أدى تصعيد الصراع الإقليمي منتصف مارس الماضي إلى تراجع حاد في حجوزات الإقامات الترفيهية القصيرة في أنحاء دبي. في المقابل، تمكن مشغلو وحدات التأجير قصير الأجل الذين خصصوا بالفعل وحدات للإقامات الشهرية من تجاوز الأزمة دون خسائر تذكر، مدعومين باستقرار الطلب من الباحثين عن خيارات الإقامة المرنة. والآن، بعد أن أثبتت هذه المرونة جدواها، تسعى الإصلاحات الإيجارية التي أقرتها دبي لجذب الشريحة ذاتها من المستأجرين.
تراجعت حجوزات الإقامات الترفيهية القصيرة تراجعا حادا بعد تصعيد منتصف مارس، حسبما قال لويس سانتوس، المؤسس المشارك والمدير العام لشركة فيرست كلاس لإدارة العقارات الإيجارية، في تعليق لنشرة إنتربرايز الصباحية. في المقابل، اتسم الطلب على الإقامات الشهرية بمرونة أكبر، بفضل الوافدين الجدد الباحثين عن منازل دائمة، والسكان الذين ينتظرون تسلم وحداتهم، والمسافرين من رجال الأعمال المنخرطين في مشاريع طويلة الأجل، والضيوف الباحثين عن المرونة دون الالتزام بعقود إيجار سنوية. واتفق معه زاكي سجاد، مدير تطوير الأعمال وعلاقات العملاء في شركة كافنديش ماكسويل، إذ أوضح لنشرتنا أن الطلب استمر بفضل المهنيين المنتقلين للعمل بدبي، والعاملين في المشاريع، والسكان الذين ينتظرون تسلم وحداتهم، والأشخاص غير الراغبين في توقيع عقود إيجار سنوية.
نتيجة ذلك أن مديري العقارات الذين يعتمدون حصريا على السياح شعروا بوطأة الأزمة بصورة أكبر، مقارنة بأولئك الذين يقدمون خدماتهم للباحثين عن إقامات أطول.
بلغة الأرقام: تراجعت معدلات الإشغال بالسوق إلى 47.7% في الربع الثاني من عام 2026، بينما انخفض متوسط السعر اليومي بنسبة 17.9% ليصل إلى 373 درهما، وفقا لمؤشر الإيجارات قصيرة الأجل التابع لشركة فيرست كلاس. ورغم ذلك، حققت محفظة الشركة نسبة إشغال بلغت 87.1% بفضل الإقامات الطويلة، وبلغت نسبة الليالي المحجوزة نحو 69.4%، ووصل متوسط الإقامة إلى 21.3 ليال، مقارنة بمتوسط السوق الذي بلغ 6 ليال فقط. وبلغ عدد الوحدات المتاحة بالسوق 33,700 وحدة بنهاية الربع الثاني، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 10.2% على أساس سنوي، لكن يقل في الوقت ذاته عن ذروة يناير البالغة 36,500 وحدة. وانخفض هذا الرقم مجددا إلى نحو 30,900 وحدة في سبتمبر، مع تخارج بعض مديري الوحدات من السوق وحذف منصات الحجز للوحدات غير المرخصة، وفقا لسانتوس.
خلفية: تعمل فيرست كلاس مع 464 مالكا، وتتركز 95% من وحداتها في دبي. ونمت وحدات الشركة من 3 وحدات فقط عند تأسيسها عام 2020 إلى 588 وحدة بحلول أغسطس الماضي.
السياق: يهيمن مشغلو الوحدات بالفعل على معظم سوق الإيجارات قصيرة الأجل في دبي، وترفع الاشتراطات التنظيمية للإمارة من تكلفة التأجير غير الرسمي. ويقول سجاد إن "سوق الإيجارات قصيرة الأجل في دبي صارت أكثر تنظيما بكثير" خلال العامين أو الأعوام الثلاثة الماضية. وأوضح أن ما بدأ كسوق يعرض فيها الملاك الأفراد وحداتهم مباشرة تحول إلى سوق يتولاها مشغلون متخصصون، يديرون عملية التسعير والإيرادات وخدمات النظافة المركزية والخدمات المخصصة للضيوف. ورغم عدم وجود بيانات موحدة توضح التقسيم الدقيق على مستوى الإمارة، فإن البيانات التجارية تدعم الرأي القائل بأن المشغلين المتخصصين باتوا يديرون أغلبية الوحدات المعروضة.
💡 تكرس اللوائح التنظيمية هذا الوضع. إذ يمكن لأصحاب المنازل من الأفراد تسجيل ما يصل إلى 8 وحدات كبيوت عطلات، دون أن يحتاجوا إلى استصدار رخصة تجارية لتأجيرها أو تلبية المتطلبات التشغيلية الكاملة لدائرة الاقتصاد والسياحة في دبي. وتجاوز هذا الحد يعني أن استضافة المؤجرين دون ترخيص رسمي لم تعد خيارا متاحا.
ويرى سجاد أن "التراخيص نظمت السوق. وفرضت معايير حقيقية، تشمل تسجيل المشغلين، واستخراج تصاريح لكل وحدة، وتطبيق معايير للسلامة والجودة، وإصدار تقارير للإيرادات بالدرهم"، مما ساعد في إنهاء الوضع غير الرسمي للقطاع. وأضاف أن هذا بدوره رفع تكلفة العمل بالسوق وأسفر عن حذف الوحدات المعروضة غير المرخصة، مما يصب تدريجيا في صالح المشغلين الأكبر حجما والملتزمين باللوائح، على حساب المضيفين غير النظاميين.
الحجم له مزاياه: التأثيث والتنظيف والصيانة والتأمين والتكنولوجيا والتراخيص ودعم الضيوف كلها أمور مكلفة، ويمكن للمحافظ الأكبر توزيع هذه التكاليف والتفاوض على اتفاقيات شراء أفضل، حسبما أوضح سجاد. وأضاف أن "معدل العائد المطلوب للاستثمار ارتفع بلا شك. وبالنسبة لمشغل متخصص يدير 100 وحدة، يمكن تقاسم العديد من هذه التكاليف، أما من يدير شقة واحدة فلا يمكنه ذلك".
الانتعاشة بدأت بالفعل
بدأت شركة "بي إن بي مي هوليداي هومز" شهر سبتمبر "بمعدل إشغال بلغ 45%، وتتوقع إنهاء الشهر عند 80-85%، وهو أداء قوي بالنسبة للشهر"، حسبما قال فيناياك ماهتاني، المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة، في حوار مع إذاعة "دبي آي 103.8". وقد شهدت الشركة هبوطا في الحجوزات بنسبة 70-80% في مارس وأبريل، قبل أن تتعافى إلى مستويات العام الماضي بحلول شهري يوليو وأغسطس.
يتماشى هذا مع ما يحدث في الفنادق: إذ قفز متوسط أسعار الغرف المعروضة بنسبة 86% في 15 فندقا بالقرب من مركز دبي التجاري العالمي خلال أيام سبتمبر المزدحمة بسبب جدول الفعاليات الحافل، كما ذكرنا في وقت سابق من هذا الأسبوع.
كما حظي هذا الانتعاش بدعم حكومي: ضمن حزمة التحفيز البالغة قيمتها مليار درهم والسارية اعتبارا من أبريل، أتاحت دبي تأجيل تسديد الرسوم لمدة 3 أشهر للفنادق والشقق الفندقية وبيوت العطلات، وعلقت لاحقا رسوم الدرهم السياحي ورسوم مبيعات الفنادق، في حين أجلت تسديد الرسوم الإدارية للتراخيص التجارية والبلدية وغيرها، مما منح المشغلين متنفسا لالتقاط الأنفاس.
الإيجارات السنوية قد قواعد اللعبة
من المرجح أن تؤدي مبادرة التأجير المُيَّسر التي طرحتها دبي مؤخرا إلى اشتداد المنافسة بالأساس في سوق الإقامات متوسطة الأجل، لا سيما الشريحة الواقعة بين الإقامات السياحية القصيرة والإيجارات السنوية التقليدية، كما يقول سجاد. وأوضح أن "أحد أسباب دفع بعض السكان علاوة مقابل الإقامات القصيرة في الوحدات المفروشة طوال السنوات الماضية كان المرونة، إلى جانب الرغبة في تجنب الشيكات الإيجارية الكبيرة والودائع والالتزامات الطويلة. وإذا زاد توجه الملاك التقليديين نحو تقديم خيارات الدفع الشهري، فإن جزءا من علاوة المرونة المالية هذه سيختفي".
تذكر: تعمل دائرة الأراضي والأملاك في دبي على طرح خدمة للتأجير الفوري مع تأجيل الدفع هذا الشهر، ستتيح للمستأجرين توزيع المدفوعات السنوية على مدة تصل إلى 12 شهرا دون فوائد.
لكن سانتوس ليس قلقا إزاء ذلك، إذ يقول إن "المشغلين الأكثر عرضة للتأثر هم أولئك الذين تقتصر عروضهم للإقامات المتوسطة على تخفيض سعر الليالي بالوحدات العادية. أما الضيوف الذين يختارون الإقامة الشهرية في وحداتنا فهم يدفعون مقابل شيء مختلف، وهو الإقامة في وحدة مفروشة تحظى بالخدمات، يمكنهم حجزها لشهر واحد ثم تمديد الإقامة أو المغادرة".
ويرى سانتوس أيضا أن الطلب على الإقامات القصيرة سوف يتعافى، موضحا أنهم لا يعتقدون "أن مستقبل القطاع يكمن في الإقامات المتوسطة. فمع تعافي السياحة، ستستحوذ الإقامات القصيرة على الحصة الأكبر مجددا، مع احتفاظ الإقامات الشهرية بحصة أكبر من ذي قبل نظرا لأن المستأجرين باتوا يعتادون ذلك الخيار بالفعل".
أين تكمن وجهة الاستثمار المقبلة؟
لم تصل سوق دبي إلى حالة فرط العرض بعد، لكن ذلك قد يتحقق في بعض المناطق التي يتجاوز العرض فيها حجم الطلب، بحسب تحذيرات سجاد. وتتضمن المؤشرات انخفاض معدلات الإشغال ومتوسط السعر اليومي، وضعف الإيرادات لكل غرفة متاحة، وطول فترات الحجز المسبق، وزيادة الخصومات، وعودة المزيد من العقارات إلى سوق الإيجار السنوي.
واحتمالية حدوث ذلك تتباين من منطقة لأخرى. إذ يتركز أسرع نمو للعرض في المناطق ذات الأسعار المنخفضة للاستثمار بالسوق، مثل قرية جميرا الدائرية، وميناء خور دبي، ومدينة محمد بن راشد - ميدان، ودبي هيلز، حيث يتجه المستثمرون بحثا عن نسب أفضل بين الدخل الإيجاري الممكن تحقيقه وبين تكلفة الاستحواذ على العقارات، وفقا لسجاد. أما الأحياء الأكثر نضجا فتبدو أكثر مناعة ضد هذا الخطر، مثل مناطق وسط مدينة دبي، ودبي مارينا، ومساكن شاطئ جميرا، ونخلة جميرا؛ فكلها تتمتع بمحركات دائمة للطلب، كالشواطئ والمعالم السياحية والمطاعم وقابلية المشي، وقد اكتملت أعمال البناء فيها إلى حد كبير. ويقول سجاد عن تلك المناطق: "السبب وراء الإقامة هناك لا يتغير.. ومؤشراتها لن تتغير كثيرا أيضا".