بدأ تعهد الإمارات الأخير باستثمار 40 مليار يورو في ألمانيا يتبلور في صورة اتفاقيات بقطاعات الطاقة والصناعة؛ إذ وقعت شركة أدنوك وذراعها الدولية للاستثمار في قطاع الطاقة "إكس آر جي" وشركة مصدر الإماراتية للطاقة المتجددة عدة اتفاقيات، قد تمهد لاستثمار ما يزيد عن 5 مليارات يورو في قطاعات الغاز والكيماويات وطاقة الرياح البحرية وتخزين الطاقة بالبطاريات والتكنولوجيا في ألمانيا، وفقا لبيان صادر عن أدنوك.
تشير هذه الاستثمارات إلى تغير شكل العلاقات بين الإمارات وألمانيا؛ فبعد أن كانت أبوظبي تبيع الغاز لألمانيا وتشتري حصص أقلية في مشاريع الطاقة المتجددة الألمانية، يتجه الجانبان الآن نحو الاستثمار المشترك. إذ تعيد أدنوك هيكلة روابطها في قطاع الغاز لتتحول إلى شراكات في البنية التحتية بدلا من الاكتفاء ببيع الشحنات، وتتحول شركة مصدر من مجرد امتلاك الحصص في المشروعات إلى تقديم عروض مشتركة في المناقصات. ولعل الدليل الأوضح على هذا التحول الكبير هو الاعتماد على التكنولوجيا والملكية الألمانية لبناء مصنع للكيماويات في أبوظبي، وليس العكس.
لكن لا يزال القدر الأكبر من هذه المليارات الخمسة مجرد استثمارات محتملة، وليس تعهدات نهائية. إذ تتكون الحزمة في أغلبها من مذكرات تفاهم وخطابات نوايا واتفاقيات تعاون، ما يعني أن العديد من تلك المشاريع لا تزال بحاجة إلى اتفاقيات تجارية أو دراسات جدوى أو موافقات قبل البدء في استثمار رؤوس الأموال.
تذكر: كشفت الإمارات الأسبوع الماضي عن اعتزامها ضخ استثمارات طويلة الأجل بقيمة 40 مليار يورو في ألمانيا، بقطاعات الصناعة والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية والطاقة. كما أسفرت الزيارة عن توقيع 29 اتفاقية تجارية بقيمة تتجاوز 9.36 مليار يورو، إلى جانب خطط لإنشاء مراكز بيانات في ألمانيا بقدرة 1 غيغاوات، وتأسيس مجلس استثمار إماراتي ألماني يتولى مهمة تحديد المشاريع وتذليل العقبات الاستثمارية.
الغاز يظل الركيزة الأساسية
وقعت أدنوك ومجموعة الطاقة الألمانية "آر دبليو إي" خطاب نوايا للعمل على إبرام اتفاقيتي بيع وشراء طويلتي الأجل للغاز الطبيعي المسال، على أن يبدأ تسليم إمدادات الغاز في أوائل العقد الثالث من القرن الحالي من محفظة الغاز الطبيعي المسال التابعة لشركتي أدنوك للغاز و"إكس آر جي" في الرويس وجزيرة داس بالإمارات، ومشاريعها الأخرى في الولايات المتحدة وموزمبيق والأرجنتين، لتلبي احتياجات ألمانيا وأوروبا إلى جانب المشترين في آسيا. ستدفع تلك العقود محادثات فبراير قدما، والتي بحث خلالها الطرفان توريد ما يصل إلى مليون طن سنويا من الغاز الطبيعي المسال.
خلفية: لدى أدنوك بالفعل اتفاقيات طويلة الأجل لتوريد 1.6 مليون طن سنويا من الغاز الطبيعي المسال إلى ألمانيا، وهو ما يكفي لتلبية احتياجات أكثر من 3.5 مليون أسرة. كما وقعت أدنوك إلى جانب "إكس آر جي" مذكرة تفاهم مع مجموعة الطاقة الألمانية المملوكة للدولة سيفي، لاستكشاف فرص التعاون في إمدادات الغاز والبنية التحتية والخدمات اللوجستية وتحسين محافظ المشروعات. ولدى الشركة الألمانية بالفعل اتفاقيات طويلة الأجل مع أدنوك للحصول على الغاز الطبيعي المسال.
كوفيسترو تتحول إلى جسر صناعي
لا تتعلق كل هذه الاتفاقيات بمشروعات في ألمانيا؛ إذ اتفقت شركة كوفيسترو الألمانية للبوليمرات، والتي استحوذت عليها "إكس آر جي" مقابل 14.7 مليار يورو العام الماضي، مع شركة تعزيز، المشروع المشترك للكيماويات الصناعية بين أدنوك والقابضة (إيه دي كيو)، على الخطوات التالية لدراسة إنشاء سلسلة قيمة عالمية لمادة ثنائي فينيل الميثان ثنائي الإيزوسيانات في الإمارات. ويهدف الشركاء إلى اتخاذ قرار بشأن المرحلة التالية من المشروع في الأشهر المقبلة.
ولا يعد هذا المشروع صغيرا بأي حال؛ فقد أشرنا في يوليو الماضي إلى أنه قد ينتج ما يصل إلى 600 ألف طن من تلك المادة سنويا، ليصبح بذلك أول منشأة محلية لإنتاجها في الإمارات، ويدفع تعزيز نحو إنتاج كيماويات ذات قيمة أعلى تُستخدم في العزل والبناء وتصنيع السيارات. ويندرج المشروع ضمن خطة تضم 14 منتجا كيماويا قد تجذب استثمارات تصل إلى 10 مليارات دولار في حال الموافقة عليها. و
وهناك مشروع آخر يتعلق بإمداد ألمانيا بالأمونيا؛ إذ وقعت كل من كوفيسترو وشركة فيرتيغلوب لإنتاج الأسمدة بأبوظبي وشركة "إم بي إنرجي" للطاقة في هامبورغ مذكرة تفاهم لدراسة سلاسل توريد الأمونيا منخفضة الكربون إلى ألمانيا. وتأتي هذا الخطوة استكمالا للمحادثات التي جرت في فبراير الماضي بين كوفيسترو وفيرتيغلوب وتعزيز حول الأمونيا والمواد المستدامة.
الطاقة المتجددة والتكنولوجيا يوسعان نطاق التعاون
ستضيف مصدر المزيد من مشاريع طاقة الرياح وتخزين الطاقة إلى محفظتها بألمانيا؛ إذ اتفقت مع "آر دبليو إي" على دراسة تقديم عروض مشتركة في المناقصات المستقبلية لمشروعات طاقة الرياح البحرية في ألمانيا. وفي الوقت ذاته، عقدت مصدر شراكة منفصلة مع شركة لوكسكارا الألمانية التي تستثمر في تحول الطاقة، لدراسة الاستثمار في مشروعات طاقة الرياح البحرية وتخزين الطاقة بالبطاريات في ألمانيا وأوروبا عموما.
وهذه الشراكات ستنبني على علاقات ممتدة؛ فقد اتفقت مصدر و"آر دبليو إي" في فبراير الماضي على دراسة مشاريع لتخزين الطاقة بالبطاريات في ألمانيا بقدرة تصل إلى 1 غيغاوات بحلول عام 2035، وتتعاون الشركتان بالفعل في مشاريع لطاقة الرياح البحرية بالمملكة المتحدة. كما تمتلك مصدر 49% من محطة رياح إيغل بحر البلطيق البحرية في ألمانيا البالغة قدرتها 476 ميغاوات، والتي يمكنها توليد كهرباء تكفي لنحو 475 ألف منزل.
ويعد مجال الذكاء الاصطناعي الجزء الأقل وضوحا في هذه الحزمة من الاتفاقيات؛ إذ وقعت أدنوك اتفاقيات تعاون منفصلة مع مجموعة تكنولوجيا الطاقة الألمانية سيمنز للطاقة، وشركة التكنولوجيا الصناعية سيمنز للصناعة، وشركة بوش الشرق الأوسط الموردة للتقنيات، لاستكشاف مشروعات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي. لكن لم يُكشف عن طبيعة المشاريع أو المبالغ الاستثمارية أو الجداول الزمنية، لتبدو هذه الخطوة في الوقت الحالي وكأنها امتداد لمساعي تطوير البنية التحتية الرقمية، بدلا من أن تكون استثمارات منفصلة في مشروعات إضافية.
ماذا بعد؟
كشفت شركات أدنوك و"إكس آر جي" ومصدر أنها استثمرت أكثر من 20 مليار يورو في قطاعي الطاقة والصناعة الألمانيين حتى الآن، وتأتي هذه الحزمة لتبني على تلك الاستثمارات السابقة، بافتراض تحول مذكرات التفاهم هذه إلى مشاريع فعلية. وستتجه الأنظار في الفترة المقبلة لمتابعة توقيت اتخاذ قرار الاستثمار النهائي بشأن المصنع المشترك بين تعزيز وكوفيسترو، وكيف سيحدد مجلس الاستثمار الإماراتي الألماني الجديد أولويات توجيه رؤوس الأموال لتلك المشاريع.