Posted inالخبر الأبرز اليوم

كيف تجني الإمارات ثمار توجه بريكس نحو قنوات المدفوعات الثنائية.. حتى في غياب منظومة شاملة موحدة؟

استبعدت قمة بريكس الأخيرة إنشاء شبكة مدفوعات موحدة شاملة لجميع دول التكتل، لكن الروابط الثنائية التي تجمع الإمارات بهذه الدول تضعها في قلب منظومة مدفوعات بريكس، بشرط أن تنجح بنوكها في احتواء مخاطر العقوبات

رغم كثرة الحديث عن تأسيس منظومة "بريكس باي" للمدفوعات الخاصة بمجموعة بريكس، كشفت قمة نيودلهي التي عُقدت في وقت سابق من الشهر الجاري أن هذا البديل المقترح للنظام المالي القائم على الدولار سيكون أقرب إلى شبكة مجزأة، وليس منصة موحدة. وقال كينيث ستيبلر، المؤسس والمدير لمركز الاقتصادات الناشئة، في تصريحات لنشرة إنتربرايز الصباحية، إن التقدم المحرز في تقليص الاعتماد على الدولار في التبادلات التجارية بين الدول الأعضاء بات ملموسا، لكنه يجري عبر "شبكة متداخلة" من قنوات الدفع الثنائية بدلا من شبكة موحدة تشمل التكتل بأسره. والخبر السار هو أن دولة الإمارات تتربع في قلب هذه الشبكة.

أبرز ما خرجت به القمة: خلا إعلان نيودلهي من أي إشارة إلى عملة موحدة لمجموعة بريكس أو أي مساعٍ رسمية لاستبدال الدولار. وبدلا من ذلك، أعلن دعمه لأنظمة الدفع القابلة للتشغيل البيني وتسوية المعاملات التجارية بالعملات المحلية، مشددا على أن الدول الأعضاء لديها أولويات وطنية متباينة وأنه "لا يوجد نهج واحد يناسب الجميع". ولم يحدد الإعلان معيارا مفضلا للمراسلات المالية أو غرفة مقاصة معينة، مما يفسح المجال أمام تأسيس روابط ثنائية بين الأنظمة المعمول بها حاليا في الاقتصادات الكبرى بالدول الأعضاء.

تكتل واحد وأربع أولويات

يمكن تقسيم تكتل بريكس إلى 4 مجموعات، لكل منها دوافع مختلفة للبحث عن بدائل للدولار، بحسب ما أوضحه ستيبلر:

  • إذ ترى روسيا وإيران هذه الجهود باعتبارها "شبكة نجاة" لمواجهة العقوبات.
  • وتركز الصين على السيادة من منظور جغرافي اقتصادي.
  • فيما تسعى الهند ودول الخليج إلى خفض التكاليف عبر الاستغناء عن نظام المراسلة المصرفية الأمريكي مرتفع التكلفة.
  • أما الدول التي تعاني شح الدولار، مثل مصر وإثيوبيا، فترى في هذا التوجه وسيلة عملية لتخفيف هذه الضغوط.

ونظرا إلى تباين هذه الأهداف، يتحقق التقدم الفعلي عبر مسارات ثنائية. فقد تضاعفت القنوات الثنائية عبر التكتل، لا سيما بعد فرض العقوبات الغربية على روسيا في عام 2022. فوفقا لرئيس سبيربنك في الهند، تُسوى نحو 96% من المعاملات التجارية بين الهند وروسيا حاليا عبر ترتيبات بالروبية الهندية والروبل الروسي، ، كما تُسوى كافة المعاملات التجارية تقريبا بين روسيا والصين باليوان الصيني والروبل. وفي الوقت نفسه، تعمل روسيا وإيران على ربط منظومتي بطاقاتهما المحلية "مير" و"شتاب" على مراحل، في حين اتفقت الصين والبرازيل في عام 2023 على تسوية التبادلات التجارية باليوان الصيني والريال البرازيلي، ووافق بنك الاحتياطي الهندي على فتح 156 حسابا خاصا بالروبية لصالح 123 بنكا مراسلا من 30 دولة؛ علما بأن معظم هذه التحركات مدفوعة بالعقوبات، لا السعي لرفع الكفاءة.

أما قنوات الدفع التي تطورها الإمارات فتندرج ضمن جهود خفض التكلفة، فحتى الفروقات البسيطة في تكلفة المعاملات قد تحدث فارقا كبيرا في المجمل. إذ تجاوزت التجارة غير النفطية بين الإمارات ودول بريكس 312 مليار دولار في عام 2025، بزيادة قدرها 28.5% مقارنة بنحو 243 مليار دولار في العام السابق، لتمثل نحو 31% من حجم التجارة الدولية الخارجية غير النفطية للبلاد. وفي الوقت الراهن، قد تمر عملية الدفع بين الإمارات والهند عبر بنكين مراسلين، يقتطع كل منهما نسبة من العملية.

وفيما يخص معاملات الهند، جرى بالفعل وضع الإطار اللازم، لكن استخدامه لا يزال محدودا. إذ وقع بنك الاحتياطي الهندي ومصرف الإمارات المركزي مذكرة تفاهم لتسوية المعاملات بالعملات المحلية في يوليو 2023. إلا أن وتيرة العمل بهذه المذكرة بطيئة منذ ذلك الحين، فنسبة المعاملات التجارية التي تمت تسويتها بين البلدين بالعملات المحلية بدلا من الدولار لم تتجاوز 15%. ولا تزال البنية التحتية تتوسع، ففي مايو الماضي، كلفت شركة مدفوعات الاتحاد، المشغلة لمنصة "آني"، شركة مونتران بتأسيس بوابة للتحويلات المالية دولية، مع التركيز في البداية على ربط منصة "آني" بنظام المدفوعات الفورية الموحدة في الهند، بما يسمح بإضافة قنوات دفع جديدة مستقبلا دون الحاجة إلى عملية دمج مخصصة لها.

أما مع الصين، فالروابط أكثر تقدما؛ إذ نفذت الإمارات أول عملية دفع رقمية عبر الحدود بالدرهم إلى الصين عبر منصة "إم بريدج" في يناير 2024. وفي نوفمبر الماضي، دشنت الدولة منصة "جسر" للمدفوعات الرقمية للبنوك المركزية عبر تسوية دفعة فعلية مع الصين، وربطت نظام المدفوعات الفورية لديها بنظيره الصيني لإتاحة التحويلات على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، كما طرحت بطاقة مسبقة الدفع تحمل شعاري جيوَن ويونيون باي. ومن المتوقع انضمام المزيد من البنوك المركزية إلى منصة جسر خلال العام الجاري.

لماذا تتوسط الإمارات هذه الشبكة؟ ترتبط قنوات الدفع في الإمارات ببعضها البعض؛ فقد أُنشئ نظام البطاقات المحلي جيون بالاعتماد على تقنية رو باي الهندية، ويتيح حاليا بطاقة مشتركة مع يونيون باي الصينية. كما صُممت البوابة الجديدة لمنصة "آني" لتكون مركزا رئيسيا يمكن ربط كل قناة دفع جديدة به.

كذلك يمثل الدرهم عملة وسيطة. فبفضل ربط الدرهم بالدولار، تعد الإمارات "مصدرا للسيولة الدولارية داخل هذا النظام الأوسع"، بحسب ستيبلر، مما يجنبها الاحتفاظ بعملات قد يصعب استخدامها. ولهذا السبب، سددت مصافي التكرير الهندية ثمن النفط الروسي بالدرهم بدلا من الروبية الهندية. كما تمر بالفعل تدفقات تجارية كبيرة عبر الدولة؛ إذ استحوذت دول بريكس على 28% من الصادرات المعاد توجيهها من الإمارات خلال العام الماضي. ويضيف ستيبلر أن "الإمارات تستفيد من تربعها في مركز هذه الشبكة، بدلا من أن تكون مجرد عضو على قدم المساواة مع بقية الدول في منظومة أوسع لتقليص الاعتماد على الدولار".

واقع المشهد التكنولوجي

المفارقة أن البنية التحتية الأكثر اكتمالا للمدفوعات البديلة تقع خارج مظلة مجموعة بريكس تماما؛ والحديث هنا عن منصة "إم بريدج" للعملات الرقمية المشتركة بين عدة بنوك مركزية. وقاد بنك التسويات الدولية مسيرة تدشين هذه المنصة قبل أن يتراجع عن دعمها في أكتوبر 2024، كما أوردنا حينذاك. وما زالت المنصة في المرحلة التجريبية دون تحديد موعد للطرح التجاري.

كما تراجعت السعودية عن المشاركة فيها أيضا، إذ صرح البنك المركزي السعودي لصحيفة فاينانشال تايمز بأنه أكمل إثبات جدوى منصة "إم بريدج" في مايو 2025، ولم يعد عضوا مشاركا منذ ذلك الحين، رغم أن مصدرا آخر أبلغ الصحيفة أن الرياض لا تزال تتعاون مع المنصة بشكل غير معلن. في المقابل، يظل مصرف الإمارات المركزي، بصفته عضوا مؤسسا، مشاركا فعالا إلى جانب البنوك المركزية في الصين وتايلاند ومنغوليا وماكاو وهونغ كونغ. وفي حين لم تتضح أسباب تراجع المملكة، يرى ستيبلر أن ذلك قد يكون مؤشرا على وجود "بعض الضغوط في الكواليس"، خاصة مع التهديدات الأمريكية بفرض تعرفات جمركية على الدول التي تتعامل بعملات منافسة، وهو ما يشكل "عاملا رادعا للأغلبية العظمى من الدول".

وتكمن المشكلة في الجانب الجيوسياسي وليس التكنولوجي؛ إذ أوضح نيك ماينارد، نائب رئيس الأبحاث في جونيبر ريسيرش، في تصريحات لنشرتنا، أن منصة آني الإماراتية تعتمد على معايير الدفع الحديثة "آيزو 20022"، ولذا "فإن دمجها في نظام مدفوعات متعدد الأطراف لن يكون أمرا شديد التعقيد." ومع ذلك، يرى ماينارد أن الجاهزية على مستوى التكتل "ما زالت منخفضة عموما"، نظرا إلى عدم اعتماد جميع الأعضاء لمعيار "آيزو 20022"، بالإضافة إلى التعقيدات التي تفرضها العقوبات. وفي النهاية، يرى ستيبلر أن "العائق أمام نجاح أو فشل الكثير من هذه المبادرات لا يرتبط بالتكنولوجيا بحد ذاتها"؛ فالسؤال هنا ليس ما إذا كانت الدول قادرة على تنفيذ هذه المدفوعات، بل ما إذا كانت مستعدة للالتزام باتفاقات ملزمة متعددة الأطراف لتنظيمها".

مخاوف البنوك تضع حدا لوتيرة التقدم

شددت الولايات المتحدة إجراءاتها ضد العمليات المصرفية المرتبطة بإيران في الإمارات منذ أواخر أغسطس، بعدما بدأت وزارة الخزانة الأمريكية "عملية العزل الاقتصادي" لقطع ما تبقى من قنوات تمويلية لإيران. وبعد ذلك بأيام، اقترحت شبكة مكافحة الجرائم المالية حظر تعامل المؤسسات المالية الأمريكية مع فروع بنك مصر في الإمارات، بداعي أنها أتمت معاملات بحوالي 1.8 مليار دولار لصالح 103 شركات يُشتبه بارتباطها بشبكات مصرفية خفية تابعة لإيران. كما فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية عقوبات على مدير فرع بنك ملي الإيراني في دبي. وخلال الأسبوع الجاري، حظر مصرف الإمارات المركزي بنك ملي، وهو أكبر بنك في إيران، من تقديم خدمات تمويل التجارة والتحويلات المالية، في أعقاب قرار الإمارات الشهر الماضي بقطع العلاقات التجارية والمالية مع إيران.

ويقول ستيبلر إن مثل هذه الإجراءات الصارمة لها "تأثير يحد من أي رغبة في الانخراط في أي ترتيبات تكون إيران طرفا فيها"، مما يصعب إقناع البنوك الإماراتية بالانضمام إلى نظام موحد على مستوى بريكس يضم إيران في عضويته، على الأقل في الوقت الراهن.

العملات المشفرة والتكنولوجيا المالية ليستا حلا بديلا

يرى ماينارد فرصة أمام الإمارات لتصبح مركزا للتمويل اللامركزي، مشيرا إلى أن روسيا استخدمت بالفعل العملات المشفرة على نطاق واسع للتهرب من العقوبات. إلا أن ستيبلر يرى قيودا تحول دون ذلك، فالعملات المشفرة "ما زالت خاضعة لقواعد التحقق من العملاء ومعرضة لمخاطر العقوبات"، وقذ اتضح بشكل قاطع خلال العام الجاري نه لا يمكن الاعتماد على عملة تيثر على سبيل المثال. لذا تضع الإمارات ضوابطها الخاصة بشأن الأصول الرقمية.

ويكشف تحقيق لصحيفة فاينانشال تايمز نُشر هذا الأسبوع عن محدودية هذه الحلول البديلة؛ إذ لجأت شركة التكنولوجيا المالية الروسية "إيه 7"، المدعومة من بنك برومسفياز الحكومي الخاضع للعقوبات، إلى الاستعانة بمجموعة من شركات الواجهة والفواتير المزورة لتحويل نحو 6.9 مليار دولار عبر بنوك عالمية مثل ستاندرد تشارترد وسيتي غروب وجيه بي مورغان. وعندما بدأ ستاندرد تشارترد في تعليق المدفوعات، نقلت الشركة الروسية جزءا كبيرا من نشاطها إلى الإمارات، حيث نفذت 17 جهة تمتلك حسابات في بنك أبوظبي الأول مدفوعات خارجية تجاوزت 1.8 مليار دولار. كما تضمن هذا المخطط بيع عملات تيثر بمليارات الدولارات لمشترين روس. ومن جانبه، صرح بنك أبوظبي الأول للصحيفة بأنه أغلق جميع الحسابات المرتبطة بالشركة الروسية التي تمكن من تحديدها، مؤكدا التزامه بتطبيق عقوبات الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.

لماذا قد تكون الحلول المجزأة أفضل؟

أوضح ستيبلر أن تأسيس نظام حقيقي متعدد الأطراف سيتطلب وضع قواعد لتحويل العملات الأجنبية والسيولة والمقاصة والتسوية النهائية ومشاركة البيانات وفحص العقوبات وتسوية النزاعات. ويتطلب كل هذا من الأعضاء التنازل عن جزء من سيادتها، وهو ما قد لا يتوافق مع طبيعة هذه المجموعة من الدول، بحسب وصفه.

كما أن هذه الحلول المجزأة لا تترك هدفا واحدا يسهل استهدافه. إذ يرى ستيبلر أن الشبكة الثنائية "أكثر متانة ومرونة لمواجهة التغيرات العالمية"، مقارنة بنظام موحد من شأنه أن يمثل "هدفا واضحا" لأي جهة ترغب في ملاحقة نظام مالي موازٍ. وفي سياق متصل، أشار ماينارد إلى أن الأحداث الأخيرة جعلت الحكومات في كل مكان أكثر حرصا على التحكم في أنظمة الدفع "التي يصعب تعطيلها أو التدخل في عملها".

ما نترقبه

يكمن الاختبار الحقيقي في مدى إقبال الشركات على استخدام قنوات الدفع الجديدة. إذ يقول ستيبلر: "يمكنك إرساء البنية التحتية"، لكن التحدي يتمثل في إقناع المصدرين العاديين والكيانات المالية غير الكبرى باستخدامها. وسيتابع ستيبلر ما إذا كانت المعاملات التجارية بين الإمارات والهند، بخلاف التدفقات السهلة مثل النفط، ستبدأ في الاعتماد على العملات المحلية، وما إذا كانت التسويات بالدولار ستتقلص لتقتصر على ما هو ضروري فقط. لكنه يشير إلى صعوبة هذا الأمر، نظرا إلى أن الكثير من التجار يعتبرون تكلفة استخدام الأنظمة القائمة على الدولار "بمثابة رسوم مقابل السهولة والراحة".

ولا تتوقعوا نتائج سريعة. يرجح ستيبلر أن يصبح التغيير ملموسا خلال نحو 5 سنوات، متوقعا أنه لن يسير بوتيرة ثابتة، وإنما سيشهد تراكم تغيرات تدريجية بطيئة وصولا إلى نقطة التحول. وفي غضون ذلك، يرى أن الإمارات تنتهج "مسارا صحيحا حذرا" في هذا الشأن.