطوة بعد. وفي حديثهم مع نشرة إنتربرايز الصباحية، أكد مسؤولون تنفيذيون يعملون على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في قطاعي البنوك والتكنولوجيا المؤسسية أن تشتت سجلات العملاء والاعتماد على الأنظمة القديمة أصبحا من أبرز العقبات أمام تجاوز وكلاء الذكاء الاصطناعي المرحلة التجريبية، فيما قد تتطلب معالجة هذه المشكلات جولة جديدة من الإنفاق على البنية التحتية قبل تحقيق عائد ملموس.
وتتجلى هذه الفجوة بالفعل في الأرقام؛ إذ تستخدم ما يقرب من ثلثي المؤسسات الخليجية حاليا الذكاء الاصطناعي في وظائف تجارية محددة، لكن 4% فقط منها دمجت هذه التقنيات في جميع عملياتها، وفقا لبيانات شركة كوبر فيتش التي غطيناها هذا الشهر. وأظهر استطلاع منفصل أجرته شركة كلاوديرا أن 34% فقط من المؤسسات تمكنت من دمج مصادر بياناتها بالكامل عبر أنظمتها المختلفة.
المشكلة لا تكمن في الطموح؛ إذ صرح هيتارث باتل، نائب رئيس شركة ويب إنغيج لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا والأمريكتين ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ، لإنتربرايز الصباحية، قائلا: "المشكلة الحقيقية [...] أعمق من ذلك". فقد تدير المجموعات الكبرى وشركات التجزئة بالإمارات عدة تطبيقات وقواعد بيانات للعملاء في آن واحد. وقبل أن يتمكن وكيل الذكاء الاصطناعي من العمل عبر هذه الأنظمة بصورة موثوق بها، لا بد من دمج البيانات المتفرقة بينها لتكوين صورة واحدة متكاملة.
مكمن الخطر: يستطيع الموظف ملاحظة وجود خطأ في أحد السجلات والرجوع إلى نظام آخر للتحقق منه، أما وكيل الذكاء الاصطناعي فقد يتصرف بناء عليه مباشرة وبسرعة أكبر. ويقول باتل إن هناك احتمالا "أن يرسل الوكيل العرض الخاطئ للشخص الخاطئ". وتتزايد المخاطر مع سهولة الوصول إلى هؤلاء الوكلاء، إذ دشنت غرف دبي هذا الأسبوع مركزا للذكاء الاصطناعي يتيح للأعضاء 22 وكيلا جاهزا لمهام تشمل مراجعة العقود ومطابقة الفواتير.
البنوك أول من يواجه المشكلة
تواجه البنوك المشكلة نفسها مع أنظمة قديمة تعمل بها منذ عقود. وتشير شي ليانغ، رئيسة قطاع الذكاء الاصطناعي في بنك المشرق، إلى أن الأنظمة القديمة صُممت لمعالجة المعاملات المالية، وليس لدعم تفاعلات الذكاء الاصطناعي في الوقت الفعلي. علاوة على ذلك، قد تُخزن معلومات العميل الواحد عبر منصات مختلفة بمعرّفات مختلفة، ما يصعب تجميع هذه البيانات بشكل متسق وموحد.
وقد لا تُحدَّث البيانات في بعض الأنظمة إلا كل عشر دقائق. وتقول ليانغ: "إذا أردت تقديم تجربة تفاعلية مع الذكاء الاصطناعي في الوقت الفعلي، فلن يكون ذلك ممكنا لأن أحدث البيانات المتاحة متأخرة عشر دقائق". وهذا يجعل حوكمة البيانات والبيانات الوصفية وعمليات الدمج "لا تقل أهمية" عن تقنية الذكاء الاصطناعي نفسها.
ومعالجة هذه المشكلة قد تستغرق وقتا؛ فقد صرحت شركة "إيه آي كيو"، مشروع الذكاء الاصطناعي المشترك بين أدنوك وبريسايت، لنشرة إنتربرايز الصباحية في وقت سابق من هذا الشهر بأن مهندسيها يقضون في المتوسط 100 يوم ميدانيا لترتيب وتوحيد بيانات العملاء قبل تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي الخاصة بهم. وتناولنا سابقا هذه المشكلة في قطاع النفط والغاز بالمنطقة.
الحل في بنية وسيطة لا إعادة بناء الأنظمة
قد تحتاج الشركات إلى بنية تساعد على ربط بياناتها وتوحيدها، لكن هذا لا يعني إعادة بناء أنظمتها من الصفر. ويقول عودة محمود، الرئيس التنفيذي لشركة بوتيك أوتوميشن، حتى الشركات الصغيرة نسبيا قد تعتمد على 15 تطبيقا أو أكثر في أعمالها. مضيفا أن استبدال الأنظمة التي تعمل منذ 10 أو 20 عاما أشبه بتغيير "البنية الأساسية التي تقوم عليها الشركة". لذا، فإن الحل الأكثر عملية هو "إنشاء طبقة وسيطة من البيانات الموحدة والمنظمة"، بما يتيح للذكاء الاصطناعي الاستفادة من الأنظمة الحالية. ويقول باتل إن هذه البنية يجب أن تؤدي مهمتين أساسيتين: توحيد بيانات العملاء عبر الأنظمة المختلفة، وتزويد الوكلاء بالسياق اللازم لفهم هوية العميل وسجل تعاملاته والإجراءات التي اتخذتها الشركة بشأنه من قبل.
بدأت البنوك بالفعل في تلبية هذا الاحتياج؛ إذ يعمل بنك المشرق على تطوير أدوات تساعد وكلاء الذكاء الاصطناعي على فهم المعلومات والاحتفاظ بسياقها واسترجاعها عند الحاجة. وتقول ليانغ: "لا أستطيع القول إن هذه التقنيات وصلت إلى مستوى ناضج للغاية حتى الآن"، لكنها ترى أن التوسع في هذه التقنيات سيجعل من الضروري تنظيم المعلومات [والسياق] المتاح لوكلاء الذكاء الاصطناعي بصورة أكثر فاعلية.
وطرحت مؤسسة غارتنر الفكرة نفسها على نطاق أوسع في يوليو الماضي، محذرة من أن جهود توظيف وكلاء الذكاء الاصطناعي معرضة للفشل ما لم تفهم النماذج سياق بيانات المؤسسة والقواعد التي تحكمها. وبالتالي، قد لا توجه الاستثمارات المقبلة في البنية التحتية نحو تطوير نموذج جديد، بل نحو تهيئة بيانات الشركة بحيث يتمكن النموذج من الاستفادة منها.
إثبات جدوى وكلاء الذكاء الاصطناعي قبل التوسع
المشكلة أن الشركات قد تنفق مبالغ طائلة على تنظيم بياناتها قبل أن تتأكد من جدوى وكيل الذكاء الاصطناعي الذي سيستخدمها. ويقول محمود: "أكبر مشكلة أراها في القطاع بأكمله هي العثور على حالة الاستخدام المناسبة". وكانت تطبيقات مثل وكلاء خدمة العملاء، وعمليات "اعرف عميلك" المصرفية، ومعالجة المستندات من أبرز التطبيقات التي أثبتت جدواها مبكرا، إذ يمكن للشركات ربطها مباشرة بتقديم الخدمة على مدار الساعة أو خفض تكاليف التشغيل.
وهذا يعني البدء بتحديد النتيجة التجارية المستهدفة، ثم اختيار التكنولوجيا المناسبة لتحقيقها. ويرى باتل ضرورة أن تختار الشركات هدفا قابلا للقياس، مثل تجديد اشتراكات العملاء أو إعادة تنشيط المستخدمين غير النشطين، ثم تحديد البيانات التي يحتاجها الوكيل فعليا وقياس مدى تحسن النتائج بعد توظيف وكيل الذكاء الاصطناعي. ويضيف: "البرامج التجريبية التي تثبت جدواها ويمكن تعميمها على نطاق أوسع [...] يجب أن يكون لها أثر واضح على الأرباح والخسائر أو أن تحقق نتيجة ملموسة، لا أن تقتصر على استعراض القدرات التقنية".
وقد يساعد هذا النهج في تجنب تحول "طبقة الذاكرة" إلى مشروع ضخم آخر للبنية التحتية. فالوكيل المخصص لتجديد اشتراكات العملاء لا يحتاج إلى كل البيانات التي خزنتها الشركة على مدار السنين، بل يحتاج فقط إلى المعلومات المرتبطة بالمهمة التي يؤديها.
وينطبق المنطق نفسه على التكلفة. إذ يقيم بنك المشرق تكلفة بناء وتشغيل كل تطبيق للذكاء الاصطناعي على حدة، بما يشمل البنية الحاسوبية التي سيعتمد عليها، قبل اختيار النهج الأنسب لاستخدامه. وتقول ليانغ إن البنك يهدف أيضا إلى بناء مكونات قابلة لإعادة الاستخدام، لتصبح عملية تطوير التطبيقات اللاحقة أقل تكلفة تدريجيا.
وقد بدأ البنك بالفعل في تجاوز مرحلة التجارب في مجالات محددة. وتوضح ليانغ قائلة: "استثمرنا هذا العام في بناء الأساس لوكلاء الذكاء الاصطناعي، وفي العام المقبل [...] سننتقل إلى مرحلة الإنتاج الفعلي والتوسع في استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي على مستوى البنك"، مضيفة أن بنك المشرق بدأ بالفعل في تحقيق عوائد قابلة للقياس من بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
المخاطر تبدأ من طريقة التعامل مع البيانات
تبدأ بعض المخاطر حتى قبل تشغيل وكيل الذكاء الاصطناعي؛ إذ يشير محمود إلى أن الموظفين يشاركون معلومات حساسة للشركة عبر أدوات الذكاء الاصطناعي العامة دون التفكير مليا في كيفية التعامل مع هذه البيانات. ويقول: "مستوى الوعي بهذه المسألة لا يزال منخفضا للغاية في السوق"، مؤكدا أن تنظيم البيانات وتأمينها لا يمكن اعتبارهما خطوة ثانوية أو لاحقة.
وهذا ما يغير مفهوم الميزة التنافسية في السوق. ويقول باتل: "لن يكون امتلاك الذكاء الاصطناعي هو ما يميز الشركات، فالجميع سيمتلكه". ويرى أن الفارق الحقيقي سيكمن في امتلاك بيانات أكثر دقة وتنظيما عن العملاء وأعمال الشركة، بحيث يمكن للذكاء الاصطناعي الاعتماد عليها. ولذا، قد تُحسم المرحلة المقبلة من سباق الذكاء الاصطناعي في الإمارات بعيدا عن تطوير النماذج نفسها، وتحديدا في قدرة الشركات على تزويد الوكلاء بسياق موثوق وكافٍ يمكن الاعتماد عليه في اتخاذ القرارات.