عادت الشركات الصغيرة في الإمارات إلى الاقتراض من جديد بعدما تسبب الصراع الإقليمي في تجميد أنشطة الإقراض خلال فصل الربيع، حسبما صرح بيتر تافينر، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة بيهايف، لنشرة إنتربرايز الصباحية. وتتوقع الشركة المتخصصة في تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة الموافقة على قروض بنحو 150 مليون درهم في الإمارات خلال شهر أكتوبر، ما قد يجعله الشهر الأفضل في تاريخها ويتجاوز بذلك الذروة المسجلة في فبراير قبل اندلاع الحرب. ويرجح تافينر أن تتجاوز قيمة القروض التي توافق عليها الشركة شهريا 200 مليون درهم بحلول الربع الثاني من 2027، مشيرا إلى أن معظم الطلب الحالي يرتبط بخطط للنمو وليس لتجاوز أزمات السيولة، كما أن المؤشرات المبكرة على تعثر المقترضين خلال الصيف قد تراجعت.
السياق: تعد بيهايف من أكبر جهات تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة في الإمارات، إذ قدمت قروضا تقارب 6 مليارات درهم منذ تأسيسها، وتمتلك محفظة قروض تبلغ نحو 1.2 مليار درهم. وفي عام 2025، حصلت الشركة على تسهيل تمويلي أولي بقيمة 500 مليون درهم من بنك غولدمان ساكس، بمشاركة ماغلان كابيتال. ويوضح تافينر أن هذا التسهيل الائتماني يمكنه الآن دعم قروض تصل قيمتها إلى ملياري درهم في الإمارات. وتركز بيهايف على شريحة من الشركات تواجه صعوبة أكبر في الحصول على التمويل، وهي الشركات التي تتراوح إيراداتها بين 5 و50 مليون درهم. وتجدر الإشارة إلى أن إقراض الشركات الصغيرة والمتوسطة شكل أقل من 10% من إجمالي قروض البنوك الإماراتية خلال عام 2024.
تراجع نشاط الإقراض بشكل ملحوظ خلال مارس وأبريل، مع إحجام الشركات الصغيرة والمتوسطة عن طلب التمويل، وتشديد بيهايف لمعايير الإقراض الخاصة بها، وفقا لما ذكره تافينر. وظهرت بعض مؤشرات التعثر في محفظة الشركة مع بداية الصراع، لكن الأوضاع بدأت تتحسن لاحقا.
وتتابع بيهايف القروض التي يتأخر سدادها من 5 إلى 30 يوما باعتبارها مؤشرا مبكرا على التعثر. وقد ارتفعت نسبة هذه القروض إلى نحو 6% في شهري يونيو ويوليو، وهو ما جعل تافينر يشعر "بالقلق قليلا" على حد تعبيره، قبل أن تتراجع النسبة مجددا إلى حوالي 2.5%، لتعود إلى مستويات ما قبل الصراع. وطلب بعض المقترضين إعادة هيكلة ديونهم خلال أشهر مارس وأبريل ومايو، وكان الهدف في معظم الحالات تأجيل دفعة أو دفعتين لمدة تقارب 90 يوما، ووافقت بيهايف على غالبيتها.
أهمية ذلك: كان هذا العام الأصعب على الشركات الصغيرة في الإمارات منذ الجائحة، في ظل ارتفاع تكاليف الشحن وتأخر التسليم وبطء سداد المستحقات، وهي عوامل استنزفت احتياطياتها المالية. ويشير تافينر إلى أن تكلفة شحن الحاوية من الصين قفزت من 1,200 دولار قبل الصراع إلى نحو 10 آلاف دولار حاليا. لكن المشكلة الأكبر تكمن في طول مدة الشحن نفسها، فالرحلة التي كانت تستغرق 60 يوما قد تمتد حاليا إلى 120 يوما، ما يؤخر إتمام المبيعات وتحصيل عائداتها.
وتفسر هذه الضغوط أسباب تدخل الجهات المعنية لمد يد العون للشركات في وقت سابق من هذا العام؛ إذ طرح المصرف المركزي حزمة لدعم مرونة المؤسسات المالية في شهر مارس، خفف بموجبها متطلبات رأس المال والسيولة على البنوك، وسمح لها بتأجيل سداد دفعات المقترضين المتعثرين دون تصنيفها كقروض متعثرة. وجرى تأجيل سداد دفعات بقيمة تقارب 13.5 مليار درهم لأكثر من 135 ألف عميل.
الضغوط المالية
تتفاوت قدرة الشركات على تحمل ارتفاع التكاليف بحسب هوامش أرباحها ومدى قدرتها على تمرير هذه الزيادة إلى العملاء. فشركات استيراد الأغذية التي تحقق هوامش ربح تتراوح بين 20% و30% يمكنها استيعاب زيادة بنسبة 10% في التكاليف مع الحفاظ على الربحية، وفقا لتافينر. أما مستوردو الإلكترونيات أو الأجهزة المنزلية، والذين لا تتجاوز هوامشهم 1-2%، فلا يملكون المساحة نفسها، ويضطرون إلى رفع الأسعار. والشركات الأكثر هي تلك المرتبطة بعقود ذات أسعار ثابتة وُقعت قبل الصراع، لا سيما في قطاع الإنشاءات، حيث كانت هوامش الربح ضئيلة في الأساس قبل أن ترتفع التكاليف بحدة منذ ذلك الحين.
وبالنسبة لشركات أخرى، كانت المشكلة في ضعف الطلب؛ فقد كانت قطاعات السفر والسياحة والفعاليات وبعض أنشطة الخدمات اللوجستية من بين الأكثر تضررا عند توقف النشاط خلال الربيع ولم تتعاف بالكامل حتى الآن، رغم تأكيد تافينر على أنها تستعيد زخمها بوتيرة سريعة. في المقابل، كان أداء الشركات التي تعتمد على الطلب المحلي أفضل، فقد سجل قطاع الأغذية والمشروبات انتعاشة قوية، خاصة المنافذ الأقل سعرا. كما حافظت شركات الخدمات والتصنيع على صمودها، وتلك تشكل حصة كبيرة من محفظة بيهايف المرتكزة أساسا على التعاملات بين الشركات. وتتعافى الشركات التجارية أيضا، لكن بيهايف تضع سقفا لقروضها نظرا لارتفاع معدلات التعثر في هذا القطاع عادة.
وتتعرض الشركات الصغيرة والمتوسطة لضغوط من الجانبين؛ فالموردون في الخارج يطلبون دفعات نقدية أكبر مقدما، في حين يستغرق العملاء وقتا أطول في السداد، بحسب تافينر. ولطالما شكل هذا الأمر أزمة في الإمارات، فالعميل الذي قد يسدد فاتورته خلال 60 يوما في أوروبا أو الولايات المتحدة قد يستغرق 180 يوما هنا. وفي غضون ذلك، تظل الشركة الصغيرة مطالبة بدفع رواتب موظفيها وإيجاراتها ومستحقات مورديها، ما يدفعها إلى الاقتراض لسد فجوة السيولة إلى حين تحصيل مستحقاتها. ويوضح تافينر قائلا: "توجد فجوة تمويلية، لكن سببها في هذه المنطقة يرجع إلى طول آجال السداد وتجاوزها المعدلات المعتادة".
وتدعم بيانات الاستطلاعات هذا الطرح؛ إذ تُسدد نحو اثنتين من كل خمس فواتير بين الشركات في الإمارات بعد موعد استحقاقها، وتشير نسبة أكبر بكثير من الشركات إلى أن العملاء يسددون التزاماتهم بوتيرة أبطأ، وفقا لتقرير مؤشر لممارسات الدفع الصادر عن شركة أتراديوس، والذي أعُد في الربع الثاني من عام 2026. ونتيجة لذلك، تؤكد 47% من الشركات حاجتها إلى مزيد من التمويل، بينما أفادت 46% بتقلص السيولة المتوفرة لديها، وسط تزايد المخاوف من تعثر تحصيل المستحقات المتأخرة وتحولها إلى ديون معدومة.
النظرة المستقبلية
تعتزم بيهايف الإبقاء على سياساتها الائتمانية الصارمة حتى عام 2027؛ إذ إنها شددت تلك السياسات في شهر مارس ولم تخففها منذ ذلك الحين إلا بدرجة محدودة. وستظل هذه السياسات أكثر تشددا مما كانت عليه قبل الصراع حتى نهاية العام الجاري على الأقل، وربما حتى أوائل الربع الأول من عام 2027، وذلك "للتأكد من تجاوز أي تبعات متبقية للتعثر"، كما يقول تافينر. وتعتمد بيهايف في تقييمها للمرونة المالية بشكل أساسي على الغطاء النقدي؛ إذ تشترط أن يبلغ متوسط الرصيد النقدي الشهري للمقترض ضعف أقساط قروضه الشهرية المستحقة لجميع الجهات المقرضة بمرتين ونصف. وإذا تأخر أحد عملاء المقترض في السداد، توقف بيهايف تمويل التعاملات المرتبطة به، لكنها تواصل تمويل المقترض مقابل مستحقاته لدى العملاء الآخرين.
ماذا بعد: حلت آجال سداد القروض المؤجلة في سبتمبر وخلال الشهر الجاري، وتتوقع بلومبرغ إنتليجنس ظهور أي مؤشرات على التعثر المالي خلال 6-12 شهرا من الآن. وأوضح تافينر أن بيهايف ستعمد إلى تخفيف سياساتها الائتمانية بمجرد زوال هذه الضغوط بالكامل.